أما المتوسلون فهم الجامعيون، وأما الذي تُبتغَى إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد، وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملًا أم هو مجلس الجامعة مختصرًا؟ ولكن الذي أعلمه أن فريقًا من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد؛ ليرفع عنهم ثقلًا يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.

زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضًا، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من المواد أستاذٌ أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكورًا أو غير مشكور! قالوا: وأريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة؛ أحدهم مصري والآخران أجنبيان، قالوا: ففكرت الجامعة وقدَّرت وأرادت أن تفسر القانون تفسيرًا معقولًا فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوَّغ لها هذا التفسير، وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يُعلِّمون مواد لا أساتذة لها، وإذن فهم يستطيعون أن يأخذوا أو يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وإن كان مجلس الجامعة محرمًا عليهم.

ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية ضاق باثنين، وباثنين ليس غير، فرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعملون، ولكنهم لا يقضون ولا يُستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما، وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضًا وقدَّروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير؛ لعله يستعمل حقه القانوني فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة المعلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.

قالوا: وسيُعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو أن لا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجًا على التقاليد، ولا شذوذًا على النظام، ولا مخالفة لأصلٍ من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.

وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أدخل على نظام الجامعة كان بعيدًا كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب للمصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصريون، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجلس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات.

وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمران؛ أحدهما: أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلًا ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلا بد إذن لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة، وليُبصِّروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يُبصَّروا به من الشئون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنهم. ودلَّت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.

وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشئونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة؟ ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة: هلم تلقوا هذه الجامعة فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعًا؟ لقد همَّ هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطرابًا شديدًا، وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.

والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شئونهم، فكانت الكرامة المصرية إذن تريد أن يشترك المصريون اشتراكًا قويًّا في تدبير أمور الجامعة على اختلافها. وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إدارتها إلا خيرًا، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتفعت حقًّا في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت بخطى واسعة في تمصير التعليم العالي؛ فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين، وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود المنكر؟!

نعم إن كلية الطب شكَتْ من أنَّ مجلسها كان ضخم العدد جدًّا لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم جدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يُوفَّق لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلًا، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى.

فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث؛ أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي، وهو ديمقراطية، وتكره كل شيء يُضيِّق حدود الديمقراطية في الجامعة؛ وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم؟ فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون المصريون أثرًا في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟!

يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يُحدِث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكفُّ اليد المصرية قليلًا أو كثيرًا عن شئون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئًا من الذلة كان ينبغي أن لا يلقى عليهم؛ لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس كلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرِجا منه، وهما من خير أعضائه.

ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يُبْقي أعضاءها المصريين. وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت — عن طريق لا تقبل الشك — أن تعديل القانونين من هذه الناحية كان إسرافًا في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تُلحَّ في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة حتى يظهر فساد هذا التعديل ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة إلا سحابة صيف؟

ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.