رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.

تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.

ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.

تعالى الله ما شاء

وقوَّى الله إيماني

ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!

إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!

ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!

ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.

متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!

ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.

اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.

ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!

يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!

أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!

هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!

هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!

ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.

كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.

ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!

إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.

ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.

أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.

كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!

قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:

زعم البوارح أن رحلتنا غدًا

وبذاك تنعاب الغراب الأسود

لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به

إن كان تفريق الأحبة في غد

وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!

ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:

يا أم ناجية السلام عليكم

قبل الرواح وقبل لوم العذل

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم

يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

أو كنت أرهب وشك بين عاجل

لقنعت أو لسألت ما لم أسأل

قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.

وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.

سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!

ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:

ألا إلا تكن إبل فمعزى

كأن قرون جلتها العصيُّ

فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا

وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ

رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.