يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.

ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.

ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.

فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.

فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.

كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.

ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.

ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.

ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.

ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.

وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.

أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.

مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.

مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.

مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.

هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.

أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.