أُذِيعَ اليومَ أن جائزة نوبل الأدبية في هذا العام كانت من نصيب الكاتب الأمريكي (جون شتينبك)، صاحب الروايات التي عُرض بعضها عندنا مع أفلام الصور المتحركة.

وشتينبك هو الذي قلنا عنه قبل عشر سنوات في كتاب «ألوان من القصة» للمقارنة بينه وبين زميليه السابقين له إلى الجائزة؛ فولكنر وهمنجواي:

يأتي ثالث هذين نمطًا مخالفًا لكل منهما في أدبه ووجهته وسيرة حياته، فليست آفات النفس ورذائل المجتمع هي همَّ شتينبك وهجيراه في قصصه كفولكنر، ولا هو ممن يعرفون شكوكهم وقضاياهم العقلية في دوامة من الحركة الرياضية كهمنجواي، ولكنه يكتب أحيانًا ليُصلِحَ كما صنع بروايتيه «عناقيد الغضب» و«المعركة المريبة»، وكلتاهما كان لهما أثر عاجل في إنصاف العمال المهاجرين بكاليفورنيا.

ويكتب أحيانًا ليثير الثائرة على طغيان الفتح والاستبداد، كما صنع بروايته «القمر ينزل»، التي حيَّا بها الأمة النرويجية في مقاومتها للسيطرة النازية، وأبطاله كلهم أرضيون واقعيون تتساوى عنايته بهم على اختلاف الطبقات.

وهو مع مساهمته في تأييد بعض المذاهب ومقاومة بعضها لا يذهب إلى حد الاستغراق والحصر، سواء كان من المناصرين أو من المنكوبين. وقد زار روسيا واصطحب معه مصورًا خاصًّا لالتقاط المناظر والشخوص، ثم كتب رحلته فلم تُعجِبْ أصحاب المذاهب ذات اليمين ولا ذات اليسار، وكتب في ختامها يقول:

إن اليساري يحسبها حملة على روسيا، واليميني يحسبها تشيعًا لها، وتعصبًا على ما عداها، ولا بد أن يقال فيها شيء كهذا؛ لأنها سطحية … أما خلاصة القول في الروسيين: فَهُم ناس كسائر الناس، ولكن الطيبين من جمهرة الشعب أكثر من الأشرار.

ذلك ما قلناه عنه قبل عشر سنين، وهو بعض ما كتبناه عن مزاياه الأدبية، وكله كان معلومًا محفوظًا أمام لجنة نوبل من قبل ذلك التاريخ.

فالظاهر من رجوعها إليه الآن: أنها أخذت تبحث عن المرشحين حتى اختارته بعد الإعراض عنه مرات في السنوات الأخيرة.

فالآن يحق لنا أن نقول: إذا كانت المسألةُ مسألةَ بحث بعد مجهود، فلماذا يقف هذا البحث دون البلاد العربية من أمم العالمين، فلا تهتدي اللجنة أو لا تريد أن تهتدي إلى واحد منهم … وهم على هذه الطبقة غير قليلين؟

إنني أذكر منهم أربعةً من كُتَّاب القصص الطوال أو المسرحيات — وهي مجال شتينبك — يَفْضُلونه في بعض المزايا، ولا يقصرون عنه في واحدة من مزاياه؛ وهم: توفيق الحكيم، ومحمود تيمور، ونجيب محفوظ، وميخائيل نعيمة.

وميخائيل نعيمة أرفع منه إلى الذروة في فن المُثُلِ العليا والحياة الروحية، ومحمود تيمور أقرب منه إلى السماحة الإنسانية والفكاهة الطيبة الخفية، وتوفيق الحكيم أوسع منه ثقافة، وأجمل فكرة، وأقدر على إتقان النسق والأداء، ونجيب محفوظ يضارعه — وقد يفوقه — في تصوير شخصياته من أولاد البلد والسذج و«البدائيين» العصريين.

فلماذا وقف البحث باللجنة دون هؤلاء، ولم يقف قط دون أمثالهم هناك؟ سؤال لا يعنينا أن تجيب عنه اللجنة، أو لا تجيب كما تشاء، ولكننا نسأله لأنه لا يُسكَت عنه، وليست بنا حاجة إلى الإطالة في تذييله بكثير أو قليل من المعاذير لنبرئ أنفسنا من مظنة الغرض «الشخصي» … فإننا نتكلم عن كتاب القصة ولم يخطر لنا أن نحتكم إلى اللجنة في أمر يعنينا، وقد كانت الفرص «الرسمية» للترشيح ميسورة لنا منذ ثلاثين سنة على أهون سبيل، فلا مطمع لنا من وراء هذا السؤال، ولا ننسى حقنا إذا اتفقنا أن نقف موقف التبرئة من مظنة الغرض، ولم نزد عليه. «إن مساواة الكثيرين من المختارين عند اللجنة أمر لا نتطلع إليه!»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.