وجهنا الخطاب في مقالين سابقين إلى الطلبة والعمال عما يعنيهم من دعاوى الشيوعية التي تروجها بينهم بما تنتحله لنفسها من الأسماء المختلفة، وفي هذا المقال نوجه الخطاب إلى طلاب الحقوق خاصة ورجال القانون عامة؛ لأنهم يريدون أن يحكموا للشيوعية أو عليها بمقدار ما يجري في بلادها من أحكام العدل، ويؤثر عنها من نظام القضاء.

والشيوعية لم تفد القانون شيئًا من جهة المراسم، ولا من جهة التشريع؛ فالمحكمة الشيوعية تنعقد، وليس لها مراسم على الإطلاق، ولعلهم يبالغون في إلغاء المراسم عمدًا في كل ما يتصل بهيبة القضاء.

ليس القضاة الشيوعيون من علماء القانون، وقد يكون منهم التاجر والصانع والفلاح الصغير، وكلهم يجلسون للفصل في القضايا بالملابس التي يختارونها، ولو كانت ملابس البيت أو المصنع أو مباذل الأسواق.

ويدخن القضاة ويشربون القهوة والشاي كما يفعل الآخرون؛ لأن الاحترام عندهم تقليد من تقاليد «البرجوازية» أو «الرأسمالية» المنحلة، فلا محل للاحترام في مجتمع الشيوعيين.

وهو كلام يقولونه ولا يفهمونه ولو سألوا أنفسهم عن غاية مدلوله مرة لعرفوا أنه حكم منهم على الشيوعية على أنها شيء حقير.

فهل بطلَ الاحترام من الدنيا؟ أليس في الدنيا شيء محترم؟ ألا يطالب الإنسان باحترام موقف أو باحترام إنسان؟

إذا كانت الشيوعية تزيل الاحترام من الدنيا فكفى بذلك مسخًا وهوانًا للشيوعية، أما إذا كان في الدنيا محل للاحترام، فلماذا لا يحترم قدس القضاء وهو المكان الذي تتعلق بهيبته هيبة الحق والأمن وهيبة المجتمع كله على أي نظام من النظم أو مذهب من المذاهب؟

لكن الرغبة في «تسفيل» كل شيء هي شهوة الشيوعيين الغالبة … وما داموا «ماديين» فهم أعداء التقديس وعشاق التسفيل.

وقد يكون من المضحك، ومن المفيد، في وقت واحد أن نسوق لهذه الشهوة مثلًا من أمثلتهم في مجال الأدب والبلاغة.

فقد أراد شاعر من شعرائهم أن يصف الشمس في ساعة الغروب، فعز عليه أن يكسوها بسرابيل الفخار والجمال كما يفعل البرجوازيون، وقابل ذلك التفخيم بنقيضه من التسفيل، فقال: إنها قد نزلت إلى مغيبها وهي حمراء، كأنها بركة صغيرة من بول الخيل …

وهذه القاعدة في تسفيل كل شيء هي التي يتبعونها في جميع المراسم والإجراءات التي يراد بها خلع كل مهابة عن قدس القضاء.

أما التشريع، فهو جملته من قبيل القضاء العرفي، أو قضاء المجالس العرفية تطبقه كل محكمة على الوجه الذي تراه، ما عدا بعض الأوامر والتعليمات التي يلتزمونها في بعض «الأحوال الشخصية» على الخصوص.

وقد يقال إن ذلك كله لا يهم، وإنما المهم هو تحقيق العدل في الأحكام، فلا نطيل التمثيل في هذا الباب، وإنما نتخذ الأمثلة من القضايا التي أعلن الشيوعيون أخبارها في أنحاء العالم، وهي قضايا المتهمين في المسائل السياسية.

ففي كل قضية من هذه القضايا يعترف المتهمون بالذنوب التي تنسب إليهم، ويبالغون في تقبيح ذنوبهم، واتهام أنفسهم، فإذا سئل أحدهم: هل فعلت هذه الجريمة؟ كان جوابه فور الساعة: نعم! وإنني من أجل ذلك لنذل حقير، أستحق من المحكمة أقسى العقاب.

مثل هذا الاعتراف غني عن التعليق.

غني عن التعليق؛ لأنه يدل على الإكراه والتعذيب.

وغني عن التعليق؛ لأنه يدل على سخف شديد من أولئك الذين يصطنعونه، ويظنون أن تدبيره يجوز على عقول الناس في الأمم الأخرى.

وقد أوعز الشيوعيون إلى دعاتهم في البلاد الأوروبية ليدفعوا ما علق بأذهان الناس من غرابة هذه المحاكمات.

فقال واحد من هؤلاء الدعاة — وهو صهيوني من علماء الاقتصاد في البلاد الإنجليزية — إن الأوربيين يستغربون هذا الأسلوب من أساليب الاعتراف؛ لأنهم يجهلون النفسية السلافية … ولو علموا أنها نفسية مطبوعة على «تعذيب النفس» واتهامها لطول عهدها بالاستبداد لما استغربوه.

ونسي هذا المضلل أن النفسية السلافية لم تخلق في هذه السنوات الأخيرة، بل كانت مخلوقة كما هي في عهد القياصرة، وكانت المحاكم تحاسب المتهمين، فينكرون، ويصرون على الإنكار، ومنهم المتهمون السياسيون.

ونسي العالم الصهيوني أيضًا أن المحاكمات لهذا القبيل قد حدثت في بلاد السلافيين حينما استولى الشيوعيون على سلطة الحكومة، فاعترف المتهمون هناك على هذا الأسلوب العجيب من أساليب الاعتراف.

إنما الحقيقة كما أذاعها الهاربون من البلاد الشيوعية هي أن المتهم هناك يسام ألوانًا من العذاب لا تطيقها البنية البشرية، وتستهين بالموت العاجل في سبيل الخلاص منها.

ومن ذلك أنه يوضع في حجرة معرضة لتكييف الهواء، فترفع الحرارة حتى تبلغ حد الإزهاق، وتنزل على أثر ذلك حتى تبلغ حد الانتفاض والقشعريرة، ويتكرر ذلك في الليل والنهار عدة مرات.

ومن ذلك أنهم يحقنونه ببعض المواد التي تشل الإرادة، وهي مواد معروفة عند الأطباء، يحتالون بها أحيانًا على إنطاق من يتظاهرون بالخرس أو البكم وهم قادرون على السمع والكلام.

ومن ذاك، أنهم يهددونه بتعذيب أهله وأبنائه، ويعرضونهم فعلًا للعذاب الأليم بين يديه.

ومن شك في إمكان في ذلك فلا حاجة به إلى رحلة طويلة يعرف منها ما تستبيحه أخلاق الشيوعيين وما لا تستبيحه، بل حسبه أن يذكر أن مظاهرة «قصر العيني» من تدبير الشيوعيين، وإن هذه المظاهرة كانت قائمة على تجويع المرضى والأبرياء وحرمانهم مما هم في أشد الحاجة إليه من الدواء والإسعاف.

حسبه أن يذكر ذلك ليعلم ما يفعله الشيوعيون، وهم مطلقون من كل قيد، أمنون من كل عقاب.

وكل أولئك مطابق للمبدأ الأصيل الذي تقوم عليه الشيوعية أو المادية الثنائية، وهما ليس لهما وجود، وإنما القانون مصلحة خاصة تفرضها الطبقة الحاكمة وكل ما حقق تلك المصلحة فهو العدل الواجب في المجتمع الذي تحكمه تلك الطبقة، وهكذا ينبغي أن يكون العدل في المجتمع الذي تحكمه «البرولتاريات» أو الصعاليك فكل عمل من أعمال القسوة والغدر مباح في هذا السبيل!

هذا هو العدل وهذا هو الحق في عرف الشيوعية، وهي بهذا الميزان وبكل ميزان محكوم عليها في عرف الآدميين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.