يشرف على بلدة «بشرى» وعلى وادٍ جليلٍ عميقٍ جانب مرتفع من الجبل مُلوَّن بخضرة النبات والشجر، وفي فجوة من فجوات هذا الجبل قاعة في هيئة كنيسة صغيرة، وفي الجانب المقابل لمدخل هذه الكنيسة حفرة من الصخر الأصم يرى فيها الناظر من وراء لوح زجاجي صندوقًا ضخمًا من الحديد يحتوي على ما أبقت الأيام من أشلاء الكاتب الشاعر «جبران».

وقد يصعد الإنسان إلى هذا الكهف عن طريق جبلي على حافتيه أشجار من السنديان والجوز والصفصاف والصنوبر، تنبت بينهما على جوانب الطريق أعشاب جبلية جميلة ذات عطور وزهور مختلف ألوانها، وكأنَّ هذه الأعشاب الباسمة تتجنب وطء أقدام العابرين؛ فطالما تطأ الأقدام أزهارًا غضة في تلك البقاع المزهرة.

ثم أشاء أن أَمرَّ بهذا المكان، وأن أزور ذلك الحي من أحياء موتى البشر، فتوكأتُ على عصاي وصعدت الهُوَينَى على الطريق، وتبعني ولدي حتى وصلنا إلى فجوة تلك الرفات الثاوية على عليائها، المشرفة من سمائها على الوادي، وخيل إليَّ أن تلك الفجوة رمز لينبوع فياض يدفع لقلوب الآلين حولها مجرًى روحيًّا من العطف والحنان أشبه في صفاته بهذه العيون التي تندفع من أعلى الجبل.

وصلنا إلى مقبرة «جبران»، وفُتح الباب ودخلنا، وأخذ الطفل يقلب نظرات الدهش إلى ما في هذا الكهف، وحول هذا القبر من الصور والتماثيل والشموع والأكاليل، وغشيت وجه الصبي سحابة من صُفرة الخشوع والتعجُّب.

وكانت أمه من خلفه تهمس في أذنه بألفاظ تُقرِّب بها بعض ما استفاق على فَهم الغلام من معانٍ تنبعث من هذا المحيط الجبلي، وتركتها ترسل إلى ذهن الصبي وقلبه ما تريد إرساله من المعاني؛ فلعلها كانت أقدر مني على إشباع بعض ما تتطلع نفس الصبي إليه، واستغرق خيالي وقتئذٍ صور الشموع تحترق لتنير لقبرها من الناس، ورُؤًى لكواكب لامعة تتألف في سمائها السياسية ليُهتدَى بها، وخلاصة لتلك الدماء الحارة الملتهبة، وتلك الأذهان الشفافة الربانية، وتلك الأعصاب اللؤلُئِيَّة المتوترة تحول شحومها ومادتها رشادًا وسدادًا لمَنْ ضلُّوا سواء السبيل.

إيه! يا مَن تَنشُدون لقومكم وللإنسانية مثلها العليا، وتصبرون في سبيل تحقيقها وتصابرون، وتطربون كلما تألَّق برق في سماوات آمالكم الممدودة المرفوعة لينذر الأرض بغيث ينعش ما في الحياة من معاني الخير، ويزهر ما في الكون من معاني الجمال، سلامٌ عليكم بما صبرتم؛ فلكم عاقبة الذكر الجميل، ولقبركم من دمائكم الفائرة، وأعصابكم المتوترة، وخواطركم الثائرة، وقواكم الخائرة، لغيركم من ذلك كله العبرة والنور والهداية.

إيه يا «جبران»! … لقد أحببت لبنانك وجباله العالية، ووديانه الحبقة، ورعاته السُّذج، وقطعانه الوادعة، وينابيعه المتدفقة، وجداوله الجارية، وصفصافه المرفرف، وسنديانه الضارب، وأَرْزه الباسق، وبيادره المنتشرة بين خضرة الحقول، والوديان والسهول، وما فيها، ومن فيها. ها هي جميعًا تستمد من وحيك حبًّا وجمالًا، وها هو النسيم المُؤرَّج يحمل تحية الأعشاب الزكية لروح من أحب الزهور والأعشاب، وتغنَّى بحسن الطبيعة، وتعشَّق جمالها، على أن الخير المطلق والجمال الكلي — وا أسفاه يا «جبران»! — ليسا من نصيب هذا الكون، وليسا من خصائص هذا الوجود؛ فقد ينشدهما المصلح، ويفتتن بهما الشاعر لكي يزورُ الخيرُ كونَ الفسادِ زَورَةً، ويطوف به طَوفَةً؛ ففي ظلال الكروم حشرات، وبين صخور الوديان مفترسات ظالمات، وعند جدران منازل البشر وحوش الإنسانية وأفاعي البشر!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.