الحمد لله على أنني

قد صرت من دهري إلى شر حال

مشتت النفس بعيد الهوى

في عثرة من زمني ما تُقال

جهدتُ في الخير لنفسي فما

أدركت منه غير طيف الخيال

مني وآمال تقسمنني

ثم انجلى زخرفها عن محال

نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.

أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.

والذنب للأيام لو

لا شؤمها لم تنب شيمه

ولو استقامت كانت الأ

حوال فيها مُستقيمه

تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.

وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.

واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.

ويا لك من ليل تقاصر طوله

وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.

وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.

زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.

وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.

شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.

فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.

يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.