براءة لا بد منها إذا كان يراد بهذا البلد أن يطمئن الناس فيه إلى أن الحق مكفول، وإلى أن العدل مضمون، وإلى أن لكل إنسان أن يأمن على نفسه وماله وكرامته، ومنافعه على اختلافها.

براءة لا بد أن تثبت في نفوس الناس جميعًا واضحة لا يشوبها الشك، ناصعة لا يكدرها الريب، براءة يجب أن تكون قوامًا لحياة الأفراد والجماعات، وجزءًا من هذا اليقين الذي تمتلئ به القلوب، وتستريح إليه الضمائر، وتمكن الناس من أن يعيشوا أحرارًا، مؤمنين بالحرية، ومن أن يعيشوا متحضرين واثقين بأن الحضارة وسيلة إلى الخير والرقي، لا وسيلة إلى الشر والفساد.

براءة نطالب بها، ونلح فيها، ونرجو بل نحرص كل الحرص على أن تدل الحقائق الواقعة على أنها ثابتة جلية، وعلى أن الذين أثاروا حولها الشكوك، وسلطوا عليها الريب، قد دُفعوا إلى ذلك مخطئين لا مصيبين، ومتكلفين لا مصورين للحق الواقع المخيف. قد كثر الكلام في هذه الأيام حول ما يقال من اقتحام النائب العام لشئون السياسة ودخوله فيها، واشتراكه في مشكلاتها التي تتعسر حينًا، وتتيسر حينًا آخر، وتتأثر على كل حال بالمنافع والطبائع، وبالأهواء والميول، وبهذه المؤثرات التي يجب أن يقتنع الناس أشد الاقتناع بأنها بعيدة كل البعد، عاجزة كل العجز عن أن تبلغ النيابة والقضاء.

فالصحف كلها أو أكثرها — على الأقل — تتحدث بأن النائب العام قد أفتى في الأزمة القائمة حول وزيرين يراد إخراجهما من الوزارة؛ لأن إخراجهما لا يحسن أو لا يجوز قبل أن يصدر فيهما حكم القضاء، وليس النائب العام وزيرًا ولا شيئًا يشبه الوزير في مصر، وهو من أجل ذلك ليس عضوًا في مجلس الوزراء، وليس هو مستشارًا ملَكيًّا لمجلس الوزراء أو لوزارة من الوزارات؛ فليس له إذن أن يشير فيما يعرض للدولة من المشكلات السياسية، وطبيعة منصبه تفرض عليه وتفرض على الوزارة، مهما تكن، أن يظل بعيدًا كل البعد عن السياسة ومشكلاتها.

وإذن فقد كنا ننتظر، بل لم نكن نشك لحظة في أن هذه الأنباء التي سبقت المقطم إلى إذاعتها يوم الثلاثاء، ثم أذاعتها الصحف بعد ذلك إذاعة متصلة، ستكذب في أسرع وقت أشد تكذيب وأصرحه وأقطعه وأبلغه في إزالة الريب، ولكن يوم الثلاثاء مضى، وتبعه يوم الأربعاء، وتبعهما يوم الخميس، ولم يكذب النائب العام هذا الحديث، ولم يكذبه رئيس الوزراء، ولم يكذبه وزير الحقانية، ولم يكذبه أحد من الناس، بل نشرت الصحف — وما زالت تنشر — أن قضية السياسة التي تقع فيها الخصومة بين الوزيرين وبين الأستاذ حفني بك محمود لم تكن مثبتة بين القضايا التي تُنظر في شهر نوفمبر، فأُثبِتتْ بينها.

ونشرت الصحف — وما زالت تنشر — أن محكمة الجنايات كانت ستجلس للقضاء في الثالث عشر من شهر نوفمبر، فتقرر أن تجلس في الخامس من هذا الشهر، وصرح رئيس الوزراء بأن أمر هذين الوزيرين سينجلي بعد أن يصدر حكم القضاء. ومعنى ذلك أنهما سيبقيان إذا أُدين المتهم، وسيخرجان من الحكم إذا برئ المتهم، ومعنى ذلك أن القضاء لن يفصل في خصومة بين الوزيرين وكاتب من الكُتَّاب فحسب، بل سيفصل في خصومة سياسية خالصة بين الوزراء والإنجليز.

ومعنى هذا كله أن ما نشرته الصحف من اشتراك النائب العام في حل المشكلات السياسية، أو معالجة حلها من حيث هو نائب عام، صحيح أو راجح أو محتمل، ما دام لم يُكذَّب إلى الآن، وإذن فمن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق السياسة وبعيد عنها، ومن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق الأحزاب وبعيد عنها؛ لأن السياسة في مصر الآن هي سياسة أحزاب، فمن اشترك فيها واحتمل أثقالها فهو حزبي.

والناس يعلمون أن النائب العام أمين على الدعوى العامة، والدعوى العامة ليست — ولا ينبغي أن تكون — ملكًا لحزب من الأحزاب، وإنما النائب العام يمثل الجماعة كلها حين يحمل أمانتها. وليس يعنينا الآن أن يكون من الخير أو من الشر، في رأي أصحاب السياسة والقانون والفقه، أن يشترك النائب العام في السياسة الحزبية؛ فليست الصحف موضع هذا البحث أثناء هذه الأزمة، وإنما الذي يعنينا هو أن الأمر المقرر في مصر إلى الآن بُعدُ النائب العام عن السياسة ومشكلاتها، وعن الأحزاب وما تثير من الخصومات؛ فيجب أن نعلم هل تغير الأمر، وهل أصبح مقررًا أن النائب العام عضو من أعضاء الوزارة، أو شريك للوزارة في السياسة يحتمل معها تبعات السياسة، ويذهب معها مذاهبها السياسية المختلفة.

نحب أن نعلم هذا ليطمئن المعارضون إلى أنهم قد يشقون اليوم، ولكنهم قد يسعدون غدًا، فيكون لهم نائب عام حين يُطوَّقون الحُكْم يشاركهم في السياسة، ويذهب معهم مذاهبهم فيها، وإذن فستنقل الدعوى العامة بين الأحزاب كما تنقل الوزارات، وإذن فستجري أمور النيابة كما تجري أمور الوزارات، وما دامت الأيام دولًا؛ فليشق خصوم الوزارة اليوم ليسعدوا إذا كان الغد، وليشق أنصار الحكومة يوم تدور عليهم الدائرة.

وما نظن أن هذا الأمر يستقيم، وما نظن أن النائب العام يرضاه، وما نظن أن ضميره القضائي وثقافته الفقهية يبيحان له السكوت عليه، وما نظن أن النائب العام يستطيع أن يمضي فيما مضى فيه من الصمت إلى الآن، وهو الدقيق في كل ما يمس النيابة. وإذن فما زلنا ننتظر أن يُصدر النائب العام بيانًا صريحًا ينفي ما يقوله الناس وتذيعه الصحف، من أنه اشترك في السياسة وعالج مشكلاتها.

وشيء آخر لا نتصور أن يسكت النائب العام عليه نشرته السياسة أمس، وعادت فأشارت إليه اليوم، وهو يمس مستشارين من أعضاء محكمة الجنايات، زعمت السياسة أن النائب العام قاله للأستاذ الكبير الهلباوي بك، وكنا واثقين بأن ظهر أمس لن يأتي حتى يكون بيان النائب العام قد صدر بإنكار هذا الذي نشرته السياسة، بل كنا نعتقد موقنين أن النائب العام لن يكتفي بالإنكار، بل قد يتجاوزه إلى شيء آخر، وهو الذي حقق مع نقيب المحامين، ثم حقق مع رئيس الوفد ونقيب المحامين، ثم حقق مع الأستاذ «قام»؛ لأنهم عرضوا له بالنقد، وما نظن أن شخص النائب العام آثر عنده وأكرم عليه من قدس القضاء.

وإذن فالنائب العام يعذرنا من غير شك حين نلح عليه في أن يقنع الناس جميعًا ببراءته الساطعة الناصعة من اقتحام السياسة من جهة، ومما حُمل عليه في شأن بعض المستشارين من جهة أخرى، والنائب العام يوافقنا على أنَّا لا نتجاوز القصد والاعتدال، وتأدية أيسر ما يجب علينا للعدل حين نطالبه بأن يرد إلى الناس ما ينبغي من الثقة والاطمئنان إلى أن الدعوى العمومية لا تزال مصرية للمصريين، لا حزبية للأحزاب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.