وظيفة الرقابة هي حماية المجتمع من الانحرافات الأخلاقية والسياسية والدينية في نطاق ما ينصُّ عليه قانونها، وفي مجال النصوص والمصنفات التي تراقبها، غير أن أثرها يتجاوز ذلك بحكم طبيعة عملها وبما يُملِيه المنطق. فهي تحمي الفن أيضًا من الابتذال الذي يتسلل إليه بدافع الإغراءات التجارية؛ إذ إن أغلب الانحرافات المؤذية للمجتمع هي وليدة لهذه الإغراءات التجارية، ومن هنا تتفق حماية المجتمع مع حماية الفن نفسه.

وقد قلت أغلب الانحرافات، ولم أقل كلها؛ لأني أعلم أن الرقابة تمنع بعضًا من الموضوعات الجادة نكوصًا أمام حرية النقد المشروع في مجالي السياسة والاجتماع، وهو داء خطير يجب أن يحسم لصالح الفن والمجتمع في ظل الديمقراطية الجديدة. وثمة وظيفة ثالثة للرقابة هي أنها تحمي المال المستثمر في حقل الفن، فلا تترك المنتجين لاجتهادهم الشخصي حتى ينجزوا أعمالهم ثم تجري عليها رقابتها مما قد يعرِّضهم لخسارة جسيمة مفاجئة، ولكنها تراقب الأعمال خطوة بعد خطوة بدءًا من الفكرة، فالمعالجة، وأخيرًا في صورتها النهائية، ثم تمنحها الترخيص بالعرض، وهو بمثابة الضمان الثابت الأخير.

وإذن فالرقابة مسئولة في الواقع عن المجتمع والفن ورأس المال، وعليها أن تتحمل مسئولياتها الكاملة بالصدق والأمانة والشجاعة. وقد تخطئ الرقابة — وجل من لا يخطئ — وواجب في هذه الحال الرجوع إلى الحق، ولكن يجب أن يتم ذلك مع تجنب أن يقع ظلم بأهل الفن، أو المسئولين عن الرقابة، فليس من المتعذر تعويض الخسائر من ناحية، وليس من المتعذر إعادة النظر في تنظيم الإدارة الرقابية بما يهيئ لعملها مزيدًا من السداد والإحكام.

أما التحقيق والعقاب فلا يناسبان عمل الرقيب الذي يشبه في بعض جوانبه عمل القاضي، وقد يدفعان بالرقباء إلى الشلل أو التزمت المفتعل إيثارًا للسلامة وهربًا من المسئولية. أتمنى أن تعبر الرقابة أزمتها بسلام كي لا يثور غبار في طريق الفن الصادق والرأي الحر والقيم السامية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.