يسأل السيد محمد فريد طاهر بمحرم بك (الإسكندرية):

هل فكَّرتْ حواء — وهي تطالب بحقوقها المهضومة — في هذه الموضات التي يفرضها عليها رجال الأزياء وهم يقولون لها: كوني شوالًا أو كوني برميلًا أو البسي البنطلون وأنت البرميل المنتفخ شحمًا ولحمًا؟ …

ثم يستطرد إلى العجب من أزياء الرجال الذين يَبدُون في أزياء كالكرنفال، ولكنه يحار في أمر حواء ولا يحار في أمر هؤلاء!

والسيد «محمد فريد طاهر» ينسى هذه المرة أن رجال الأزياء يخدمون حواء ولا يخدعونها أو يتسلطون عليها؛ فإن حواء التي تلبَس الشوال والبرميل تُسخِّر «الموضة» لمداراة عيوب الأعضاء التي تبديها الأزياء المفصلة على هندام الجسم الرشيق، وهنا تتمشى «الموضة» مع تيار العصر الذي يخلط كثيرًا بين الثورة على الاغتصاب، والثورة على الامتياز حيث كان، في جمال الأجسام أو جمال العقول!

ومهما يكن من شطط «الموضة» لخدمة التشويه والدمامة، ومحاربة الرشاقة والوسامة، فهي على كل حال «موضة» معقولة لم تذهب في التخريف مذهب «الموضات» الفنية التي يُروِّجها معشر المشوهين بالعقول والأذواق … فإن أزياء الشوال والبرميل لم تزعم أنها تلغي اليوم صناعة النسيج أو صناعة التفصيل كما نشأت مع الإنسان منذ عرَف الكساء وتعلَّم نسج الملابس من الخيوط والألياف، وهي لا تقول للنساء ولا للرجال إنها مسحت العقل الظاهر واستبدلت به عقلًا باطنًا لا يعقل الشيء مرتين على صورة واحدة، وإنما تظهر الأزياء وتختفي وهي في حدود الموضة التي لا تتجاوز — ولا تستطيع أن تتجاوز — عمرها المقدور بالأسابيع أو الشهور.

ولعلنا لا نسترسل مع السخط أو النفور من إحدى هذه «الموضات» حتى تكون هذه الموضة قد احتجبت وبرزت في مكانها حليفة لها لا يطول بها الأجل — هي أيضًا — وراء أيام التساؤل أو السخط والاستهجان.

يا أخانا السيد طاهر!

إن حواء في هذه المرة معقولة مريحة، ولكنها نزلت عن نقائضها الخالدة لرجال ليسوا من الرجال، هم أولئك الذين ينسجون لعقولهم وفنونهم ثياب الأشوِلة والبراميل، ثم يُحرِّمون على أبناء الحاضر والمستقبل كل زي عرفه الناس قديمًا وحديثًا، كما يُحرِّمون صناعات النسيج والتفصيل كأنها خُلِقَتْ خطأ، وحان اليوم أوانُ العدول عنها بعد طول الصبر عليها في غفلة «العقل الباطن» الذي هجر «الباطنية» اليوم وخرج للتهتُّك والعربدة على حل الشعور.

وسيبقى معرض الأشولة والبرميل من هذا الطراز إلى أجله المحتوم، وسيحل هذا الأجل لا محالة يوم يعلم الناس أن هؤلاء الرجال حواءات ممسوخات على غير سواء الخلق القويم، ويومئذٍ يصبح «اللامعقولون» معقولين جدًّا فلا يخفى أمرهم على أحد …

ولا حياة للظلال والأشباح في وضح النهار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.