آنَ «للنفس» أن تبحث «المرآة» نفسها بعد أن نظرت طويلًا في صفحة المرآة.

خمسون سنة، أو ستون، أو سبعون من أخلاط التحليل والتعليل، بين العقد النفسية ومركبات النقص، والوعي الباطن، والوعي الظاهر، واللاوعي، والتابو، والفوبي، والساديزم، والماسوشزم، وكل اسم، وإزم، وإثم، يخطر على البال، أو لا يخطر على البال!

وتلك هي الأشباح والأطياف والبعابع والتهاويل التي تفقدتها النفس الإنسانية المعذبة طويلًا في تلك المرآة، وظلت تعيد النظر إليها خمسين سنة، أو ستين، أو سبعين!

ثم إلى متى؟

إلى وقفة لا بد منها تتأمل المرآة بعد أن تأملت ما في المرآة.

وقفة لا بد منها لتكتشف عن هذه المرآة ما هي؟ وماذا احتوت داخل الإطار؟ وماذا احتوت وراء الزجاج المظلم، المصنفر، المكسور!

وقفة يُقال فيها «لفرويد» وأصحابه من سحرة الطلاسم. تعالَ أنت وهو جميعًا وقولوا لنا: من أين لكم هذه الطلاسم والتمائم؟ وهذه الطواطم والطماطم؟ وما لا ندري ولا تدرون، مما تتفقون عليه ولا تتفقون؟!

وقد تَطُول هذه الوقفة بعد ذكرى فرويد منذ عامين، وقد تُصاغ المرآة كلها مرة أخرى في مصنع آخر، فلا يعرف فيها «فرويد» وجهه إذا نظر إليه، بعد مائة عام أخرى من هذا العام.

أما اليوم فالذي حدث أن «فرويد» العظيم قد حملوه مكتوف اليدين والقدمين إلى المشرحة التي طالما ألقى الناس عليها، فأصبح الآن «حالة نفسية» تُضاف إلى العشرات، بل المئات، بل الألوف، من الحالات التي رصدها من قبل، ثم رصدها من بعده مريدوه ومؤيدوه، كما رصدها معارضوه ومناقضوه!

«فرويد» حالة كأحسن الحالات — أو كأسوأ الحالات — التي تمثَّلَ فيها أعراض العقد والمركبات.

هو حالة من الحالات التي تتمثل فيها عقدة أوديب، وعقدة التمرد على النقص، وعقدة الخوف من المجهول، وعقدة الجنون بالعظمة، وعقدة الوعي الباطن و«اللاوعي» على أشكال وألوان.

فرويد كان يهجس بالغيرة على أمه، وكان يكتم شعورًا يخامره من عقدة أوديب؛ ولهذا لم يذكرها في غير ثلاثة أحلام من ثلاثين حلمًا يختارها من أحلامه لتفسير «رؤى» المنام …

فرويد كان يتمثل نفسه في صورة هانيبال حنينًا إلى أصله السامي؛ لأنه كان يتمثل في «رومة» صورة السلطان الذي يثور عليه اليهود الساميون.

فرويد كان لا ينسى أنه يهودي لأنه كان يدرس فن النحات الكبير «ميكالانجلو» صانع تمثال موسى، ويحلم بأنه هو — كموسى — وقف برحلته على مقربة من أرض المعاد.

فرويد كان لا يفارق أمه في صباه، وكان في شيخوخته لا يسافر منفردًا ولا يطمئن إلى قطار.

فرويد كان يخاف ما حوله وكان يمزق كل ورقة يستغني عنها فلا تبقى منها بقية يُعْرَف منها ما تحتويه.

فرويد كان يخاف الموت جوعًا، ولا يفارقه هذا الخوف بعد أن ضمن اليسار وأمن على الكفاية من القوت والجاه!

فرويد كان يحلم دائمًا بأبيه، ويقول له: ها قد أفلحت! لأنه سمعه في صباه يقول: لن يفلح هذا الغلام.

وأبوه قال عنه ما قال لأنه كان يبل نفسه في الفراش، ويرسل نفسه في حجرة أبيه بعد السابعة؛ عنادًا أو محاكاة لما يتصوره من عمل أبيه!

هذا وأمثاله يكتبه اليوم خلفاء «فرويد» من أعوانه في مدرسته ومن خصوم تلك المدرسة الذين اعتقدوا أنهم نقضوه أو عدلوه.

أتراهم يمجدون ويعظمون، أم تراهم يفندون ويتهمون؟

آخر من قرأنا لهم في هذا الباب أمريكي فروم Fromm الذي يضارعه في الشهرة بين علماء النفسانيات ويقف موقف التواضع فيقول إنه لا يمجده ولا يفنده، ولكنه «يكشفه على حقيقته» ولا يزيد.

ولا إخال أحدًا يبلغ من تعظيم الرجل ما يبلغه فروم بهذا «الكشف عن الحقيقة»، ومنه الكشف عن النقائص والعقد والمركبات والمغالطات.

فلا رجاء لرائد «النفسانيات» في عظمة أكبر من هذه العظمة العلمية، وحَسْبُه أن تكون نقائصه وآفاته دليلًا على صدق وسائله وآرائه، فهي — بتطبيقها عليه — تشهد بمواطن ضعفه، فتشهد له بصدق الوسيلة وصحة التجربة … وماذا يُقال من ثناء على صانع الموازين أصدق من ميزان تُوزَن به بضاعته، فلا تنقص مثقال ذرة ولا تزيد؟!

***

تحضير الأرواح صناعة قديمة في أسوان، شهدت جلساتها منذ ستين سنة على الطريقتين البلدية والإفرنجية، ولم تكن تجاربي فيها مقنعة، أو كانت مقنعة للأرواح بالابتعاد عنا!

كان في كل حي من أحياء المدينة امرأة أو فتاة «تدلي الميتين» بتعبيرهم الشائع، ومعناه أنها «تنزل أرواح الموتى» لوجه الله أحيانًا، وبالجزاء العاجل أحيانًا أخرى.

وكانت الأرواح تحضر لوجه الله في أحوال الغيبوبة — أحوال التشنج العصبي والصرع الهستيري — الذي لا يندر في الريف ولا في المدن الكبيرة.

أما الأرواح التي تحضر بالإغراء والجزاء فهي في الغالب أرواح الأطفال الصغار، ولا بد لإقناعها بالحضور من الجنة … وإلا فأين هي يا ترى؟ … من تفاحة أو برتقالة أو طورة من البلح المقرش النادر، تتناولها الوسيطة بالنيابة عنها.

وفي ليلة من ليالي الشتاء كانت الوسيطة عندنا وتناولت الرسم المعلوم من البلح المقرش، فحضرت على الأثر روح طفل محبوب صغير عُولِج في طفولته قبل السابعة.

وكان من عادة والدي بعد انفضاض مجلس السمر في المنظرة أن يصفق عند باب الرحبة، فصفق تلك الليلة ولم يسمعه أحد لاشتغال ربات الدار وزائراتهن بحديث الضيف الصغير المقبل من العالم الآخر.

فلما اقترب والدي إلى الدهليز لمحته الوسيطة؛ فبادرت إلى قناعها وملاءتها وسكتت عن الكلام.

قلت في نفسي: إذن لم يكن طفلًا ذلك الذي كان يتكلم منذ لحظة، ولكنها فلانة التي تلبس قناعها أمام الرجال ويغلبها الحياء فلا تستطيع أن «تتصنَّع» للموقف كما يتطلب الدور الروحاني المزعوم!

وبعد أكثر من ستين سنة، حضرت هذا العام إلى أسوان، فرأيت أطفال الدار في مثل سني يومئذ، أكبر مني — قليلًا — يستعدون لجلسة التحضير، ويطلبون بخور الصندل والعود، والمجمر والمقطف، والورقة وقلم الرصاص، ويتأهبون بالعزائم والدعوات.

ولم أشهد الجلسة، ولكني دخلت قاعة الأطفال بعد الغروب، فرأيت الجمع في سخط ولغط، وحجاج ولجاج …

– فلانة ضحكت؛ فغضبت الأرواح ولم تحضر!

– فلانة كانت تسأل وتجس المقطف من لحظة لأخرى.

– كيف استطاع بنات جارنا وأبناؤه أن يحضروا الأرواح أمام أبيهم ونحن لا نستطيع؟!

وانتقلت المسألة من قضية امتحان روحاني إلى قضية «مباراة» بين فرقة وفرقة من الزملاء والزميلات في الشارع الواحد.

وأظرف من هذه المباراة الإسبانية أنني سمعت في مجلس من مجالس الكبار حديث الأرواح وتحضيرها يدور عليه الحوار بين تصديق وإنكار! وواحد من كبار الحاضرين يسألني: ألا تصدق أن الكاتب المعروف — زيدًا — وقَّع بخطه الذي يعرفه أصدقاؤه على وثيقة من وثائق التحضير؟!

قلت: على شرط … إذا اعتمدتَ هذا التوقيع على وثيقة بألف جنيه؛ فإنني على استعداد للتصديق.

ولاح على صاحب السؤال لأول مرة أن الحقائق الفكرية تساوي سندات البنوك، أو يجب أن تساويها قبل الصرف والاعتماد …!

والحاصل من ضجة الأرواح إلى الآن شيء لا يتوقف على نجاح التجارب بين الثبوت والنفي أو التردد الذي لا يستقر على قرار.

فالثابت إلى الآن أن الناس في هذا العصر العادي يتعطشون إلى نفحة من عالم الروح كيفما اتفق وبأية وسيلة.

ونرى من تجارب هذه الأيام أن التعطش إلى هذه النفحة الروحانية ظاهر بين المتعلمين أكثر من ظهوره بين الأميين، وبين البنات أكثر من ظهوره بين الصبيان وبين الناشئين على العموم أكبر من ظهوره بين الكهول والشيوخ.

ولا يصعب تفسير السبب فيما نحسب …

إن المتعلمين يقرءون ويحسنون خطاب الأرواح التي تكتب على الورق، وإن البنات أشد شعورًا بالحاجة إلى السند الروحاني من العالم الآخر، وأنسب لهن في هذا العصر أن يبحثن عن الأرواح بدلًا من البحث عن عفاريت الزار.

أما الكهول والشيوخ فقد صفوا حسابهم مع عالم الروح منذ سنين، واطمأنوا إلى عقيدة مريحة لا يزال الشباب في دور البحث عنها بالمقاطف والسلال تارة، وبالصواريخ والمناطيد التي تصعد إلى الأحياء في علم السماء تارة أخرى …

ويكفي للتجربة هذا المقدار من النجاح، إلى أن يطلع الصباح وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح.

***

كانت مزايا «التخصص» مجهولة في العصور الماضية؛ لأن الإحاطة بأصول العلوم لم تكن عسيرة على طلاب المعرفة، ومن القصور المذموم أن يستطيع العالم الإحاطة بالكثير ثم يقنع باليسير.

ولكن مزايا «التخصص» قد عُرِفَتِ الآن وزادت على حدودها، ولا يبقى بعد تجاوز الحدود إلا الرجعة قليلًا قليلًا إلى ما قبلها — ولو بخطوات — إن لم يكن بوثبات وطفرات …!

وتظهر هذه الحقيقة في المسائل العملية ومشروعات المال والاقتصاد كما تظهر في مباحث الفكر ودراسات العلوم.

منذ أكثر من عشر سنين غرستُ على جانبي الطريق بين أسوان والخزان أشجار الجميز واللبخ وغيرها من أنواع الشجر التي تُراد للظل ولا تُراد للثمر، فكبرت وأورقت وأوشكت أن تبسط ظلها الظليل على طول الطريق.

وهذا طريقي المفضل الذي أَعْبُره غير مرة كلما وصلتُ إلى أسوان للإقامة ولو بضعة أيام.

وفي هذه السنة عَبَرْتُها فأوحشني منها ذلك الظل الوارف المُعطَّر الرصين، وكدتُ أرى في مغارس الأشجار أحطابًا قائمة بلا ورق ولا زهر، في انتظار الحطاب …

وإنها لتنتظر الحطاب حقًّا إذا صح ما سمعت؛ لأن المسئولين عن صيانة الطريق لاحظوا أن عروق الشجر تسري تحت طبقة الأسفلت فتقلقله وترفعه، وتصدع هذه الطبقة بالشقوق والأخاديد.

ولا نظن أن هذه العبرة تمضي بغير درسها الذي لا يُنْسى، أو لا ينبغي أن يُنْسى.

إن مد الطرق في الصحراء أو في الخضراء مسألة تشترك فيها علوم الزراعة وعلوم التخطيط والتنظيم.

إنها مسألة ذات جذور وليست بمسألة سطوح وقشور … وهكذا كل مسألة من مسائل هذا العصر الشامل «عصر العالمية والعموم» …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.