شغل كاتب هذه الأسطر منذ عشرات السنين بدراسة التاريخ الإسلامي، ولا سيما تاريخ رجل الإسلام الأعظم، وبطل الأنبياء أبي القاسم محمد بن عبد الله، فلم يقصر في درس كل ما كتب عنه في اللسان العربي ومعظم اللغات الأوروبية، وقد واصل هذه البحوث العزيزة على نفسه، المغذية لروحه في دور الكتب الغربية في باريس وليون وفلورنس وجنيف، واستعان بجميع المراجع والمصادر التي وضعها كبار المؤرخين ونظموها حتى أصبحت سهلة المأخذ على كل دارس، قريبة المنال من كل راغب. وقد خرج من الدرس الطويل بعد استقصاء المواد وتحري الحقائق بثمرة المقارنة والمعارضة حتى تمكن إنارة كل ناحية من ناحيات التاريخ المحمدي، بما أقنعه — إجمالًا وتفصيلًا — بعظم شأن الرسول. وكانت غايته منذ بداية العمل وأمنيته العزيزة، وأمله الغالي، وهدفه الأسمى أن يعثر على ترجمة لرسول الإسلام تملأ فراغًا، وتسد ثغرةً، وتغني الشباب المثقف وجمهرة أبناء البلاد العربية، وتشبع رغبات جمهور القراء في مصر وفي العالم الإسلامي، ذلك المحيط الذي شعر منذ ثلاثين عامًا بالحاجة إلى الإلمام بحياة النبي بأسلوب جديد على طراز يتفق والمعقولية الحديثة، ونسق يلتئم وحاجة العصر الحاضر.

ولم تتولد تلك الغاية في نفسه إلا لاعتقاده أن لكل زمان تفكيرًا خاصًّا، ولكل عهد ثقافة تمثله وتغذيه، تأخذ منه خططه التي ألفها، وتعطيه ثمرتها المنشودة، وأن شخصية عظمى كشخصية محمد لجديرة بهذا الاهتمام؛ لأنها أجل الشخصيات وأبرزها وأكملها وأجملها وأسماها وأعلاها، وأنبهها ذكرًا، وأحفلها مجدًا، وأقواها أثرًا، وأبهرها نورًا، وأخطرها شأنًا، وأعمقها روحًا، وأنفذها عملًا، وأوسعها علمًا، وأرقها جانبًا، وأشدها جاذبيةً، وأحلاها ذوقًا، وألذها طعمًا. اقتنع كاتب هذه الأسطر وأعتقد أن مثل هذه الشخصية المنفردة التي حيرت في تحليلها أكبر العقول، وأوسع المدارك، وأرسخ الأقدام في الدرس والبحث شرقًا وغربًا، لا بد أن تختلف الوسائل في دراستها وتلمُّس الحقائق المحيطة بها، وإزالة الأوهام التي تراكمت حواليها، لا عليها، باختلاف الأزمان والأماكن والمعقوليات، سواءً في ذلك أرباب العبقريات والنوابغ والموهوبون، وسواء كذلك المؤرخ المؤمن والمفكر الحر، والكاتب المتحيز المُغرض، والآخر المُنصف العادل، وإذن يكون قد آن الأوان لإظهار الصورة المحمدية الكاملة على طريقة أقرب إلى الكمال، كما تمثَّله كاتب هذه الأسطر، وعلى صورة أقرب إلى أذهان المتعلمين في الأوساط الراقية الذين عليهم المعول في الفهم والإدراك، وتوصيل الحقائق إلى مَن دونهم في المعرفة.

ولما كانت اللغة العربية على غناها في مناحي العلم والأدب أفقر اللغات في تنظيم المراجع والمصادر، فقد ترك حبل القراء على غاربهم في كل العصور الماضية، وفي عصرنا الحاضر، حتى سار قولهم: «أي كتاب تقرأ تستفد» مسير المثل، وغدا من جوامع الكلم مع مخالفته للواقع والحقيقة؛ فقد تمكن أحد علماء العربية، من أصدقاء كاتب هذه الأسطر، من تقسيم الكتب القديمة والحديثة التي تشرِّف أصحابها، بادئًا بما احتوى منها على سيرة الرسول أو ترجمته أو تاريخ حياته، وما هي في الواقع إلا نسخ طبق الأصل من القديم البالي، أو صور مزيفة من الكتب الإفرنجية، وفي كثير منها تشويه للحقائق، وجري وراء الإكثار من المطبوعات، وتقليد غير بصير لما دوَّنه علماء المشرقيات عن علم محدود في النادر، وعن إعجاب ومحاولة النصفة في الأقل، وعن تعصب وجهل وتعمد للانتقاص والاستهتار في الغالب. وإن لدينا أدلة علمية وأدبية تثبت رأينا تؤيدها أسماء الكتب والمؤلفين، ومواضع الخطأ والسهو والغلط المقصود بالسطر والصفحة، ولكن مجال سردها هنا يطول، وقد ورد ذكرها بنصوصها في صلب البيان العلمي ومتنه وشروحه، وهو الذي وضعه صاحبي حتى لا يطمع طالب في الاستزادة.

هل كانت حملة بل حملات مدبرة ضد نبي الإسلام، أم مؤامرة محبوكة الأطراف على ذاته الفذة المقدسة وحياته المنفردة في سجل التاريخ، أم كانت فاكهة مرة لشجرة مسمومة زرعها الجهل، وسقاها الغرور، وتعهدتها الدعاية الظالمة، ونمتها الأحقاد؟ لقد حاول العالم الشرقي الذي أشرنا إليه أن يجيب على هذه السؤالات ليستنير أولًا حتى يرضى بالجواب المقنع، وقد علم بالاختبار أن من أشد العبث ضررًا، وأعمق الغرور غورًا أن يحاول المرء تعليم الغير، أو إقناع السوى دون تعليم النفس وإقناعها بالرأي الصائب والفكرة الحق، حتى رأينا تلك السلسلة المفيدة التي تنشرها دار الثقافة العامة بادئة بسيرة الرسول، ومنتهية بتاريخ الإمام علي. ومن أغنى الأمور عن البيان، وأبعدها عن الحاجة إلى برهان أن الباحث لا يحاول الانتقاص بحال من الأحوال من قدر ما سبق نشره من التواليف والتراجم في أية لغة، وبقلم أي كاتب؛ لأن هذه الفكرة بعيدة كل البعد عن مبدأ العلماء وخططهم، بل بعيدة البعد كله عن مبدأ البحث العلمي الذي أساسه احترام الآراء، وتقديس الحرية، وتقدير الأعمال، فإن أخبث الناس من يبخس الناس أشياءها، أو يقلل من قيمة جهود الغير ليعظم من جهده، بل يجب الإقرار بفضل السابقين، ولا سيما المخلصين منهم الأقوياء، الذين جمعوا بين مؤهلات الذكاء وخصال الصبر على الدرس لاستخلاص البياض من السواد، والحق من الباطل، والصدق من الكذب، والتاريخ الصحيح من الأساطير الموهومة.

نقول «ما سبق نشره»، ولا نقولها عبثًا، إنما نقصد إلى كل ما تحمله تلك الكلمة من المعاني وما تحتمله من المدلولات، فقد كان لأحد الفضلاء أثر السبق في إعداد أطروحة الدكتوراه في الحقوق موضوعها «دستور المدينة»، وهو بحث من أخص بحوث الترجمة النبوية من ناحية التشريع السماوي والتقنين الأرضي، وإن يكن كُتَّاب العرب قد مروا به كمغمضين لحداثة عهدهم بالبحوث القانونية والاجتماعية، حتى ليدهش الناقد الحديث من سلامة نياتهم لدى إسراعهم في التنقل من فترة إلى فترة، في حين أن كل فترة حُبلى بالمواقف الكبرى التي هزت العالم هزًّا، وطالما أفاضوا وأسهبوا حتى أملوا في تفصيل خرافة، أو سرد أسطورة أو فكرة مدسوسة، وأوجزوا واختصروا وقصروا حتى أخلوا في ذكر أمر ذي بال، فكأنهم فقدوا — وا أسفاه — قانون التناسب، الذي يشمل الأعمال الأدبية والفنية حتى تظهر بمظهرها اللائق بحذق الكاتب، أو مهارة الصانع، وقوة الجمال، فليس الإبداع في الأدب والفن سوى مراعاة التناسب، والكتاب كالصورة والتمثال واللحن، لا يستحق التقدير الذي يورثه الخلود إلا إذا تناسبت أجزاؤه كالجسم الإنساني، لا يحسب على الجمال إلا باستكمال هذه الصفة أو بالقرب منها.

ولكن لهؤلاء الكتاب والمؤرخين من السابقين والقدامى أو اللاحقين المُتساهلين عذرهم؛ فإن القراءة وسعة الاطلاع وتكديس المواد شيء، والفحص والغربلة والاختيار والتمييز والتكوين على النسق الأكمل شيء آخر، ولكن بعض كتاب الإفرنج لم يقعوا فيما وقع فيه كتاب العرب لاختلاف الزمان، وتمتعهم بالحرية في الكتابة، وامتلاكهم ناصية الطريقة أو «الميتودة» الشهيرة عند الألمان، والمنقولة عنهم إلى بقية الأمم الناطقة بالثاء كالإنجليز، والراء كالفرنسيين، والخاء كالتيوتون.

لعل بعض الكتب الطيبة في حياة محمد عليه الصلاة والسلام التي نشرت في هذا العقد لم تكن فكرتها قد ولدت في أذهان أربابها عندما كان بوله عالم الدانمارك قد سلخ عشر سنين أو أكثر في دراسته، ولعل بعضها كان وليد حالة نفسية طارئة، ولكنها محمودة الأثر، ولعل بعضها كان ثمرة إيحاء من كتاب غربي أو شرقي ظهر فيها. وإنه — لعمرك — من بضاعتنا التي ردت إلينا، ولكن صنعة الاختصار والتبويب وحسن التقديم وبراعة السبك قد نفت عنه الزغل، ولعل رغبة المنافسة والتسامي قد أوعزتا إلى غير هذا وذاك؛ فلنشكر لتلك السلسلة باكورة أعمالها التي سدت فراغًا وثغرة كان لا بد من سدادهما، كما أننا نحمد لهذا وذاك، ونفرح بها ونغتبط بكتبها؛ لأن المورد العذب كثير الزحام. وأي مورد أعذب من مورد ابن مكة وضيف المدينة، ثم فاتح الأولى، وسيد الثانية، بل سيد العالم كله، ولا نقول الأكوان؛ لأن هذا ليس مجاله؟

وقد كان موقفنا كلما بدا نور أحد هذه الكتب موقف المستبشر بنور الهلال قبيل التمام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Omar Mohamed Farag ·٦ مايو ٢٠١٥، ١٤:٢٩ م

    اين عظماء التاريخ الاسمي في عهد الخلفاء الراشدين

  • default avatar
    Ncer Ncer Almmnka ·٢٣ يناير ٢٠١٤، ٩:٤٩ ص

    يسعدني الانضمام الى صفحتكم الثقافية تحياتي