تدوينات إبراهيم عبد القادر المازني [١–٢٥ من ٢٨٨ تدوينة]

  • أهل الكهف: رواية تمثيلية للأستاذ توفيق الحكيم
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٧ مايو ١٩٣٣

    ماذا ترى يكون إحساس الرجل إذا نام مائة سنة أو مائتين أو ثلاثمائة — أو ماتها — ثم أفاق وعاد إليه الشعور بما حوله، أو رُدَّ إلى الحياة؟ ويستوي أن ينام المرء أو يموت، هذه المائة أو المئات من السنين — كلتاهما رقدة ينقطع فيها عن الدنيا ويتخلف عن ركبها الذي لا يتلبَّث أو يتوقف في ليل أو نهار، ولا يحس فيها بنفسه وبتيار الحياة الزاخر من حوله، وليس يكفي أن تكون الغيبوبة بضع سنوات، فإن الدنيا لا تتغير في رأي العين وإحساس النفس في سنوات قليلة، أو هي تتغير ولكن الحاضر يبقى — ويبدو — قريب الشبه بالماضي ظاهر النسب إليه، فلا يصدم ولا يدهش ولا يجد المرء ما ينكر. …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٣)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٤ ‏ديسمبر ١٩٣١

    من أصعب الأمور أن تجمع على المسرح — في منظر واحد — أشخاصًا عديدين ممن تسمح لهم منازلهم بالكلام والاشتراك في الحوار، وأن تنقل الكلام بينهم بحيث لا تتركهم تماثيل جامدة، ومن غير أن يضطرك ذلك إلى الفضول والهراء، وأَشَقُّ من ذلك أن تجعل المنظر وليمة كبيرة لكل من يشهدها من ذوي المراتب الملحوظة، ولكن هذا الذي يتوقاه الحذَّاق ويتهيبه أهل البراعة والافتنان، هجم عليه شوقي بك بلا فهم ولا قدرة؛ فجاءنا في المنظر الثالث من الفصل الأول من رواية خرفه، بوليمة أقامها ملك مصر لوفد الفرس حضرها كبار رجال الكهنوت والدولة، وقال في وصف المنظر إن على المائدة أو الموائد «ألوان الطعام المختلفة من خراف مشوية وباردة وبط صيد، ومن سمك النيل، ومن الحلوى بأنواعها (أيُّ أنواعها يا مولانا؟) …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٧)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٣٠ ‏ديسمبر ١٩٣١

    شوقي في روايته يجاري بغير تفكير، ولو فكَّر لما أجداه ذلك لأن العلم بالتاريخ المصري ينقصه، وأغرب ما في أمره أنه يحاول أن يستر التقليد بالجهل؛ فقد جارى الدكتور جورج إيبرز في اعتبار نتيتاس — كما سماها — بنت الملك المخلوع، وجاراه كذلك في زفها إلى قمبيز على أنها بنت أمازيس فرعون مصر الغاصب، ثم راح يزعم أن الدكتور إيبرز هو صاحب القول بأن نتيتاس كانت زوجًا لكورش لا لقمبيز ابنه، كما قال شوقي: إن الذي قال ذلك هو الدكتور إيبرز، وقد كتبها متأثرًا بالحضارة اليونانية شأنه في ذلك شأن كل المؤرخين الإفرنج الذين يتكئون فيما يؤرخون على الحضارة اليونانية، غير عابئين مطلقًا بالحضارة المصرية في ذلك العهد، وأنا المصري ما كان لي أن أسلك الطريق الذي سلكوه في الكتابة عن هذه الحقبة من الزمن، وإنما كان عليَّ أن أعتمد على الحضارة المصرية وأن أسمو بالناحية الوطنية بما يجعلها في مستوى أرفع من النواحي الأخرى ولقد فعلت. …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٦)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٨ ديسمبر ١٩٣١

    كل عاطفة كريمة، كل إحساس شريف، كل باعث نبيل، لا بد أن يعدو عليه شوقي بك ويُمرِّغه في الأوحال ويلوثه، ويبدل صاحبه منه خِسَّة ونذالة ولؤمًا، وقد سبق مثال أو مثالان من هذا، ولكنَّا في هذا الفصل سنتقصَّى ما في الرواية، ونرفعه قِبَل العيون، وليحكم القُرَّاء بعد ذلك على الروح التي يصدر عنها أمير الشعراء، ونوع الوحي الذي ينزل عليه: نتيتاس في فاتحة الرواية تُباهِي مُجِيبةً نفريت بأنها تؤثر الوطن على نفسها وتُضحِّي لتفديه: وتقول لفرعون: ثم تقول مُفاخِرةً: ولكنَّها في الفصل الثاني تناجي بنفسها بما ينقض هذا كله، ومهما يكن ما تظهره فالنجوى أصدقُ وأدلُّ على ما تُبطِن، وإذا كان الصحيح ما تعلنه وتجرب به لسانها على مسمع من الناس؛ فقد كان الواجب على شوقي بك أن لا يجعلها تُحدِّث نفسها بمثل هذا الكلام: وهذا صريح في أنها ما سافرت إلى فارس وزُفَّت إلى ملكها لتفدي وطنًا أو لتدفع عنه غارة غازٍ مخوف الغضب، بل لأنها لم تعد تطيق الحياة في مصر بعد أن حول تاسو قلبه عنها إلى نفريت، ولهذا اغتنمت فرصة الرفض من جانب نفريت فتقدمت، وبديهي بعد ذلك أنها أرادت أن تصيب عصفورين بحجر: تتزوج ملكًا قويًّا مرهوب الجانب، وتنأى عن البلد الذي صارت حياتها فيه شقية، وهي بعد ذلك تعاشر زوجًا تبطن له الاحتقار والمقت، وتقول في وصفه لوصيفتها «النمر الفرس الخشن» وتزدري أصوله وقومه: وتشتمه وتسبه في وجهه وهي ثائرة: وتتملَّقه في العادة وتنافق له وتلقاه بتحية العبد للسيد: ومع ذلك تضمر في أثناء ذلك كله حبًّا لتاسو الغادر وتقول «في نفسها» على حد تعبير شوقي بك: فإخلاصها لوطنها دعوى زائفة ووفاؤها لزوجها رياء ونفاق، ويصف شوقي بك — في الفصل الأول — أخلاق المصريين على لسان واحد من وفد فارس؛ فيقول: ولكنه في الفصل الثالث يجعل لفيفًا من الرجال المصريين يحيطون بعجوز يسخرون منها ويعبثون؛ «تُقبل امرأة مصرية عجوز» فيقول أحدهم: وليس فيما تقول العجوز ما يُشعِر أنه تَخيُّل أو أن الاعتداء عليها وَهْمٌ أو كذب، ولو كان هؤلاء الرجال أطفالًا لعذرناهم؛ فإن الأطفال تعبث بلا كابح، ولكنهم رجال وهم بأعيانهم الذين يجعلهم شوقي بك بعد ذلك مباشرة يتحدثون عن وجوب الثورة والتمرد على الفاتح. …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٥)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٧ ‏ديسمبر ١٩٣١

    يخرج القارئ من الفصل الثاني من رواية قمبيز وهو يعتقد أن الملك كان في تلك الأيام مسخرة، وأن سياسة الدول كانت عبث أطفال، وأن قمبيز كان رجلًا مجنونًا لا أكثر، وكان حقه أن يُحبَس في مستشفى، وأن فرعون مصر كان مغفلًا أبله — هذا هو ما يقع في نفس القارئ من فصلين اثنين من الرواية، والأمر يحتاج إلى إيضاح، فَلْنتوله على قدر ما يسمح المقام. …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٢)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٣ ‏ديسمبر ١٩٣١‏

    موضوع الرواية — بإيجاز — أن قمبيز، ملك الفرس، خطب نفريت بنت أمازيس فرعون مصر، فتأبت وتقدمت نتيتاس — بنت الملك السابق المقتول — وعرضت أن تحل محلها، وأن تُزَفَّ إلى قمبيز باسم نفريت، وذلك لتقي مصر غارة الفرس، وتفدي وطنها من سيف قمبيز و«ناره» على قول الشاعر! …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (٤)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٥ ‏ديسمبر ١٩٣١‏

    الفصل الثاني من رواية قمبيز يقع في مدينة سوس الفارسية، وفيه يصف الشاعر حياة الأميرة المصرية مع زوجها قمبيز، وما كان من افتضاح سرها بسبب خيانة فانيس، وهو إغريقي كان في خدمة مصر ثم خانها والتحق بخدمة فارس، وفي هذا الفصل كان ينبغي أن تظهر البراعة وتتجلى الأستاذية، لو أن لشوقي من هذين حظًّا، فيصور لنا حياة الفرس ويغمر المنظر بجوها، ويرينا كيف تشقى أو تسعد نتيتاس، وعلى أي حال هي مع زوجها الملك، ثم يرسم لنا الوقع المختلف في نفس الملك والملكة لإفشاء السر، والعوامل المختلفة التي تتجاذبهما، ولو نجح شوقي في هذا لاغتفرنا له كل ما سبق ولحق من الإخفاق المبين، ولَكان هذا في رأينا حسنة، ولقد قال بعض النقاد — وأظنه هازلت وإن كنت غير واثق — عن جولد سميث، إن بحسبه الثلاثة الفصول الأولى من روايته المشهورة «قسيس ويكفيلد»، وإنه لو لم يكتب غيرها لكانت كفاية وفوق الكفاية في تخليد اسمه، ولكن شوقي مع الأسف كان في هذا الفصل الدقيق أخيب منه في كل ما فشل فيه، ولو أنه كان يعرف نفسه أو يعني بدرس حدود قوَّتها، والوقوف على مواطن ضعفها، لَتجنب أن يعالج هذا الموقف وتحاشى أن يحاول رسمه. …

  • نقد رواية قمبيز: لصاحب العزة أحمد شوقي بك (١)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٢ ‏ديسمبر ١٩٣١

    قيل لي في مستهل الخريف إن شوقي بك ألَّف خمس روايات تمثيلية كل واحدة منها آية، ولكن آيته الكبرى هي قمبيز، وحدثني من أروي عنه أن رواية قمبيز في اعتقاده خير ما كتب في حياته، فأكبرت هذه الهمة من شيخ فانٍ، وأعربت عن إعجابي بما يبديه شوقي بك في هذه السن العالية من النشاط، وما هو دائب عليه من مواصلة الإنتاج، وتمنيت أن يكون الأمر كما وصف محدِّثي، وكنا نجلس في تلك الأيام التي كانت فيها «السياسة» معطَّلة، حلقات نتذاكر الأدب والشعر، وكان من بيننا المعجَب بشوقي والمغالي بأدبه، والزاري عليه والعائب له، والمتحفظ في المدح والذم، ولكنَّا جميعًا كنا نترقب هذه الروايات الخمس أو الست — لا أدري — وما منا إلا من يرجو أن يكون الرجل قد وُفِّق فيها، حتى أنا الذي يعرف القراء سوء رأيه في شعر شوقي على العموم، وفي روايتيه — مصرع كليوباترة، ومجنون ليلى — على الخصوص، لم يكن رجائي أن يُكتَب له التوفيق مشوبًا بتحفظ لا معلَن ولا مكتوم. …

  • رسالة الغفران: منقولة إلى الإنجليزية بقلم ج. براكنبري
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة المقتطف · إبريل ١٩٤٤

    قرأت هذه «الرسالة» فذهبت أُفكِّر في ترجمة الأدب من لغة إلى لغة كيف ينبغي أن تكون؟ أنجعلها حرفية دقيقة بغير نظر إلى ما بين اللغات من فرق في الذوق، وطريقة تأليف الكلام «على معاني النحو» كما يقول الجرجاني، وما بين أبنائها من اختلاف في أساليب التفكير والتناول؟ …

  • تاريخ الحركة القومية: استطراد
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة الأسبوعية · ٢ مارس ١٩٢٩

    لمَّا أهدى إليَّ صديقي الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي كتابه «تاريخ الحركة القومية وتطوُّر نظام الحكم في مصر» فرحت به وأكبرت هذا الجهد وانتويت أن أعجل بالتخلي لقراءته والكتابة فيه، وأقبلت عليه مُبتدِئًا بالفصل الأول حتى بلغت نصفه، ثم وقعت عيني على الإهداء، وفيه يقول: إلى أخي العزيز أمين بك الرافعي، من فقدته وأنا أحوج ما أكون إلى حُبِّه وعطفه … إلى أخي العزيز أمين بك الرافعي، من فقدته وأنا أحوج ما أكون إلى حُبِّه وعطفه … فوقفت وطويت الكتاب وانصرفت عنه … أنا أيضًا كان لي أمين بك «أخًا عزيزًا»، كان قريبي وليس من رحمي، وكان نسيبي ولست من نَسبِه، وقد فقدته — كما فقده أخوه — وأنا «أحوج ما أكون إلى حبه وعطفه»، وما زلت كُلَّما ذكرته، جفَّ حلقي وعصب ريقي، وكل شيء يُذكِّرنيه: شمائله الطيبة الشكول، وفقري إلى حرارة إيمانه وقوة روحه التي كنت أستمد منها العون والغوث، وهذا التحطم الذي أحسه بعده في كياني، والتهدم الذي أجده في بنياني، والضعف الذي يساورني، واليأس الذي يخامرني، فقد كنت معه كأنما ليس في الدنيا سواه، وكأن الناس غيره ما كانوا، فلما خَلَتْ منه رقعتي صارت الصحراء في قلبي … فمن العسير أن أكون بسبيل من ذكر أمين بك، وأن أقدر مع ذلك على توقِّي الخلط والاضطراب؛ الخلط بين خواطري وبين ما أعالج من التفكير في أمور لا علاقة لها بشخصي، والاضطراب الذي يحدثه اكتظاظ النفس بالذكر، وهي — على كونها عناء — تسحر العقل وتغريه بالتعلق بها والاستغراق فيها، ومن سوء حظي أن ذكراه كالحلم بالفردوس؛ حاجة النفس كلها ومنى النفس جميعًا. …

  • أيام الشباب … هل ولَّتْ؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الاثنين والدنيا · ٢ أبريل ١٩٤٥

    أيام الشباب! هل وَلَّت؟ ركبت الترام مرة، وكان لا موضع فيه لقدم، ولكني تعلمت أن أزاحم، ووقفت وظهري إلى باب، وإذا بفتاة صغيرة تنهض عن مقعدها وتقول «تفضَّل» فشكرتها، وقد ظننت أن محطتها أقبلت، غير أن المحطة جاءت ومضت، وهي واقفة لا تنزل، فأردت أن أردها إلى مقعدها فأبت، وقالت إني رجل كبير كوالدها! …

  • نقص … أم ماذا؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٣ فبراير ١٩٣٩

    كان معي — وأنا مدرس في مدرسة دار العلوم — أستاذ إنجليزي كانت بيني وبينه صداقة وثيقة، وكنَّا نعلِّم الطلبة مبادئ اللغة الإنجليزية، فأقبل عليَّ يومًا يقول: «لقد أخفقت وأحسب أن من واجبي الآن أن أقنع رؤسائي بنقلي إلى مدرسة أخرى، فما في بقائي هنا خير، ولست أدري كيف تصنع أنت! …

  • كتاب عجيب في الإسلاميات: للمستر ي. ويريف
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢١ مايو ١٩٤٤

    هذا كتاب عجيب وقعت عليه عيني ذات يوم وأنا أدور على المكتبات الكثيرة الغاصَّة بالكتب التي لا تعنيني مما أخرجت المطابع في هذه الأعوام الخمسة ومعظمها يدور على الحرب، وقد قرأت الكثير منها فلم أستفد إلا العناء، ولا أدري لم لا تُعنَى دور النشر الغربية أو المعاهد الثقافية البريطانية والأمريكية بتزويدنا بالجيد من الكتب في الآداب والفنون والعلوم، فإنه حتى المحارب نفسه، حين يعود من الميدان ليُعالَج أو يستريح، يضجره كتب الحرب وما إليها مما يتفرع عليها، ويشتهي أن يجد كتابًا يُنسيه ما كان فيه. …

  • أظرف من عرفت!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · فبراير ١٩٤٧

    والله إن كل من عرفت لظريفات! ولماذا أقبل أن أعرف من لَسْنَ كذلك؟ أليس المرء حرًّا في الاختيار؟ ولكنك قد تقول إنك لا تستطيع أن تعرف أن هذه المرأة بعينها ظريفة حتى تعرفها، فأقول إن هذا ليس بصحيح، وغير منكور. إن الظُّرف في الأصل متعلِّق بالكلام — كما يزعم أهل اللغة — ولكني لا أعبأ شيئًا بأهل اللغة، ولا يدخل في عقلي أن تكون المرأة ظريفة الكلام، وأن لا يكون فيها شيء يدل على ظرفها دون أن تنطق بحرف، وأنت يكفيك أن ترى امرأة لتعرف أهي ظريفة أم ثقيلة؛ لأن خفة الدم لا تخفي وثقله لا يستتر، ولو وضعت على وجهها ألف حجاب وحجاب، ومحالٌ أن تكون امرأة خفيفة على القلوب وأن تكون مع ذلك غير ظريفة، فدعنا من أهل اللغة فإنهم «ورَّاقُون» ليس إلا، وأنا أستعمل كلمة «الوارقين» وأنا أعلم أن أهل اللغة يريدون بها معنى غير الذي أعنيه، وهو أن هؤلاء القوم الذين لا يفتأون يقولون لك أخطأت، إنما يعيشون بين أوراقهم، ولا يعيشون بين الناس، ولا يدركون أن الألفاظ — كالأحياء جميعًا — تتطور معانيها، وتضيق وتتسع، وتسمج وتحلو وتندثر وتبقى على الأيام وبحسب الذوق العام في كل زمان. …

  • العامية والعربية أيضًا: ألفاظ صحيحة لم لا نستعملها؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٧ أكتوبر ١٩٣٥

    لما فتح العرب مصر لم تكن العربية لغة البلاد، وإنما كانت لغة القوم خليطًا من المصرية القديمة والإغريقية والرومانية وغيرها، ثم أخذت العربية تحل محل هذا المزيج، وبدأت مصر بعد رسوخ الإسلام فيها تساهم بحظ في النشاط الذي كانت بغداد مصدره، على خلاف الحال في إفريقية الشمالية، حيث كان انتشار العربية بطيئًا جدًّا، حتى إنه — إلى القرنين التاسع والعاشر — لم تكن ثم دائرة أدبية تستحق الذكر إلا في القيروان بتونس، على حين كانت مصر قد صارت في القرن التاسع مركزًا لمدرسة تاريخ مستقلة في العالم الإسلامي. …

  • تربيتنا لا تزال على الأساليب القديمة
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة أخبار اليوم · ٦ أبريل ١٩٤٦

    أجود الجود أن تعطي والذي عندك قليل، أو لا يكاد يجاوز حد الكفاية، فما بغريب، ولا مما يستحق ثناءً كثيرًا أو إعجابًا، أن يسخو مَن أوتي مالًا لا يخاف فناؤه، وقُلْ مثل ذلك في كل فضيلة، وخلة كريمة، وصفة من صفات الخير. وليس هذا مقالًا في الكرم أو الشجاعة أو غيرها من الصفات المستحسنة المحمودة، وإنما أردت أن أقول إن كل ما في الإنسان من عيب ونقص يستطاع علاجه وتقويمه، وتهذيبه وتثقيفه — إلى حد ما على الأقل — إلا ما خرج خلقة وفطرة عن حد الصحة كل الخروج، فلا علاج له ولاسبيل إلى إصلاح فيه، فإنك لا تستطيع — مثلًا — أن تذهب حدبة الأحدب، أو أن توسع الرأس إذا جاء ضيِّقًا بالخلقة، ليتسنى لحشوه أن يبلغ الغاية من النماء، ولكنك فيما عدا هذا الذي تقل فيه حيلة الإنسان، لا يعجزك أن تصلح وتهـذب على قدر ما رُزِقت من فطنة وقدرة وحسن تدبُّر. …

  • في عالم الكتب (١)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٠ مارس ١٩٤٤

    «سلَّامة» — بتشديد اللام — جارية مغنية كانت لرجل من أهل الورع في مكة كره منها ولوعها بالغناء، فباعها على حب زوجته لها حبًّا بلغ مرتبة التبني وعزاها عن فقد بنيها، ففجعها ذلك فماتت، واشترى الجارية رجل ثري كريم يحب الغناء والعزف، ويجتمع عنده الأدباء والشعراء من طلاب اللهو والشراب الذين ينتهبون العيش ويغتنمون فرص الحياة. …

  • في عالم الكتب: أبدًا يسطر — ما شاء — القلم
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٥ أكتوبر ١٩٤٥

    مللت أن أكتب كل أسبوع عن كتاب، وهممت بالكف ثم استحييت أن أخذل إخوانًا وأخيب أملهم بلا موجب، وقد سبق مني الوعد بأن أتناول كتبهم بالحق، ثم إني إذا لم أكتب في هذا فسأكتب لا محالة في غيره، فما تبقى أصابع الزمَّار ساكنة أبدًا، وإنه ليموت وهي تلعب، أو هكذا يقول المثل، والعهدة على مرسله، فما رأيت قطُّ زمَّارًا يموت، على أني مطمئن إلى صحة المثل، فإنه يقال إن الكف آخِر ما يموت من البدن، أيْ آخِر ما يظهر أثر الموت فيه، ومن هنا راح قرَّاء الكف أو علماؤه يزعمون أن هذا علم صحيح والله أعلم، فقد قرأت كتبًا — بالإنجليزية والعربية — في هذا العلم، فما اقتنعت بشيء، وحدثني غير واحد من أهل هذا العلم، فكنت أصغي وأهز رأسي وأقول: «ظاهر، ظاهر. …

  • محدث سيارة
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة أخبار اليوم · ٢٢ فبراير ١٩٤٧

    عهدي بالسيارات قديم، ومصيبتي بها كبيرة، وأنا سائق ماهر، وحريص محاذر، ولكنه وقع لي ما لا يقع حتى لأطيش الشبان وهم سكارى، أكون راكبًا مطمئنًا مغتبطًا حتى لأشعل سيجارة وأدندن، وإذا بالعجلات تخرج من مواضعها وتسبقني في الطريق، فتميل السيارة على جنبها، ولولا لطف الله ثم براعتي — ولا فخر — لانقلبت بي والعياذ بالله. …

  • مجمعنا اللغوي: ماذا يصنع وماذا أثمر؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٤ سبتمبر ١٩٣٩

    عرفت الدكتور أحمد عيسى بك لا من طبه — لا جُعلت حاجتي إليه، على حذقه وأستاذيته فيه — بل من أدبه وعلمه. وقد كانت له مشاركة في سياسة الأحزاب جنت عليه فيما أعلم ولم يستفد منها إلا العناء الباطل، وإلا الاضطهاد بعد أن دالت دولة الحزب الذي دخل فيه. …

  • كتابان عن الصِّديق لهيكل باشا والأستاذ العقاد
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٣ مايو ١٩٤٣

    لما أخرج الدكتور هيكل باشا كتابه «الصديق أبو بكر»، وتلقيت منه نسخة «ممتازة» على ورق نفيس يعد في أيامنا هذه تحفة نادرة، دار في نفسي للصديق ما يشبه الحسد. فلو كنت حاسدًا من الناس أحدًا لحسدته يومئذ! وأعددت بعض المراجع، وعكفت على الكتاب حتى أتيت عليه في ليلة وبعض ليلة، وصحَّ عزمي على أن أقول فيه كلمة أؤدي بها حق التاريخ وحق الصديق المتفضِّل، ولكني أردت شيئًا وأراد الله غيره، فمضت الأيام، والعزم على حاله من الصحة، ولكن الكلمة لا تكتب حتى ذهبت الفرصة، وصار أن أكتب شيئًا، عملًا حريًّا أن يعد غير لائق؛ لأنه يجيء بعد أوانه بزمان طويل، فانصرفت آسفًا، وفي مرجوي أن يمهد لي الصديق العذر ولا يحوجني إلى الاعتذار. …

  • في عالم الكتب (٢)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٧ مارس ١٩٤٤

    شرعت لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية في إصدار سلسلة شهرية من الكتب عن «أعلام الإسلام» مساهمةً منها — كما قالت — في تجديد شباب النهضة العربية، وبَعْثِ مَجْدِها، وربط صلاتها في الزمان والمكان، وافتتحتها بكتاب جليل في «ابن العاص» لصديقنا الأستاذ العقاد، فكانت فاتحة موفَّقة تربط تاريخ مصر الإسلامية بسِيَر هؤلاء الأعلام. …

  • في عالم الكتب: رسائل الأحزان في فلسفة الحب والجمال
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الأخبار القديمة · ٢٤ مايو ١٩٢٤

    كتاب اسمه «رسائل الأحزان في فلسفة الحب والجمال» يضعه رجل من أركان المذهب القديم هو السيد مصطفى صادق الرافعي، ويدفع بنسخة منه إليَّ أنا الذي لا يحب مع الأسف الفلسفة، ولا يستطيع أن يستكنه الجمال أو يستشف سر الحب ولا يعد نفسه — حين يعدها شيئًا — إلا من ممثلي المذهب الجديد لسوء حظ هذا المذهب! …

  • حديث الأحد: تحضير الأرواح (حول كتاب للأستاذ أبو الخير)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٢ مارس ١٩٤٢

    لم أشتغل قط بما يسمى «تحضير الأرواح»، وكل ما قرأته في موضوعه كان للتسلية لا للدرس، فقد خفت أن يغمرني منه بحر لجب، ولست من الجاحدين أو المنكرين، وإني لأوثر أن أومن — بإرادتي — حتى وإن كان عقلي لا يطمئن أحيانًا، أو يسكن، وفي الإيمان راحة، وإرضاء لشعور المرء بذاته، وتلطيف وتخفيف لما يثقل على النفس من فكرة الفناء والعدم. …

  • عبد القادر حمزة باشا محاضرة في نادي نقابة الصحفيين أمس أول
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٤ مايو ١٩٤٤

    نظمت إدارة النادي سلسلة محاضرات في موضوعات صحفية، وقد افتتحها في الأسبوع الماضي الأستاذ الجليل خليل ثابت بك — بمحاضرة نفيسة كانت فائدتها جزيلة لنا جميعًا، وقد شكره عنا الأستاذ النقيب وأثنى عليه بما هو أهله، ولكني أرى من واجبي أنْ أقدِّم له شكرًا شخصيًّا خاصًّا، فقد ألهمني ما سمعت منه في محاضرته القيمة أن أنهج في هذه المحاضرة غير النهج الذي كنت عقدت العزم عليه، وأنا أعلم أنه ليس بيننا اليوم، فقد تفضَّل وبعث إليَّ يعتذر من اضطراره إلى التخلف؛ لأن عليه أن يلقي محاضرة في هذا الوقت عينه بالنادي الشرقي، فله مني شكران: شكر على ما أفادني، وشكر على تلطُّفه وتفضُّله بالاعتذار. …