جاءني في البريد مقال مطول قال مراسله: إنه نشره في بعض المجلات نقدًا لكتابي عن عمرو بن العاص في سلسلة أعلام الإسلام.

وخلاصة المقال، بعد كلمات لا تقدم ولا تؤخر، أن مؤلف عمرو بن العاص «غلب على العرض عنده أسلوب الصحافة، والاكتفاء بالاسترسال دون التحري والتحقيق، وأن مراجعه محدودة، وأن بعض أحكامه يعوزها التحري، وأن السطحية وقلة العناية بالتحقيق تبدوان في مواضع غير قليلة من الكتاب، إلى آخر هذه التهم التي تتردد بتوكيد ليس بعده توكيد، وثقة ليس من ورائها ثقة، واطمئنان يفوق كل اطمئنان.»

ولغير دليل يقال هذا كله اللهم إلا الأدلة التي من قبيل قول هذا العميق الكثير المراجع حيث يقول: «يرى القارئ الاختصاصي في تاريخ الإسلام أن المؤلف أخطأه التوفيق في مواقع، وأن مراجعه محدودة، وأن بعض أحكامه يعوزها التحري، مثال ذلك ما كتبه في تردد عمر بن الخطاب في تسيير عمرو لفتح مصر؛ فقد زعم المؤلف أن عمر لا يرى داعية للحرب إلا دراء لخطر، أو قصاصًا من عدوان. وهذا غير صحيح؛ فليس معروفًا أن فتوحات العرب كانت للدفاع أو للانتقام فقط، وإلا فأين الجهاد لإعلاء كلمة الله؟ وأين الأسباب الاقتصادية البحتة التي تتجلى في بعض ما كتبه المؤرخون العرب؟ ففي فتوح البلدان للبلاذري قالوا: لما فرغ أبو بكر من أمر أهل الردة رأى توجيه الجيوش إلى الشام، فكتب إلى مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يستفزهم للجهاد، ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم، فسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع، وأتوا المدينة من كل أوب …»

فالعلامة العميق، الكثير المراجع، قد حسب أنه وقع على المراجع التي لم يقع أحد عليها؛ لأنه قرأ في فتوح البلدان ذلك الكلام، وقد حسب أن أحدًا من الناس لا يعلم أن أبا بكر استنفر المسلمين للجهاد بغير هذا المرجع الوحيد البعيد عن كل قارئ مستفيد.

ونحن أيضًا قد فاتنا هذا كما فات كل قارئ مستفيد.

فاتنا أن نعلم أن أبا بكر استفز المسلمين للجهاد ونحن نؤلف كتابًا في تاريخ محمد عليه السلام، وكتابًا في تاريخ الصديق، وكتابًا في تاريخ عمر، وكتابًا في تاريخ علي بن أبي طالب، وكتبًا أخرى في تاريخ صدر الإسلام، فلم يفتح الله علينا بكتاب واحد في أثناء ذلك كله يقول لنا: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد استنفر المسلمين للجهاد … ولهذا نحن سطحيون قليلو المراجع … وحضرة الناقد بفتوح بلدانه وحدها عميق يعلم ما لا يُعلَم إلا بالجهد الجهيد.

حضرة الناقد العميق إذن مسئول، وله الفضل والكرامة، أن يدلنا على كتاب واحد — واحد فقط — تلقيناه عن تاريخ صدر الإسلام ولم يذكر هذا الذي ذكره واستدل به، على كثرة مراجعه وقلة مراجعنا … نحن المساكين السطحيين.

ثم كتاب واحد لم يذكر هذا الذي ظنه كنزًا مخفيًّا لا يعثر به العاثرون، إلا بعد فك الأرصاد، وإطلاق البخور، والتنقيب في كل رف مسحور، وكل سرداب مطمور.

وما قول صاحبنا بعد هذا في رسائل الصديق نفسها، وهي تدل على مكان الغنائم من تقريب المسلمين في الجهاد؟

قال في رسالة: «سارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه، ولتحسن نيتكم فيه؛ فإنكم إلى إحدى الحسنيين: إما الشهادة، وإما الفتح والغنيمة.»

ولكنه قال في رسالة أخرى: «فاستتموا موعد الله إياكم، وأطيعوه فيما فرض عليكم، وإن عظُمت فيه المئونة، واشتدت فيه الرَّزيَّة، وبَعُدت فيه الشُّقة، وفُجِعتُم في ذلك بالأموال والأنفس، فإن ذلك يسير في عظيم ثواب الله!»

فهي أسباب اقتصادية بديعة تلك التي تتقدم عليها الفجيعة في الأنفس والأموال، وتعظم فيها المئونة وتثقل الرزايا!

وأيًّا كان غرض الجهاد مع هذا، فليس الأمر موضع شك في فريضة الجهاد على المسلمين، وليس في السامعين باسم الإسلام من يجهل أن الجهاد مفروض على المسلم في حالة من الأحوال، بل المبالغة التي أربت على كل مبالغة في حديث الأقوام عن الإسلام أنه دين السيف كما يقولون.

إنما المسألة هي موضع الجهاد لا وجوب الجهاد في بعض الأحوال، والذي ننكره كل الإنكار أن المسلمين يقاتلون لغير ضرورة، ويحملون السيف في غير موضع السيف، ولسنا نحيل صاحبنا العميق إلى مراجع الرف المسحور أو السرداب المطمور، ولا إلى ما كتبناه في وصف عمر أو وصف الصديق، ولسنا نكلفه شيئًا أكثر من فهمه للكتاب الذي ينقده، بل للفصل الذي يشير إليه، بل لأول جملة فيه حيث نقول: «كان الصدام بين العرب والدولة الرومانية قضاء موعودًا منذ اللحظة التي نشأت فيها الدعوة الإسلامية، وكُتب لها البقاء؛ لأن الإسلام رسالة تتجه إلى أسماع الناس وقلوبهم، والدولة الرومانية سلطان قائم يحول بين رسالته وبين الأسماع والقلوب، فلا مناص من التقائهما يومًا من الأيام، على سلام أو على خصام، وهما إذا التقيا على خصام أو على سلام دخل الإسلام مصر مدافعًا أو غير مدافع. ويفتح الإسلام مصر على كلتا الحالتين: فتح رضوان أو فتح تسليم.»

فنحن إذن يا شاطر يا عميق! لسنا بسطحيين إلى هذه الدرجة، وفتوح بلدانك يا شاطر ليست بالمرجع الذي نحتاج إليه، أو يحتاج إليه أحد ليعلم ما يعلمه جميع المنصفين إلا أمثالك من العمقاء الكثيري المراجع! وهو أن الجهاد واجب إذا اضطر إليه المسلمون، وليس بواجب ولم يجب قط في غير هذه الحال.

***

وهل نحن سطحيون قليلو المراجع لهذا دون غيره أيها القراء؟

معاذ الجهل والجهلاء والكتاعة والكتعاء.

بل نحن سطحيون قليلو المراجع؛ لأن العميق صاحب المراجع الكثيرة يقول عنا: «فترى مثلًا أن المؤلف يصحح أرطبون إلى أريطون، والظاهر أن المؤلف يتأثر هنا ببتلر في كتابه فتح العرب لمصر، والصواب أطربون كما فطن إلى ذلك دي جويه في تعليقاته على الطبعة الأوروبية لتاريخ الطبري، والواضح أن كلمة أطربون تعريب اللاتينية Trlbunus، وهي رتبة من رتب القيادة الرفيعة عند الروم.»

فواضح، بالله، كيف؟

وصواب، يا أخانا، بأي دليل؟

هكذا «وبس» … واضح وصواب! ونحن غلطانون «وبس»؛ لأننا اعتمدنا على بتلر، وأنت لم تعتمد على شيء؟

أما نحن فنعترف أننا عولنا كثيرًا على بتلر في كتابه فتح مصر، ونقرر أننا لم نعرف في تاريخ هذه الفترة من هو أولى منه بالتعويل عليه، ونحيل صاحب المراجع إلى الهامش الذي فيه أن أبا المحاسن ذكر الاسم الصحيح وهو أريطيون.

فعَلامَ يُعوِّل صاحب المراجع الكثيرة في الجزم بتخطئة بتلر وضبط الاسم على أرطبون دون أريطيون؟

أيكفي أن تكون في الدولة الرومانية وظيفة يقال لصاحبها: «تريبوناس» ليكون واضحًا وصوابًا أن حاكم بيت المقدس اسمه أرطبون؟

إن كان هذا كافيًا، فلله درُّ المتهكم الساخر الذي قال: إن شكسبير من أصل عربي أندلسي هاجر إلى الجزيرة البريطانية، وأصل اسمه الشيخ زبير، فصُحِّفت إلى شكسبير!

ولم لا يكون واضحًا وصوابًا بالله؟ الشيخ زبير اسم من أسماء العرب، والمسلمون قد هجروا الأندلس إلى كل مكان، والإنجليز يبدلون الكاف بالخاء في كثير من الأسماء، فما أقرب التصحيف بعد هذا من شكسبير إلى الشيخ زبير — رحمه الله؟

أما نحن فما كنا متهكمين ساخرين؛ لأن الله خلقنا سطحيين غير محققين، ولهذا رفضنا تصحيف «تريبوناس» إلى أرطبون، وعللنا ذلك بأسباب تليق بالسطحيين المتعجلين.

أول هذه الأسباب: أنه على كثرة التصحيف في نقل الألفاظ الأعجمية، لا نزال نرى أن المسافة بعيدة بين أرطبون وتريبوناس.وثاني هذه الأسباب: أننا نريد أن نعرف لماذا لم تُصحَّف ألقاب أخرى مع أن اللغة اللاتينية زاخرة بالألقاب، ولقب التريبوناس يطلق على غير واحد من الناس.وثالث هذه الأسباب: — وهو أسخفها وأضعفها — في نظر السطحيين المتعجلين: أن وظيفة التريبوناس كانت ملغاة إلغاء باتًّا منذ قرون في نظم الدولة الرومانية على عهد قسطنطين.ورابع هذه الأسباب: — وهو أسخف وأضعف: أن الذي يجزم بهذا اللقب عليه أن يذكر اسم صاحبه الأصيل، وأن يثبت وجود الوظيفة واللقب في ذلك الحين.

كل هذا أخذنا به لأننا سطحيون قليلو المراجع، ولو كنا عمقاء كثيري المراجع كصاحبنا لما حفلنا بشيء من هذه الأشياء، ولكان حسبنا أن نقول: «صواب وواضح» بغير عناء.

***

ولا تنتهي سطحيتنا نحن السطحيين المساكين عند هذا الذي قدمناه أيها القراء.

كلا، نحن سطحيون جدًّا، والعياذ بالله، نحن من السطحية نكاد نتجاوز سطح الأرض إلى أجواز السماء.

نحن سطحيون جدًّا؛ لأننا بالغنا في إجمال الكلام على حريق مكتبة الإسكندرية، «فجاء عرضنا للمسألة مبتورًا لا يغني كثيرًا، والمسألة خطيرة الشأن ووثيقة الصلة بسيرة عمرو.»

أي والله معشر القراء!

إن مسألة المكتبة وثيقة الصلة بسيرة عمرو بن العاص! … عمرو بن العاص الذي لا يعدو في هذه المسألة أن يكون على حال من حالين: إما أن المكتبة لم تحرق، وحينئذ لا صلة له بها على الإطلاق، وإما أنها أحرقت بأمر الخليفة، وحينئذ لا صلة له بها على الإطلاق غير صلة التنفيذ والطاعة، وليس هنا إذن موضع الإطالة في هذا الموضوع.

فهمنا هذا لأننا سطحيون متعجلون، فأطلنا القول على حريق المكتبة في «عبقرية عمر»، وشغلنا به بضع عشرة صفحة من ذلك الكتاب، ولم نر أن نعيد هذا كله في موجز عن تاريخ ابن العاص الذي لا يقال عنه هنا إلا: أُمِر فأطاع، إن كان قد أمر بشيء، وهو لم يؤمر قط بشيء!

سطحيون يا معشر القراء.

سطحيون متعجلون، فلماذا يصنع معنا أولئك العمقاء المتريثون الذين يقرءون فتوح البلدان وما شاء الله كان؟!

وإن السطحيين المتعجلين، أيها القراء، لا تُحتمل منهم إطالة أكثر من هذه الإطالة في مساجلة العمقاء المتريثين … فكفاية هذا، ولا حاجة إلى مزيد من السطحية، وقلة المراجع، وكثرة المعاذير!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.