لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟

لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.

وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.

هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.

وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.

وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.

تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.

فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.

والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.

يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.

ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.

وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.

فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.

ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.

وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.

والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.

والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.

ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.

وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.

وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.

الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.

وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.