طلب الخديوي في كتابِه إلى عرابي أن يوقف التجنيد، فأجاب عرابي أنه لا يوقفه؛ لأنه تقرر تجنيد ٢٥ ألفًا، فماذا كان عدد الجيش المصري يومئذٍ؟

كان مجموع الجيش النظامي ١٩ ألفًا موزعة على الوجه الآتي:

(١) ثمانية آلاف جندي نظامي مسلحون بثمانين مدفعًا من طراز كروب بقيادة ناظر الجهادية.

(٢) حامية أبو قير وعددها ٣٥٠٠ جنيه.

(٣) حامية رشيد وعددها ٢٥٠٠ جندي.

(٤) حامية دمياط وعددها ٥ آلاف جندي.

هذا الجيش المنظم دعى الرديف للانضمام إليه، كما قبِل بين صفوفه المتطوعين الذين لم يكونوا متمرنين على حمل السلاح، والعربان الذين لا يخضعون للنظام العسكري. وقد عابوا على عرابي حشد الرجال حشدًا بلا تدريب، فاعتذر بضيق الوقت وبأن التدريب يتطلب ثمانية شهور على الأقل وسنة على الأكثر والإنكليز قد بادروه بالقتال، ولقد عابوا على الأميرال سيمور ضرب الطوابي والقلاع قبل أن يصل إليه الجنود الذين ينزلهم إلى البر.

فقد ضرب تلك القلاع والطوابي في ١١ و١٢ يوليو، ولكن الباخرة الأولى تامار التي وصلت وهي تحمل الجنود، كان وصولها إلى مياه الإسكندرية في ١٧ يوليو وعليها ألف جندي بري وبحري وطوبجي نقلتهم من جزيرة قبرص، ووصلت المدرعتان نورغبرلند وأجلكور وأنزلتا إلى البر ١٧٠٠ من مشاة الآلاي ٣٨ والآلاي ٦٠ من الرماة. وفي اليوم ذاته وصل الجنرال أرشيبالد آليزون واستلم قيادة الجنود في البر، وكان عددهم جميعًا ٣٦٨٦ جنديًّا؛ فاستطاع الجنرال بواسطة هذه القوة من مكافحة النيران ومن وضع يده على معدات السكة الحديدية التي حاول زكي باشا تسليمها لعرابي، واستطاع بعد ذلك أن يوجه الطلائع للاستكشاف حتى قبالة كفر الدوار معقل الجيش المصري. وفي ١٨ أصدر الجنرال آليزون أوامره برفع الأنقاض وكشف الطرقات، وحينئذٍ ظهر عِظم الخطْب الذي حل، وكتب في وصف ذلك شاهد عيان فقال: «لقد ظهر أن جميع المخازن والمنازل في دار المنشية وما يتفرع منها قد أُحرقت ونُهبت ما عدا دار المحكمة المختلطة، وكذلك شارع شريف ما عدا بناية الكريدي ليونه وبناية سنت ماري وأنطونياديس، وأكثر المنازل والمخازن في الشوارع المتفرعة من شارع البوسطة الطليانية والشوارع الواقعة على ساحل البحر وشارع الرمل وشارع البنات حتى المحطة من جهة وحتى محطة الرمل من الجهة الأخرى.»

وقد نظم الشعراء القصائد الكثيرة في تلك النكبة، فقال قدري بك الذي كان مع المشير درويش باشا من قصيدة طويلة:

وقال آخر:

وقال الأديب الشهير أديب إسحاق:

والقصيدة تقع في مائتي بيت وفيها وصف رائع للمهاجرة والحريق والنهب.

غادر المهاجرون الإسكندرية، فأخذ عرابي يوزعهم على المديريات والمحافظات، وأراد البعض منهم العودة إلى الإسكندرية فمنعوه بالقوة. ويقول محمد شكري بك في تقريره إلى المجلس العسكري: إن شر الاضطرابات التي نجمت في الداخل عن ضرب الإسكندرية والمهاجرة واختلاط الحابل بالنابل لم يقع على النصارى واليهود فقط، بل هو تناول النوبيين والبرابرة؛ لأن الرعاع الذين اندسوا بين الأهالي كانوا يذيعون أن عرابي يعتبرهم من الخوارج.

وفي محاضر التحقيق أنه قام في طنطا أبو الضياء يوسف وأخذ يحرض الأهالي — كما جاء في شهادة أحمد بك المنشاوي وخليل إبراهيم وعبد الرحمن سامي وعبد الرحمن فايد — ويقول لهم إن الحرب نشبت بين المسلمين والنصارى، فهاج الأهالي هياجًا شديدًا وطافوا الشوارع وهم يصيحون: «يا مولانا يا عزيز اهلِك عسكر الإنكليز»، وتلا ذلك النهب والسلب، وبلغ عدد القتلى ثمانين قتيلًا. ولكن الأعيان بادروا لإغاثة الأجانب وحموهم في منازلهم. وكان لأحمد بك المنشاوي النصيب الأوفر، فإنه أرسل فلاحيه إلى طنطا وسواها واستعان بمأمور الضبطية، وتمكَّن من جمع ٣٠٠ نفس في داره بالقرشية، وظلوا عنده إلى أن أوصلهم بأمان إلى الإسماعيلية. وقُتل في دمنهور وضواحيها برواية اللورد كرومر ١٥ منهم رجل يهودي، وقُتل في المحلة الكبرى ٩ منهم ٦ من الأروام وثلاثة من موظفي مصلحة التاريع «المساحة». وحمى محمود أفندي منجد المأمور فريقًا في منزله، وأنقذ حسين أفندي سامي مأمور تاريع المحلة الكبرى الموسيو كجروس مفتش التاريع مخاطرًا بحياته في سبيل إنقاذه.

وقُتل في بنها ١٣، وفي كفر الزيات ستة، وفي الزقازيق واحد، وفي محلة أبو علي خمسة، وفي قليوب كانت عائلة مهاجرة من الإسكندرية، فرماها الرعاع من القطار.

أما في القاهرة فإنه لم يقع شيء بفضل ذلك البطل النشيط مأمور الضبطية إبراهيم فوزي، فكان الأجانب في راحة تامة. ولكن العامة كانت توالي المظاهرات ويتلهون بالكلاب، يضعون الواحد منها على ظهر حمار وهم ينشدون وراءه وهم يطوفون الشوارع: «يا سيمور يا وجه القملة، من قال لك تعمل هالعملة.» وبعد الطواف يذبحون الكلب وهم يصيحون: «قطع الله رأس سيمور.» وفرت الكلاب من المدينة من أجل ذلك، وإذا ظهر واحد منها وسمع الغلمان يلفظون كلمة سيمور ركض إلى الجبل.

وهذه الظاهرة في فرار الكلاب تقدمتها ظاهرة مثلها على عهد محمد علي، فإن إنكليزيًّا كبيرًا وزوجته زارَا المذبح، ولم تكن الكلاب قد ألِفَت منظر البانطلون والبرنيطة الطويلة وفساتين الأوروبيات على شكل المظلة على الأسلاك، فهرَّت عليهما الكلاب وأنقذهما عمال المذبح، فلما قابل الإنكليزي محمد علي روى له الحكاية، فأمر مشائخ إلى الحارات بإبعاد الكلاب إلى طرة والجيزة. وكان الغلمان إذا رأوا كلبًا ينادون: يا شيخ الحارة، فتعرف الكلاب أن وراء كلمة «شيخ الحارة» عذابها والقبض عليها، فتفر لسماع هذه الكلمة.

***

نزل مهاجرو الإسكندرية إلى القاهرة في دور الحكومة ودور الأمراء والوزراء الذين ظلوا مع توفيق باشا، لا سيما دار سلطان باشا الذي اعتبره الثوار خائنًا. ولما كثرت شرور الرعاع من المهاجرين، شدد عليهم مأمور الضبطية، وأبعد قسمًا كبيرًا منهم إلى جهات الصعيد؛ لأنهم إذا كانوا في حاجة إلى شيء، ترصدوا الدكاكين والمخازن نهارًا، واقتحموها ليلًا لأخذ حاجاتهم وما يريدون.

***

ضرب الأميرال سيمور الإسكندرية، فكيف كان وقْع ضرب الإسكندرية في إنكلترا؟

فقد عرفنا أن البرلمان قابل عزم الحكومة على العمل بالارتياح في جلسة ١٠ يوليو، وكانت الصحافة مجمعة على العمل، حتى زعمت جريدة الستاندرد أن باستطاعتها أن تعطي صورة صحيحة من الرأي العام الإنكليزي بقولها في ذلك اليوم: «إن المدرعات الإنكليزية ستعمل في المسألة المصرية ما لم تستطع الدول أن تعمله في بضعة أسابيع لحل المسألة المصرية.» ولكن بعض أصوات المعارضة ارتفع، فالسير ويلفرد لوسون انتقد عمل الأسطول في ١٢ يوليو انتقادًا شديدًا، فوصفه بأنه «فظاعة دولية وجبن وقسوة وجرم».

وأبى المستر بريت — وهو من أعضاء الوزارة — أن يتحمل تبعة هذا العمل مع زملائه الوزراء، فاستعفى لأن ضرب الإسكندرية «خرق لحقوق الإنسان وللحق الأدبي». ولكن وجود المستر تشمبرلن الذي كانت له اليد الأولى في تحريض الحكومة على العمل وفي إقناع الرأي العام، وكذلك السير شارل ديلك في عضوية الوزارة، ضَمِن للمستر غلادستون رئيس الوزارة رأي حزب المتطرفين، فلم يكن بعد ذلك أثر لقرار الاجتماع الذي اتخذته أندية العمال في ١٤ يوليو. وجرح عمل الحكومة بعض المحافظين لأنها لم تتبع عمل الأسطول بإنزال الجنود، ولكن غالبية المحافظين لم تأخذ بهذه النظرية، وخرجت وزارة غلادستون الحرة من المعمعان قوية مؤيدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.