تحتل شئون الشرق الأوسط مكان الصدارة من السياسة العالمية في الوقت الحاضر. فقد كانت موضعًا لمحادثات في المقابلة التي جرت بين رئيس الوزارة البريطانية والرئيس الأمريكي أيزنهاور في الأيام الأخيرة من يناير والأيام الأولى من فبراير الماضيين. وقد أشار إليها سكرتير السوفييت في روسيا إشارة خاصة في المؤتمر الذي عقد في موسكو منذ أسابيع. وقد تناولها السفير الجديد لروسيا بمصر عقب حضوره إلى هذه البلاد فذكر أن التصريح الثلاثي الذي أعلنته إنجلترا وأمريكا وفرنسا سنة ١٩٥١ لم يبق له ما يسوغه، وأن روسيا لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي إذا تدخلت إنجلترا أو أمريكا تدخلًا مباشرًا في هذه المنطقة من العالم. وأخيرًا اجتمع الملك السعودي ورئيس الجمهورية السورية ورئيس الوزارة المصرية، وبحثوا الموضوع فيما يخص الدول العربية، وأصدروا بشأنه بيانًا هامًّا اطلع عليه الجمهور.

وإنما حرك هذه العناية كلها بالشرق الأوسط عامة، وبالشرق العربي خاصة، تكرار الاعتداء من جانب إسرائيل على الحدود العربية في سوريا وفي الأردن وفي مصر، كما حركها محاولة ضم الأردن لحلف بغداد. وإسرائيل اليوم عنصر أساسي من عناصر التوتر في هذا الشرق. وكذلك كانت منذ إنشائها في سنة ١٩٤٨، وكذلك ستبقى ما بقيت السياسة الدولية تدور في الفلك الذي تدور فيه في الوقت الحاضر.

ولم يكن عسيرًا أن يتوقع الساسة هذه النتائج يوم كانوا يناقشون تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف سنة ١٩٤٧ وقد نبههم غير واحد من الساسة العرب الذين حضروا هذه الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى النتائج الخطيرة التي تنجم عن إنشاء دولة يهودية مقتطعة من فلسطين العربية. وقد نبههم غير واحد كذلك إلى أن موافقة روسيا على إنشاء هذه الدولة التي كانت الولايات المتحدة متحمسة لإنشائها له دلالته الخاصة. وقد كان كثيرون من ممثلي أمريكا اللاتينية — أي أمريكا الجنوبية — يشعرون بأن ما اقترحته لجنة التقسيم على الجمعية العامة ظالم، وأنه لا يحقق مصالح السلم. ويومئذ حرص العرب، حين رأوا حماسة الدول الكبرى لإنشاء الدولة اليهودية، على تأجيل الموضوع عامًا واحدًا لعل التفكير الهادئ يؤدي إلى نتيجة أكثر صونًا للسلم وأكفل لاطمئنانه في العالم، فأكد المسيو تريجفي لي سكرتير الأمم المتحدة يومذاك، استنادًا إلى ما لديه من المعلومات المستقاة من ساسة الدول المختلفة، أن التأجيل غير ممكن، وأن الموضوع يجب أن يفصل فيه في تلك الدورة. وكذلك كان. وأنشئت دولة إسرائيل بقرار الجمعية العامة واعترف بها الرئيس الأمريكي ترومان بعد دقائق من إنشائها.

وكان أن وقعت الحرب بين الدول العربية وإسرائيل بعد إنشاء الدولة الجديدة مباشرة في مايو سنة ١٩٤٨ وتدخلت الدول الكبرى، وتدخلت الأمم المتحدة في تلك الحرب لمصلحة إسرائيل، كما لعبت السياسة المحلية في البلاد العربية دورًا كريهًا، فانتهت الحرب إلى الهدنة الدائمة المعروفة، ثم لم يعقد بعد هذه الهدنة صلح، ولا يمكن أن يعقد بعدها صلح؛ لأن المقدمات التي سبقتها تجعل الظلم الصارخ الذي نزل بالبلاد العربية بعيدًا عن أن يكون أساسًا لأي صلح.

وتنبهت الدول العربية إلى الخطر المحدق بها إذا لم تتخذ العدة للدفاع عن نفسها بتقوية جبهاتها الداخلية من جهة، وتقوية جيوشها من جهة أخرى. وكان ذلك شأن الدول المتاخمة لإسرائيل بنوعٍ خاص. فاتجهت كل واحدة منها الوجهة التي رأتها محققة لهذين الغرضين. ثم إنها فكرت في أن تطلب إلى الدول الديمقراطية، وإلى أمريكا بنوعٍ خاص أن تمدها بالسلاح لتقوية دفاعها؛ وذلك لأن ما بينها وبين هذه الدول الديمقراطية من صلات قديمة جعلها تقتنع بأن تسليح الدول الديمقراطية إياها يعصمها من تدخل الكتلة الشرقية، وينجيها لذلك من التعرض لأن تصبح كوريا ثانية إذا اتخذتها الكتلتان الشرقية والغربية أداة لتنافسهما. لكن أمريكا وسائر الدول الديمقراطية تقاعست عن إمدادها بما طلبت فكان طبيعيًّا أن تلتمسه من ناحية أخرى. وكانت هذه الناحية الأخرى هي الكتلة الشرقية التي سارعت إلى إمدادها بالسلاح المطلوب.

وقد غضبت الدول الديمقراطية لما حدث من ذلك مع أنها كان واجبًا عليها أن تلقي اللوم على نفسها؛ فمن غير المعقول أن تدع أمة حدودها مفتوحة لخصم يجاهر بأن سياسته هي سياسة الالتجاء إلى القوة، وأنه يبلغ من العرب ما يريد بالضغط عليهم بهذه القوة. وذلك ما كانت تقوله إسرائيل، وما لا تأبى صحف أمريكا أن تنشره. فإذا عمدت الدول العربية إلى تقوية جيوشها لتقوية الدفاع عن نفسها كان ذلك طبيعيًّا ومعقولًا ولم يكن لأحدٍ أن يلومها حين تلجأ إليه.

ومنذ قوية شوكة الدول العربية بما عندها من معدات القتال، وبتأييد السياسة السوفيتية إياها، أخذت الدول الديمقراطية تفكر في الموقف، وجعلت الصحف تتحدث عن مقترحات لأيزنهاور يحسبها صالحة لتسوية الموقف بين إسرائيل والعرب وإزالة ما فيه من توتر. والواقع أن هذه التسوية ليست أمرًا ميسورًا، إن لم تكن أمرًا مستحيلًا.

فبين الحكومات العربية والشعوب العربية خلاف طبيعي يحول دون أية تسوية. ذلك أن الشعوب العربية ترى في وجود إسرائيل خطرًا محققًا، وترى التخلص نهائيًّا من هذه الدولة التي أقحمت على الكيان العربي إقحامًا من الأمم المتحدة. أما الحكومات العربية فترى — وهي أعضاء في الأمم المتحدة — أنها ملتزمة بقرارات هذه الهيئة وإن لم توافق عليها، وإن اعتبرتها ظالمة ظلمًا صارخًا. ولذلك كان بين القرارات التي اتخذت في مؤتمر باندونج، ووافقت عليها الدول العربية، قرار يقضي بأن لا يكون تفاهم بشأن إسرائيل إلا إذا احترمت القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة في عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨، لكن الشعوب العربية ترفض هذه القرارات، وترى أن الظلم يجب دفعه وإن أقرته الأمم المتحدة. وقد كان لهذا الاتجاه من جانب الشعوب مظهره الواضح في مؤتمر المحامين العرب الذي عقد بالقاهرة أخيرًا، والذي قرر وجوب التخلص من إسرائيل بأية وسيلة وبأي ثمن.

أدى ذلك كله إلى سمو الروح المعنوية في البلاد العربية بحيث تمكنت الأردن من رفض ما اقترحته عليها إنجلترا من الانضمام إلى حلف بغداد، وإلى إقالة الجنرال جلوب من قيادة الجيش العربي في الأردن. مع ذلك لم تتراجع إسرائيل، فهي لا تزال تهدد وتتوعد فيما يتعلق بتحويل مجرى نهر الأردن، وفي غير هذه من المسائل القائمة بين إسرائيل والدول العربية. ولهذا يتساءل الناس عما يمكن أن يتمخض عنه هذا الموقف. إن الدول العربية لا تريد أن تُبادئ إسرائيل بالعدوان، مقتنعة بأن نطاق العزلة الذي ضربته حولها ونظام المقاطعة الاقتصادية الذي فرضته عليها ينتقل بها من أزمة إلى أزمة حتى تصبح وقد فقدت كل مقومات حيويتها، وقد صارت وكأنها لا وجود لها. لكن إسرائيل التي تهدد وتتوعد، أتراها تقدم على حرب وهي تعلم أن ما عند العرب من عدة وعتاد وجيوش لا يمكن التغلب عليها. قد تتردد دون ذلك إذا لم تسلحها أمريكا ولم تدفعها الديمقراطيات الغربية إلى الحرب بعد أن تعدها بالتأييد والمؤازرة. وفي هذه الحال ماذا يكون الموقف؟ أينقلب الشرق العربي كوريا ثانية فيصلى أهله بنيران الحرب وويلاتها، وتتعرض إسرائيل للدمار والفناء؟ تقف الكتلتان الغربية والشرقية موقف المتفرج في الظاهر، المؤيد المعضد في الواقع. وهلا لا يُخشى في هذه الحال أن تتطور الأمور إلى اتساع ميادين القتال شيئًا فشيئًا لتتناول الشرق الأوسط، ثم لتصبح الحرب عالمية تنذر الإنسانية كلها بالفناء وتهدد الغالب والمغلوب بأقسى الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

من المتعذر أن نجيب على هذه الأسئلة. فالعالم في الواقع لا يزال يظله شبح الحرب منذ الحرب العالمية الأولى، أي منذ سنة ١٩١٤–١٩١٨ وقد أثبتت السياسة الدولية عجزها عن مواجهة المواقف العالمية الخطيرة بما يجب من الحكمة وبعد النظر، وأنت إذا فكرت في مواقف الدول المختلفة من الأحداث التي يمر بها العالم في هذه السنين تولتك الحيرة، ولم يسعفك التفكير بنافع. فمن الخير إذن أن نقف موقف الانتظار والحذر، وأن نكون دائمًا على أهبة لمواجهة الحوادث بما يجب من قوة وعزيمة، وإن تمنينا أن تسود آخر الأمر كلمة السلام؛ حتى تتمتع الشعوب كلها في ظله بنعمة الحرية والاستقلال والسيادة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.