للحياة الإنسانية جمال يدركه من يعرف ذوق الحياة، وإدراك هذا الجمال هو الذي يجعل للعيش مَعنًى ولذة، ولا يكون جمال الحياة إلا لمن شارك العالم وكان فيه قوةً عاملةً مُخلَّدةَ الأثر، ولا تكون هذه القوة إلا لمن كان له أملٌ سامٍ، وغاية عليا، ومن جعل حياته وقفًا على تحقيق هذا الأمل، ودَرْكِ تلك الغاية.

أما الذين لا يجدون في الحياة إلا عبثًا مملولًا وطريقًا مسلوكًا لكل من ألقت به يد المقادير في لُجَّة هذا العالم، فهؤلاء يدخلون الحياة، ويخرجون منها من غير أن يعرفهم العالم، ومن غير أن يذوقوا جمال الحياة الإنسانية.

وكثيرًا ما يحتمل أولئك الذين يقفون حياتهم على إدراك غاية سامية آلامًا تنوء بغيرهم، وكثيرًا ما ينظر الناس إليهم أول أمرهم منكرين، لكنَّ إيمانهم بأملهم وهبتهم حياتهم لتحقيق غايتهم يهوِّنان عليهم آلامهم، بل يحملان منها لذائذ ومسرات، كما أنهما كثيرًا ما يبدلان ازدراء الناس لهم حبًّا وتقديسًا، وهم طوال حياتهم يشعرون بهذه اللذة العليا التي لا يؤتاها إلا العظماء، ومنهم من ينعمون قبل موتهم بتقدير الناس لمجهوداتهم واحترامهم لما قدموا من تضحية، وهؤلاء العظماء هم الذين يقيمون مجد الأمم، وهم الذين يخلعون على حياة الأفراد خير ما في الحياة من المعاني السامية التي تجعل للعيش قدرًا وقيمةً، وهؤلاء بإيمانهم هم الهداة الذين يوجِّهون الإنسانية في سبيل السعادة.

للشرقي أن يأسف اليوم لعدم وجود هذا الإيمان في الشرق، فليس بيننا من يرى فكرًا من الأفكار أو فنًّا من الفنون غايةً ساميةً تستحق أن تكون الحياة لها، وأن تضحي في سبيلها، بل كلنا نوجِّه أول همنا لتحصيل الرزق بما أوتينا من ملكات وقوى، والمحترم أمام الناس والمحسود منهم هو الموفق في سبيل الرزق، ولو لم يحقق للإنسانية أملًا ساميًا ولا غاية عليا، فأما هذا الذي لا يجني من وراء حبها رزقًا حسنًا فليس له إلى احترام الناس سبيل، وهو لذلك سرعان ما يتولاه اليأس وتقعد همته عن مقاومة الحاجة، فيلجأ إلى الدون من وسائل الكسب؛ لتمليق الأقوياء والأغنياء، والسعي لنيل الزلفى عندهم، ليدروا عليه من أخلاف المادة ما يوهمه ويوهم غيره أنه متمتع بالحياة غارقٌ في لُجَّة السعادة.

ومن بني الشرق من خلعت عليه الطبيعة هبات سامية في الفن، ومنهم من أوتي عقلًا راجحًا وتفكيرًا ساميًا وحسن حيلة في الاختراع والاكتشاف، ومن هؤلاء الذين أوتوا تلك الهبات من وُفِّق في كسب رزقه، هؤلاء يكادون يشعرون بالنعمة المادية تبيح لهم المتاع بما يتوهمه الجمهور أداة السعادة حتى يقفوا عند ما بلغوا إليه في تفكيرهم وفي فنهم مكتفين باستغلال هذا القدر لمتاعهم المادي، ومسرة حياتهم، لا يرى واحد منهم أن هذه الهبة التي خلعها عليه القدر ليست له، ولكنها للعالم جميعًا، ولا ترى واحدًا منهم يفهم أن بين ما وصل إليه من إعجاب الجمهور به، والكمال الذي يجب أن تصل هبة القدر إليه مراحل يجب عليه معالجة تخطيها لبلوغ غاية الكمال، لذلك يبقى يُدَلِّلُهُ الجمهور زمنًا، وهو في شغل بتدليل الجمهور إياه، وبهذا المتاع المادي الذي أتيح له عن طريقه أن يسمو إلى هذه السماوات الرفيعة التي يجلس على عروشها من جاهدوا في سبيل الكمال.

قل لي: أرأيت مغنية أو مغنيًا أُعجِب به الجمهور فكَّر في أن صوته ليس له، وإنما هو ملك لفن الغناء، وأن واجبًا عليه أن يحيي بهذا الصوت كل ما يستطيع الكمال الفني أن يصل إليه؟ أرأيت رسامًا أو مثَّالًا أو ممثلًا أو كاتبًا أو شاعرًا عمل لما يعتقده الكمال عمله للرزق، ولتصفيق جمهور هذا الزمن الحاضر؟ مع ذلك ترى من هؤلاء المغنين والمثالين والممثلين والكتَّاب من حَبَتْهُمُ الطبيعة هبات سامية لو اتجهت إلى الكمال، وعرفت أن الكمال مجهود متواصل، لاقتربت منه، أو لخلقت له على الأقل من الوسائل ما يجعل للغير حظَّ بلوغه، أو الاقتراب منه.

أعلم أن لكل من وهبه القدر في مصر والشرق نوعًا من الامتياز اعتذارًا عن وقوفه عند ما يعجب الجمهور، ولو لم يعجبه هو، ذلك أنه يجب أن يعيش أولًا، وذلك أيضًا أن الجمهور لا يستطيع متابعته في السمو إلى مراقٍ جديدةٍ من التفكير أو الفن، وللعذرين لدى النظرة السطحية قيمة كبرى، وما قيمة هبة يمتاز بها صاحبها على الناس جميعًا، تجعل منه شقيًّا لا يجد في العيش ما يتمتع به من لم يؤتَ تلك الهبة، وما فائدة السمو إلى ما فوق إدراك الجمهور إذا انصرف الجمهور عما تقدمه، ولم يستفد منه؟

لكن هذه المعاذير ليست لها في الواقع قيمة، فهبة القدر ليست ملكًا لمن وُهِبَت إليه، ولكنها ملك الإنسانية كلها، فلو أنها لم تغل لصاحبها شيئًا لما جاز له مع ذلك أن يحرم الإنسانية من المتاع بها، ولقد عاش كثير من النوابغ فقراء، وماتوا بؤساء، ولم يمنع الفقر أحدهم من أن يقوم للإنسانية بالواجب الذي يفرضه عليه ما حباه القدر به من نبوغ، وهذا بتهوفن، أحد أكابر آلهة الموسيقى في القرن الماضي عاش فقيرًا ومات شقيًّا، لكنه بالرغم من ذلك لم يَهِنْ ولم ييأس ولم يتخلَّ عن القيام بالواجب الذي فرضه عليه نبوغه، بل لقد قست الطبيعة عليه بما لم تقسُ به على أحد، كان موسيقيًّا فحرمته الطبيعة نعمة السمع وتركته أصم لا تُشنِّف نغمةٌ من نغماته أذنَه، وهي تُشنِّف اليوم آذان الملايين الذين يسمعونها، وكان له إلى جانب ذلك من أعصابه ما جعله متطيرًا حليف الهم والشجن، لكنه كان يؤمن بما ألقى عليه القدر، حين وهبه النفس الموسيقية، من واجب عليه للإنسانية، وفي لُجَّة الهموم والأحزان التي كانت تكتنفه من كل جانب كان يشعر شعورًا قويًّا صادقًا بأنه مُكلَّف برسالة، هي أن ينشر للإنسانية السرور الذي تُكِنُّه بدائع أنغام الموسيقى، وهذه العقيدة هي التي دفعته ليضع ألحانه الخالدة.

ولقد كان جان جاك روسو فقيرًا طوال حياته، لكن القدر وضع بين أصابعه قلمًا موسيقيًّا تنساب منه صور الطبيعة العذبة، وأغاني الحب، وشجو الغرام، ودموع الآلام والآمال على نحو لم يؤتَ غيرُه نظيرَه، فلم يمنعه فقره من أن يسطر بهذا القلم البديع الساحر كتبه التي أصبحت للإنسانية ميراثًا تتناقله الأجيال، ثم يبقى جديدًا أمام كل جيل جديد.

غير روسو وبتهوفن كثيرون أدركوا أن ما وهبهم القدر ليس ملكًا لهم، ولكنه ملك للإنسانية كلها، فمن الخيانة ومن الغدر عدم إمتاع الإنسانية بنتائجه وثمراته.

وغير روسو وبتهوفن كثيرون في أوروبا عاشوا عيشتهما وماتوا فقراء مثلهما، وغيرهما ما يزالون إلى اليوم يقضون حياتهم في تأييد رأي من الآراء، وإعلاء شأن فن من الفنون، ثم يعاجلهم الموت في شرخ الصبا، وميعة الشباب، وهم يتمرغون من الفقر في حمأة ليس مثلها حمأة، وكل أولئك، إنما يؤيدهم إيمانهم بالواجب بروح من عنده، ويجعل الحياة أمامهم جميلة برغم ما يحتملونه فيها من صنوف الفاقة وهموم الألم، وإنك لترى أمثال هؤلاء في كل أمة كملت لها أدوات الحضارة، أو هي في سبيل البعث لاستكمال كل أدوات الحضارة.

فأنت ترى أمثالهم في مصر الفراعنة، وفي عصور مصر الزاهرة أيام الفاطميين والأيوبيين، وغيرهم، وهذه آثار الأقدمين شاهد بما قضى بعض الفنانين والعلماء والفقهاء من حياتهم في سبيل أداء الواجب الذي آمنوا بأنه الواجب عليهم. وفي غير مصر من أمم الشرق والأمم الإسلامية أمثال كثيرة، بل لعل الأنبياء أسمى ما يجده الإنسان مضربًا للمثل في الإيمان بالواجب، وفي حب الحياة؛ لأنها ميدان أدائه، وفي الصد عنها على أنها وسيلة متاع للفرد وحده.

ومن نافلة القول ذكر ما ضحى الرسل — عليهم السلام — في سبيل واجبهم، بل من النافلة الإشارة إلى أئمة الفقه، وأصحاب المذاهب في الإسلام وغير الإسلام، وما استحبوا في الحياة من صنوف الأذى، وما احتملوا من ألوان الظلم في سبيل الآراء التي آمنوا بها، ثم كانت الحياة مع ذلك باسمة لهم جميلة أمام نظرهم أن أتاح القدر لهم فيها أداء الواجب عليهم، وما المال وقيمته، وما الدنيا وزخرفها بإزاء واجب يفرضه الشرع، أو العقل، أو العلم، أو الفن؟ بل هل للدنيا زخرف، وهل للحياة قيمة إلا لمن أدى الواجب عليه فيها حق أدائه؟

هذا على أن الذين عاشوا فقراء وماتوا فقراء ممن خلعت عليهم الطبيعة هبات لم تُخلَع على سواهم هم الأقلون من بين هؤلاء النوابغ، والأكثرون أدرك الناس قدرهم وأحلُّوهم منهم محل التَّجِلَّة والاحترام، وجعلوا لهم من الوسائل لنعيم الحياة، وللطمأنينة للعيش ما لا يطمع في أكثر منه ملوك المال، والجالسون على عروشه، وهؤلاء كانوا من نعمة الحياة أوفر حظًّا كلما كانوا أكثر إثمارًا وإنتاجًا.

فأما أنَّ السمو إلى ما فوق إدراك الجمهور يضيِّع على الجمهور الفائدة لانصرافه عنه، فذلك عذر أكثر وهنًا من سابقه. حقًّا لقد ينصرف الجمهور أول الأمر عما لا يسمو إليه إدراكه من مظاهر الفكر والفن، لكن إدراك الجمهور مرن، ومرونته تمكِّنه من تمثل الجديد الذي يُعرَض عليه، ولئن طال بالجمهور الزمن قبل تمثل ما يقدمه إليه صاحب الهبة من فكر أو فن فهو لا بد متمثل هذه الثمرات يومًا ما دامت سائغة لذيذة، وما دام نبوغ النابغة ليس ملكًا له، وإنما هو ملك للإنسانية، فسيَّان قدَّر هذا الجيل أو الأجيال التي بعده ما يقدمه النابغة من ثمرات، فهو مطالب بتقديمها؛ لأن الإنسانية لا تقف عند الجيل الحاضر، بل تتخطاه إلى أجيال وأجيال تتغلغل في أبعد غايات المستقبل.

ليقومَ من وهبه القدر حظًّا من النبوغ بالواجب عليه يجب أن يؤمن أن حياته وقفًا على هذا الواجب، وأنه مطالب قبل التفكير في نفسه وفي ملاذِّه وفي حياته الخاصة بالتفكير في أداء ما فرض عليه القدر أداءه، ليكن من وراء أداء واجبه أن تحفه النعمة من كل جانب، أو أن ينظر إليه الناس منكرين، وأن يحيطوه بما شاءوا من أسباب الشقاء والبؤس يجب أن يكون ذلك في نظره أمرًا ثانويًّا، ذلك متاع نفسه، وهبته ليست ملك نفسه، ويجب أن يسير في الطريق الذي يؤمن بأن القدر بعث به إلى الحياة للسير فيه، وهو إن لم يلقَ جزاءه في حياته فسيلقى هذا الجزاء مضاعفًا بعد الراحة من أعباء الحياة.

هذا الإيمان هو جمال الحياة الحق، وهو الذي يجعل للعيش قدرًا وقيمة، وهذا الإيمان هو قوام حياة الأمم، وهو مجد الإنسانية كلها.

لذلك نتقدم بالنصيحة للشبان الذين يشعرون بأن القدر ألقى على عاتقهم رسالة أوجب عليهم أداءها عن طريق الفكر أو الفن، وأن يؤمنوا بهذه الرسالة إيمانًا قويًّا، وأن يقفوا حياتهم على البلوغ بها إلى غاية الكمال، وأن يكرسوا كل جهودهم في هذا السبيل، قد يجدون في سبيل هذا الإيمان غضاضة، وقد يقاومهم الناس وينكرونهم، لكن هذا الإيمان هو لذة الحياة ونعيمها، فإذا هم لم يعبئوا بما قد يلقونه من مقاومة وبما قد يصيبهم من عنت، وساروا في سبيلهم لا يلوي عنانهم رغبة ولا رهبة، ولا يرون أمامهم إلا تحقيق أملهم، إذن فهم سعداء بأداء الواجب عليهم للإنسانية، والإنسانية سعيدة بالثمرات التي يقدمونها والتي تتذوقها وتنعم بها حتمًا، وإن لم تتذوقها وتنعم بها اليوم، فستتذوقها وتنعم بها غدًا.

هذا الإيمان هو الذي ينقص الشرق اليوم، ونقصه هو الذي يهد عزائمَ ويضعضع نفوسًا كان الشرق يجني من ورائها — لولا ذلك — مجدًا وعظمة، والشبان مطالبون بالتفكير في الواجب عليهم والإيمان به، فإن آمنوا ودفعوا إيمانهم في سبيل تحقيق غاياتهم، فقد آن للشرق أن ينهض، وأن يدرك أبعد الغايات وأسماها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.