تؤثر حلزونات الحمض النووي الملتوية داخل أجسامنا على كل شيء بدءًا من الطول حتى الشخصية إلى احتمال الإصابة بالأمراض. والآن اتضح أن جيناتنا تشكل كذلك مجتمعات الميكروبيوم لدينا، وهي تريليونات الميكروبات التي تعيش داخل أجسامنا.

توءم.
توءم.

فعبر دراسة ٤١٦ زوجًا من التوائم البريطانيين، حدَّدت الباحثة جوليا جودريتش وزملاؤها — من جامعة كورنيل — الميكروبات المعوية التي يتأثر وجودها إلى أبعد حَدٍّ بالجينات الخاصة بنا. ووجد الباحثون أن النوع الأهم من بين تلك الميكروبات هو بكتيريا غامضة تدعى كريستينسينيلا مينوتا، وهي العضو الوحيد في عائلة اكتُشِفت منذ ثلاث سنوات وحسب.

من الناحية الجينية والفيزيائية، تبدو هذه البكتيريا عاديَّة نوعًا ما؛ فهي ليست سوى بكتيريا عصوية أخرى تكره الأكسجين وتخمِّر المغذِّيَات، ويرجع أصلها إلى سلالة متينات الجدار، وهي إحدى مجموعتي البكتيريا الرئيسيتين في أمعاء البشر. رغم ذلك يتأثر وجودها تأثُّرًا قويًّا بجيناتنا، على نحو يفوق أي ميكروب آخر. يبدو كذلك أن بكتيريا الكريستينسينيلا تحتل مكانًا في مركز شبكة ضخمة من الميكروبات؛ ففي حال وجودها من المرجح أن تظهر تلك الميكروبات الأخرى أيضًا. وعلاوة على ذلك، فهي تؤثر على وزننا؛ إذ يزيد انتشارها لدى الأشخاص النحاف، ويمكنها تقليل زيادة الوزن لدى الفئران.

تشير جميع تلك الخواص إلى احتمال (ونشدد على كلمة احتمال) كون بكتيريا الكريستينسينيلا نوعًا رئيسيًّا من البكتيريا، نوعًا يفرض تأثيرًا غير متكافئ على العالم المحيط به. استُخدِم مصطلح «نوع رئيسي» أول مرة لوصف نوع من نجوم البحر يؤدي غيابه إلى تغيير طبيعة شاطئ البحر تمامًا. وقد استُخدِم منذ ذلك الحين لوصف ثعالب الماء والذئاب ونبات الهدال. قد تكون تلك الأنواع نادرة نسبيًّا، لكنها تتمتع بتأثير بيئي قوي. ربما تتمتع بكتيريا كريستينسينيلا بأهمية مماثلة في عالم الأمعاء. ومع ذلك لم يعلم أحد بوجودها إلا مؤخَّرًا.

تقول روث لاي، الباحثة التي قادت الدراسة: «لم أسمع عن تلك البكتيريا قَطُّ من قبلُ، وهو ما يسلط الضوء على مشكلة حقيقية في هذا المجال؛ ألا وهي تحدُّثنا عن الأشياء التي تحمِل أسماءً فحسب.»

وبغض النظر عن بكتيريا الكريستينسينيلا، تقدم هذه الدراسة كذلك أقوى الأدلة التي اكتشفت حتى الآن على أن الجينوم البشري يصدر الأوامر التي تحدد عضوية الميكروبيوم في أجسادنا. ظهرت بعض الإشارات الدالة على ذلك فيما مضى، فقد كنا نعرف — على سبيل المثال — أن مجتمعات الميكروبيوم تتشابه أكثر لدى أفراد العائلة الواحدة عن مجتمعات الميكروبيوم لدى الأفراد الذين لا تربطهم صلة قرابة، لكن ذلك قد يرجع ببساطة إلى عيش أولئك الأفراد في بيئات متماثلة، واتِّباعهم لنظم غذائية متشابهة. فما مدى أهمية الجينات إذن؟

لمعرفة ذلك، اتجه العلماء إلى دراسة التوائم. فإذا كانت إحدى السمات تخضع لتأثير قوي من قبل الجينات فمن المفترض أن تعكس التوائم المتطابقة (التي يتطابق حمضها النووي بنسبة ١٠٠٪) تشابُهًا أكبر في تلك السمة مقارنة بالتوائم غير المتطابقة (التي يتطابق حمضها النووي بنسبة ٥٠٪ فحسب). وفي عام ٢٠٠٨، درس فريق بقيادة الباحث بيتر تيرنبو مجتمعات الميكروبيوم لدى ٤٤ زوجًا من التوائم الأمريكيين ولم يستطع إيجاد أي أنواع أو جينات تتشاركها التوائم المتطابقة بشكل ثابت عن التوائم غير المتطابقة، وهي نفس النتيجة التي خلصت إليها دراسة أحدث بقيادة تانيا ياتسونينكو، تضمنت ٨٧ زوجًا من التوائم من الولايات المتحدة الأمريكية ومالاوي؛ ومن ثَمَّ كتب الفريق البحثي: «إن قابلية الميكروبيوم للانتقال بالوراثة منخفضة على وجه العموم.»

إلا أن لاي — التي شاركت في دراسة عام ٢٠٠٨ — ارتأت أن تلك الدراسات كانت أصغر من اللازم؛ ومن ثَمَّ رغبت في دراسة المزيد من التوائم، ولكي تعثر عليهم تعاونت مع تيم سبيكتور — من جامعة كينجز كوليدج لندن — الذي أَعَدَّ أضخم سجل في العالم للتوائم منذ عقدين من الزمان. جمع الفريق عينات براز من ٩٧٧ توءمًا من هذا السجل، من بينهم ١٧١ توءمًا متطابقًا و٢٤٥ توءمًا غير متطابق، وهو عدد يعادل خمسة أمثال عدد المشاركين في أكبر دراسة سابقة.

اكتشف الباحثان أن التوائم المتطابقة تملك بالفعل مجتمعات ميكروبيوم أكثر تشابهًا بعض الشيء عن التوائم غير المتطابقة، وهو ما تعلق عليه لاي قائلة: «أعتقد أننا قد قدمنا إجابة حاسمة على ذلك السؤال.» وعلاوة على ذلك، وجد الفريق فروقًا أشد وضوحًا عندما فحصوا عائلات بعينها؛ إذ اكتشفوا أن مجموعات محددة من الميكروبات تتمتع بقابلية للتوريث تفوق المجموعات الأخرى بمراحل. وقد تصدرت بكتيريا الكريستينسينيلا بقابلية توريث تصل إلى ٠٫٤. بعبارة أخرى، توجد تلك البكتيريا لدى بعض الأشخاص بينما لا تظهر لدى البعض الآخر، ويرجع حوالي ٤٠٪ من هذا الاختلاف إلى جيناتنا.

تتعايش بكتيريا الكريستينسينيلا في أغلب الأحيان مع مجموعة من الميكروبات الأخرى، من بينها مجموعات أخرى غامضة لم يُطلق عليها اسمٌ بدقة. قد يكون وجودها معًا مصادفة، فربما تنتقي نفس الجينات عددًا كبيرًا من الميكروبات على نحو مستقل، لكن بدلًا من ذلك قد تكُون هذه المجموعة في الواقع عبارة عن شركاء يُنتجون المواد الغذائية التي تغذي كلًّا منهم، وفي كلتا الحالتين تكوِّن شبكة اجتماعية متماسكة تستقر بكتيريا الكريستينسينيلا في قلبها.

وجد الفريق الظاهرة نفسها عندما درس البيانات التي توصلت إليها الدراسات السابقة؛ فبكتيريا الكريستينسينيلا تتمتع كذلك بأعلى قابلية للتوريث في أمعاء الأمريكيين والمالاويين، وتتعايش مع نفس شبكة الجيران، وهو ما يشير إلى كون النتائج حقيقية، ولا تنطبق على المملكة المتحدة فحسب.

تنتشر بكتيريا الكريستينسينيلا وحلفاؤها لدى الأشخاص النحاف على وجه الخصوص. فهل يتمتع هؤلاء الأفراد بقدرة أفضل على حمل هذه البكتيريا، أم أنها تؤثر على الوزن؟ لمعرفة ذلك، زرع الفريق عينات براز من بعض التوائم التي درسها داخل فئران رُبِّيَتْ لهذا الغرض ولا تحمل أية بكتيريا خاصة بها. كانت لاي قد ساعدت عام ٢٠٠٦ في إجراء تجارب مماثلة أظهرت أن الفئران الخالية من الجراثيم اكتسبت وزنًا عندما تلقت عينات براز ترجع لأشخاص يعانون من السمنة. وفي هذه المرة، وجد فريقها نفس النتيجة لكن مع تطور غير متوقَّع؛ ألا وهو: في حالة احتواء البراز على بكتيريا الكريستينسينيلا؛ فإن الفئران اكتسبت أرطالًا أقل من الوزن.

أكد الفريق هذه النتيجة عبر إضافة بكتيريا الكريستينسينيلا عن قصد إلى عينة براز قبل زرعها في الفئران الخالية من الجراثيم، ووجدوا أنه بدُونِها اكتسبت الفئران ١٥٪ وزنًا إضافيًّا، و٢٥٪ دهونًا. أما في حال وجودها فلم تكتسب الفئران إلَّا ١٠٪ وزنًا إضافيًّا، و٢١٪ دهونًا. وعلى سبيل المقارنة، يعادل ذلك اكتساب شخص يبلغ وزنه ٧٠ كيلوجرامًا سبعة كيلوجرامات إضافية بدلًا من عشرة.

ويحاول الفريق الآن اكتشاف دور بكتيريا الكريستينسينيلا بالضبط، وكيف يؤثر ذلك على وزننا. تعلق لاي على ذلك قائلة: «لا زلنا لا نعرف شيئًا عن ذلك، نحن نحاول التغلُّب على المشكلة التي يواجهها الجميع؛ ففي وسعنا ربط أحد الميكروبات بِسِمَة ما، ويمكننا إيجاد هذه السمة عبر إضافة الميكروب، لكن ما الآليات التي تحكم ذلك؟»

إن معرفتنا الضئيلة جدًّا عن هذا الميكروب الغامض لا تساعدنا. يوجد الميكروب في الجسم منذ الميلاد، فعندما ألقت لاي نظرة على دراسة قديمة أُجرِيَت على رضيع واحد، وجدت أن بكتيريا الكريستينسينيلا تشكل ٢٠٪ من الميكروبات في براز الرضيع. إلا أنها توجد بمعدَّلات أشد ندرة في عينات البالغين. لا تعتمد وفرة هذه البكتيريا على النظام الغذائي عكس أنواع أخرى كثيرة من البكتيريا المعوية، وتخضع لتأثير الجينات لدينا.

لكن أي نوع من الجينات؟ ذلك لغز آخر، لكنه ربما يكون أسهل في حله؛ إذ تتوفر عينات حمض نووي من جميع التوائم في سجل سبيكتور؛ ومن ثَمَّ من المفترض أن يصبح تحديد الجينات التي ترعى بكتيريا الكريستينسينيلا وغيرها من الميكروبات القابلة للتوريث أمرًا ممكنًا.

وقد يساعد ذلك على شرح نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام؛ ألا وهي زيادة انتشار غالبية البكتيريا الأعلى قابلية للتوريث لدى الأشخاص النحاف عن الأشخاص السمان. هل يعني ذلك أن جيناتنا تنتقي البكتيريا التي تعزز وزنًا أصح؟ أم أن الأنظمة الغذائية التي تؤدي إلى البدانة تخفي التأثيرات الجينية على الميكروبيوم لدينا؟ أم أن الأشخاص الذين تحولوا إلى السِّمنة يملكون جينات تعزز مجموعة مختلفة من البكتيريا؟ تبدو جميع تلك التفسيرات منطقية، لكن لم تثبت صحة أيٍّ منها. ما زال أمامنا الكثير جدًّا لاكتشافه عن الميكروبات التي تشاركنا حياتنا.

The Most Heritable Gut Bacterium Is … Wait, What Is That? By Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. November 6, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.