مسئوليات الجلاء كثيرة كمسئوليات كل درجة من درجات الرشد والاستقلال يصل إليها الفرد أو تصل إليها الأمة.

ولكن المسئولية الأولى منها عسكرية؛ لأن الجلاء مسألة عسكرية قبل كل شيء؛ فمن الواجب بعد الجلاء أن يكون لمصر جيش كافٍ للدفاع عنها في جميع الأوقات، ولا سيما أوقات الحروب.

وكلمة «الجيش الكافي» من أيسر الكلمات فهمًا بتفسيرات المعاجم اللغوية، ولكنها ليست بهذه السهولة ولا بهذه البساطة عند تفسيرها بلغة الواقع و«النفاذ».

فعلى أي أساس نبني كفاية الجيش لضرورات الدفاع؟

أنبنيها على الضمانات الدولية التي تمخَّضَ عنها ميثاق الأمم المتحدة؟ أنُدخل في حسابنا هذه الضمانات فلا نخشى على مصر ما كانت تخشاه الأمم على نفسها قبل الميثاق؟

أَنُهمِل من حسابنا هذه الضمانات كأنها لم تكن قط ولم يكن لها شأن في العلاقات بين الأمم والحكومات؟

ليس من اليسير أن نعلق عليها جميع الرَّجَاء، ولا من اليسير أن نُهمِلَها كلَّ الإهمال، وإنما الطريقة الوسطى هي الطريقة المُثْلَى في هذه المسألة، كدأبها في جميع المعضلات التي لا تتضح للناظر فيها كلَّ الوضوح.

فميثاق الأمم المتحدة موجود لا ريب فيه، ولكنه ليس بكل شيء تعتمد عليه الأمم في ضمان سلامتها والدفاع عن كيانها؛ فلا نعول عليه كلَّ التعويل، ولا نُهمِلُه كل الإهمال، وليس في وسعنا على كلتا الحالتين أن نتفرَّد بأنفسنا ولا أن نُلقِي اعتمادنا كله على غيرنا. فهل نتوسَّط بين الأمرين بسياسة المحالفات والمعاهدات؟ وهل تنفعنا المحالفات أو المعاهدات وفيها شبهة تتجه إلى استقلالنا من أية سبيل؟

أما المحالفات والمعاهدات فجائزة بل واجبة في هذه المرحلة العالمية، ولكنها لا تجوز ولا تجب إلا بعد تحقيق معالم الاستقلال جميعًا، وقيام الاتفاق بين أنداد متساوين في حرية الرأي والتصرف، لا يكون منهم تابع ولا متبوع.

ويخطر على البال بعد هذا السؤال سؤال آخر، وهو: كيف نستعدُّ بالجيش الكافي للدفاع عنا في أوقات الحروب، وندبِّر وسائل الإنفاق عليه كما يَلِيق بكرامته وكرامتنا بين الأمم المستقلَّة؟

قد يقال إن تقصير مدة الخدمة العسكرية يكفل لنا تدريب العدد اللازم من الجنود دون أن نثقل خزانة الدولة بنفقات جيش كبير قائم على الدوام. ولكننا في عصر «الجيش المحترف» كما يسميه الجنرال ديجول، وهو من الثقات في هذا الموضوع؛ فالتدرب على الأسلحة الآلية العديدة لا يتأتَّى اليوم في زمن قصير؛ لأن الأسلحة العصرية يوشك أن تحتاج إلى كفاءة هندسية لإدارتها واستخدامها على الوجه المطلوب.

فلا بد من التوفيق هنا بين صعوبات ثلاث: (١) طاقة الخزانة مع حاجة البلاد إلى ضروب الإصلاح، و(٢) ضرورة الاستعداد بالعدد اللازم للدفاع، و(٣) توفير الزمن الكافي للتدرب على استخدام كل سلاح من الأسلحة التي تنتظم في الفيلق الواحد والكتيبة الواحدة.

وليس التوفيق بين هذه الصعوبات بالأمر اليسير، بل ليس من اليسير أن نحرم الأمة من جهود الشبان في عمر الخدمة العسكرية زمنًا طويلًا ولو توافرت مصادر الإنفاق على مئات الألوف من الجنود.

ونعتقد أن المخرج الوحيد من هذه المعضلة إنما يكون بإلقاء الاعتماد الأكبر على الضباط الفنيين الذين تطول خدمتهم العسكرية من عشرين إلى ثلاثين سنة؛ ففي وقتهم متَّسَع للقيام بالواجبات الفنية العليا والإشراف على تدريب الجنود فوجًا بعد فوج بالقدر المستطاع.

أما الجنود فلا مناصَ من قسمتهم إلى قسمين على حسب الحاجة الفنية إليهم: قسم يتدرب على أعماله في مدة قصيرة، وقسم تطول مدة تدريبه. ولا تكفي المدة المقررة لإتمام ذلك التدريب، ولا بد من الاستعانة بنظام التطوع لترغيب الجنود من هذا القسم في البقاء بالجيش بعد انقضاء المدة المفروضة في القانون.

***

ومن مسئوليات الجلاء الكبرى بعد تدبير وسائل الدفاع مسئولية الحكومة الوطنية أمام الشعب وأمام الدول الأجنبية؛ فقد كان قيام الاحتلال دافعًا لهذه المسئولية بعض الدفع في نظر المصريين ونظر الأمم الأخرى.

كنا نحمِّل تقصير الحكومة تارة على القيود التي تقيِّدها بها السلطة الأجنبية المسلحة بقوة الاحتلال، وتارة أخرى على الأزمات التي تشغلها بها من حين إلى حين، والمطالب التي تفرضها عليها بالقول الصريح أو من طريق الإيعاز والإيحاء.

أما بعد الجلاء فلن يَقبَل مصري من حكومته أن تعتذر بحجة من هذه الحجج؛ لأن الوزير الذي يقبل الافتئات على استقلال بلاده يجرم في حق الاستقلال، ولا يتخذ من ذلك وسيلة للاعتذار.

والشعب إذا سأل حكومته وحدها كانت العاقبة وخيمة على البلاد إذا قصَّرت تلك الحكومات في واجباتها المنتظرة منها، وليست هي بالواجبات القليلة بعد الجلاء.

فقد تضاعفت مسئولية الحكومة المصرية إذن في عهد الاستقلال، ووجب عليها أن تضاعف جهودها في الإصلاح، وجهودها في الحيطة الاجتماعية والحيطة السياسية؛ كي لا ينقلب الحساب إلى انتفاض، وتنتهي المسئولية الحكومية إلى خروج من جميع المسئوليات.

***

وجلاء القوة العسكرية البريطانية عن عواصم القطر قد عزَّز جلاءً آخر من قبله يعنينا في الواقع كما يعنينا جلاء الجنود؛ ذلك هو الجلاء عن وظائف الدواوين، وأولها وظائف الاستشارة والخبرة الفنية والتفتيش.

فكل خطأ تقع فيه أداتنا الحكومية اليوم هو خطأ وبيل العاقبة على الشعب والحكومة؛ لأن الضرر فيه ضرران: ضرر الإساءة التي لا يخلو منها خطأ من الأخطاء، وضرر الشك وفقدان الثقة بالنفس، واتهام الإدارة المصرية والكفاءة المصرية بجرائر هذه الأخطاء.

فقد كانت إساءة الحكومة قبل اليوم تثيرنا على الاستعباد فنستفيد من قوة الخلق وكرامة الحرية عوضًا حسنًا عن كل خسارة في المصالح والأموال. أما اليوم فإن إساءة الحكومة تُثِيرنا على أنفسنا، وتقدح في كفاءتنا وكرامتنا، فتجمع علينا بين خسارة المصالح والأموال، وخسارة الثقة والأخلاق.

وأخشى ما نخشاه على الأداة الحكومية بعد الجلاء أن تَسري محنة الأحزاب إلى موازين الجزاء والعقاب في مراقبة أعمال الموظفين، فيخطئ المخطئ من الموظفين وهو آمن على نفسه أن يُجزى بخطئه؛ لأنه يتشفَّع إلى الرؤساء بشفاعة الأحزاب.

ويبحث الرئيس حوله عمن يُحسِن العمل فلا يجده لأن المحسن لا يرجو جزاء المحسنين، ويحاول إصلاح العيوب في ديوانه فلا يستطيع الإصلاح لأن الموظف المهمل أو المسيء قد وثق من البقاء ووثق من الإعفاء والإغضاء، إن لم يثق فوق ذلك من الترقية وحسن الجزاء.

***

ومسئولية الشعب نفسه هي أضخم المسئوليات؛ لأنها هي المرجع الأول والأخير في كل مسئولية تلقى على الحكومات.

لقد تعوَّدنا كثيرًا أن نرجع إلى الحكومات بجميع الذنوب، فعلينا أن نتعوَّد قليلًا قليلًا أن نرجع باللوم إلى أنفسنا قبل أن نرجع به على الرؤساء الذي نرفعهم إلى مناصب الحكم بأيدينا.

وعلينا أن نحضر في أخلادنا تلك الحكمة الذهبية التي أُثِرَت عن النبي — عليه السلام — حيث قال: «كما تكونوا يولَّ عليكم.»

فنحن نلوم الأحزاب على الشفاعات، ونحن نحن الذين نُثقِلهم بأعباء الشفاعات، ونُبغِض الرجل الذي يستقيم في حكمه ويغلق باب الشفاعة في وجوه المتطفِّلين على العدل والحق والقانون.

ونحن نلوم المستوزرين على عبادة المناصب الحكومية، ونحن نحن الذين نوحي إليهم بتلك العبادة؛ لأننا نعبدهم ونتخذهم أربابًا تحفُّ بهم هالات المجد والعظمة كلما تسنَّموا غارب الوزارة، على استحقاق أو على غير استحقاق.

ونحن نلوم الزعماء على التدجيل والتضليل، ونحن نحن الذين نُغريهم بالكذب علينا والعبث بعقولنا؛ لأننا نصدِّق الدجَّال المضلل ونُعْرِض عن الأمين الصريح.

فإذا أردنا أن نجمع مسئوليات الجلاء كلها في مسئولية واحدة، يرجع إليها كل حساب وتنطوي فيها كل تبعة، فتلك هي مسئوليتنا نحن أمام أنفسنا؛ تلك هي مسئولية الأمة كلها قبل كل حاكم وكل حكومة … وهكذا ينبغي أن تكون تبعات الأحرار المستقلين في عهد الحرية والاستقلال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.