يقول الأديب أحمد مدحت إنه قرأ في الصحف أن شاعرًا إنجليزيًّا خطر له أن يعمل شاعرًا «عموميًّا»، كما يعمل الكتاب العموميون على أبواب المحاكم والدواوين، في مقابل أجر معلوم يتقاضونه عن العريضة الرسمية أو الرسالة الخاصة التي يكتبونها لمن لا يحسنون الكتابة من الأميين، وتقول الصحيفة: إن هذا الشاعر العمومي يكتب للحبيب الذي يناجي حبيبته، كما يكتب مقطوعات التهنئة لمناسبة الأعياد وحفلات الميلاد. وصاحب هذه الفكرة «دونالد فيرجسون» قد نشر إعلانًا في إحدى صحف اسكوتلانده قال فيه: إنه مستعد لنظم القصائد في جميع الأغراض بسعر خمسة شلنات لكل ثمانية سطور.

والسيد «مدحت» يسأل: هل يقبل الشعراء المتعطلون عندنا هذا السعر ثمنًا لشعرهم الموزون؟ وهل يساوون بين البيت الموزون والبيت الذي لا وزن له ولا قافية في لغة الغرام؟

وإذا راجت هذه البضاعة في سوقنا العربية ألَا تصلح أن تكون حلًّا لمشكلة البطالة عند شعرائنا في الأزمات التي تكسد فيها سوق الأدب، ولا تكسد فيها سوق الغرام؟

ونقول للسيد مدحت: إن المشروع جدير بالتجربة قبل الإعلان في الصحف عن فتح المكاتب وأسماء وكلاء الأشغال من هذا الطراز.

ولا نشك في إقبال العملاء والعميلات على طلب القصائد للمغازلة أو للتهنئة، وإن كانت قارئات اليوم أزهد في الشعر من قرائه؛ لأن المرأة يعجبها دائمًا أن تكون موضوع «قصيدة» غرامية ولو لم تفهمها. وقد نخطئ إذا توهمنا أن الشعر كان مفهومًا عند كل امرأة عربية ولو كانت من نساء الشعراء؛ فقد أعجبت «أُمامة» بشعر زوجها حين قال فيها:

تَمَّت أُمامة إلا من محاسنها

فالحسن منها بحيث الشمس والقمر

قولَا لمن عابَها من عائبٍ حنق

أقْصِرْ فرأس الذي قد عبتَ والحجر

وهو لم يقل لها إلا أنها بعيدة من الحُسن بُعْد الشمس والقمر، وأنه يتمنى لرأسها أن يصطدم بالحجر.

فإذا فقد الشاعر قارئات العصر اللواتي يفهمن الشعر، ويعجبن بمعانيه؛ فهو لا يفقد الكثيرات من زميلات أُمامة بين القارئات والأميات.

ولكن التجربة قبل الشروع في فتح المكاتب والإعلان في الصحف لازمة لتقدير الأسعار، وتقرير النسبة المجانية لحساب العشاق المفلسين والعشاق المستعدين لأسعار السوق السوداء والسوق البيضاء.

ونطمئن السيد مدحت على فضل السبق في هذه الصناعة التي يظنها من واردات اسكوتلانده (سنة ١٩٦٢)؛ فإن المكاتب قد افتتحت في القاهرة قبل مطلع هذا القرن لتلبية الطلبات في مناسبات الأفراح والحفلات، أو مناسبات التهنئة بالرتب والنياشين، والعودة من الحج أو من السفر البعيد.

وقد جمع بعض هذه المكاتب ثروة لأصحابها يملكون بها البيوت العامرة، وإن لم يكن بعدد الأبيات التي نظموها للطلاب، أو تَقبَّلها من لم يَطلُبها بالإكراه!

إلا أن المكاتب التي افتتحت عندنا لهذه الصناعة لم تكن تدار لحساب أحد غير أصحابها، ولم يكن للقسم «الحريمي» فيها حصة تذكر إلى جانب الحصة الوافية من نصيب الرجال، في تهنئات الرتب أو تهنئات الحج والزفاف!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.