يعود السيد «بليغ» فيسأل عن الموسيقى اللانغمية Atonal: كيف يمكن أن توضع موسيقى على الإطلاق بغير نغمات؟ وهل يمكن تدوين هذه الموسيقى بالنوتة المكتوبة؟ وما هو تعليل المادية «الديالكتية» لفهم هذه الموسيقى وتفسيرها حسب نظرياتهم في الفنون؟

ونعود فنقول للسيد بليغ إن الموسيقى التي لا نغمات فيها شيء غريب كما يرى، ولكنها ليست بأغرب من الشعر بغير معانٍ وأوزان، وليست بأغرب من التصوير بغير أشباه ورسوم، ولكن التهويش فيها ينكشف على وجه السرعة؛ لأن مغالطة الحس في الأصوات المختلفة، أصعب من مغالطة العين في الرموز الخفية، أو مغالطة النفس في الوعي المجهول والوعي المعروف. وقد يسهُل على المُدَّعِي أن يزعم أنه يسترسل مع التأمُّل على انفراد أمام الصورة المختلفة والكلمات المبعثرة، وليس بالسهل على مائة إنسان أن يخدعوا أنفسهم في قاعة من قاعات الفن الموسيقي ساعة أو بضع ساعات مُظهِرين الإعجاب والارتياح، ومكررين هذه المهزلة كلَّما تَكرَّر عزف الأصوات على آلات لا تؤدي بها نغمات، ولا تنتظم عليها حركات أو سكنات.

وقد أصاب السيد بليغ هذا الفن «الخنفشاري» في المقتل حين سأل عن تدوينه بالنوتة المكتوبة؛ فإن هذا الفن الخنفشاري يُسجَّل ولا يُدوَّن، ويُنقَل على عِلَّاته ولا يُخلَط بالحروف ولا بالعلامات، ومثله في هذه الخاصة الجامدة مثل الأعاصير والتيارات وضجة المكنات والقطارات. ومن عباقرته «البكاشين» من يُسمِّي القطعة المسجلة باسم «سوناتا الطيارة» كما فعل أنتويل، أو يسميها قضبان السكة الحديد كما فعل دشيفوف، أو يسميها الفبريقة كما فعل موسلوف.

ولا يزيد علمه فيها على محاكاة القرقعة والفرقعة والضجيج والعجيج واصطناع الخلط والخبط واجتناب الانتظام والانسجام.

أما «المادية الديالكتية» فإن كان السيد بليغ يعني بها الشيوعية، فقد كان بين نُقَّاد الفن بعد الثورة الروسية من يَقبلون هذه التقاليع كأنها نوع من الابتداع والخروج من التقاليد، ولكن النُّقَّاد الشيوعيين اليوم يُجمِعُون — أو يكادون — على استهجان كل من الفن التجريدي A Batract في الشعر والتصوير، ومن الفن التجسيمي في الموسيقى التي يسميها مخترعوها بهذا الاسم ConCrete Music لأنها تكاد تتجسم كما تتجسم الجرارات والكراكات والطيارات والقطارات …! وعند النقاد الشيوعيين أن هذا الفن بدعة برجوازية للخلاص من الحاضر وصرف الجماهير عن وقائع الحياة إلى فراغ الأوهام والأساطير.

ولكن الموسيقيين «البكاشين» من مخترعي هذه المصدعات لا يقولون عن أنفسهم برجوازيون ولا أنهم شيوعيون، وفخرهم كله أنهم يُعطون عصر الصناعة حقه المفروض. وما حقه المفروض في عُرفهم؟ إنه يمسخ الآدميين فيسلبهم النُّطق ويصنع لهم حناجر وألسنة تنطق كما تنطق المكنات والآلات …! والخطوة التالية من خطوات التقدُّم على هذه الوتيرة أن نستكثر على الإنسان نُطق المكنة المصنوعة ونستمع منه إلى صوت أبرع من ذلك وأقرب إلى الطبيعة.

دحرجة الصخور وسفسفة الأتربة وخبط الحطب غير مصنوع ولا منجور؛ لأن الأحطاب أدنى إلى العبقرية الخنفشارية من الأخشاب …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.