سياسة أقل ما تُوصَف به أنها تفسد الأخلاق، وتثبط الهمم، وتهلك الضمائر وتميت القلوب.

سياسة لا تعتمد على صراحة في قول ولا عمل، وإنما تقوم على الكيد المدبر، والمكر الخفي، والسيرة الملتوية، والاجتناب لكل وضوح أو جلاء.

يقول أستاذ من أساتذة القانون في كلية الحقوق لمدير الأمن العام: إني أنشئ جماعة لا صلة لها بالسياسة، ولا يد لها في السياسة، ولا عناية لها بما يخالف طبيعة ما يعمل فيه الأستاذ من تهذيب العقل وتنمية الجسم، وتقويم الخلق؛ فيقول له مدير الأمن العام: ولكني لا أصدق ما تقول، ولا أشك في أن لهذه الجماعة التي تنشئها غرضًا سياسيًّا خفيًّا، فيه خطر على الأمن والنظام!

ويكتب هذا الأستاذ من أساتذة القانون في كلية الحقوق إلى مدير الجامعة كتابًا يسجل فيه أن جماعته لا تُعْنَى بالسياسة ولا تسعى إلا إلى أغراض جامعية خالصة وينكر فيه على مدير الأمن العام ألا يسمع له ولا يطمئن إليه، فيصل كتابه إلى الجامعة، ولكن الجامعة تسلك معه مسلك مدير الأمن العام، ولا تصدقه ولا تطمئن إلى قوله، وإنما تراه مخطئًا قد خالف النظام، وخرج عن طاعة القانون، وأصبح من الحق أن يُفصَل من عمله بقرار من مجلس الوزراء!

ومعنى هذا كله أن الأمر في مصر لم يصبح أمر صراحة وصدق، ولا أمر سؤال وتحقيق، ولا أمر التماس للعدل وتبيُّن للصواب، من الطرق الطبيعية التي يُلتمَس منها العدل، ويُتبيَّن منها الصواب، وإنما هو أخذ بالظنة، واقتناع بالشبهة، وبالشبهة التي قد تُخلَق خلقًا، وتُدبَّر تدبيرًا، ويبيتها المفسدون بليل. يستوي في ذلك مدير الأمن العام الذي قد يُفهَم منه الإسراف في الحظر والغلو في الاحتياط، والجامعة المصرية التي إن يُفهَم منها شيء، فإنما هو الثقة بأساتذتها، والاطمئنان إلى ما يقولون ويعملون، والحرص كل الحرص على كرامتهم؛ لأنها لا تُكرَم إلا إذا كان أساتذتها كرامًا.

نعم؛ أخذ مدير الأمن العام بالظنة، واقتنع بالشبهة، وفض اجتماعًا لم يكن له أن يفضه، وشك في رجل لم يكن له أن يشك فيه، وكان الحق على الجامعة أن ترد مدير الأمن العام إلى الصواب، وأن تبين له أنه إن استباح لنفسه الإسراف في الحظر والاحتياط، وتجاوز الحدود أحيانًا مع رجال السياسة، فإن ذلك لا ينبغي له ولا يُقبَل منه مع رجال العلم الذين تطمئن الدولة إليهم في تثقيف العقل وتقويم الخُلُق، وتكوين الشباب، والذين لم تتعلق الدولة عليهم بخروج على النظام، أو مخالفة للقانون، ولكن الجامعة لم تصنع شيئًا من ذلك، وإنما أنكرت أستاذها وعرفت مدير الأمن العام، وكذبت أستاذها وصدقت مدير الأمن العام، فأنكرت بذلك نفسها وكذبت بذلك نفسها وأقامت بذلك الدليل القاطع على أنها لا تقدر واجبها الجامعي، ولا تفهم هذا الواجب على وجهه، ولا تصلح للأغراض التي أُنْشِئَتْ من أجلها، وقد قبلت أن تكون أداة في يد إدارة الأمن العام.

أقامت الدليل القاطع على أن الناس يخطئون إن وثقوا بها ما دامت هي لا تثق بنفسها، أو اطمأنوا إليها ما دامت هي لا تطمئن إلى نفسها، وصدقوها ما دامت هي لا تصدق نفسها، وانتظروا منها إصلاحًا لحياة الشباب ما دامت هي تشك في أساتذتها، وترتاب بهم، وتؤثر على شهادتهم وهم رجال العلم ورسل الأخلاق، شهادة إدارة الأمن العام.

ومعنى هذا أيضًا أن إدارة الأمن العام قد تسلطت على الحياة المصرية كلها، وتغلغلت في الحياة المصرية كلها واستمتعت بشيء من الدكتاتورية، لا تستمتع به إلا في عصور القلق والخوف والاضطراب، هذه العصور التي تعلو فيها كلمة الشرطة على كلمة العدل والقانون.

ومعنى هذا أن أساليب إدارة الأمن العام في البحث والاستقصاء وفي الفهم والحكم قد أصبحت هي أساليب الجامعة، وأساليب وزارة المعارف، وأساليب مجلس الوزراء، ومعنى هذا كله أن تفوُّق إدارة الأمن العام على المصالح والدواوين حتى على الجامعة ووزارة التعليم قد أصبح خليقًا أن يمحو الأمن من قلوب الناس محوًا.

وكيف يأمن الناس وأساتذة الجامعة يُؤخَذون بالظنة، ويُعاقَبون بالشبهة، وتنفذ فيهم كلمة إدارة الأمن العام، لا كلمة القانون الجامعي، ويُفصَلون برأي إدارة الأمن العام، لا برأي مجلس التأديب الجامعي؟!

وإذا قامت السياسة في بلد من البلاد على مثل هذه الأصول المنكرة فلا ينبغي أن تنتظر منها صلاحًا للخلق، ولا حياة للضمير، ولا أمنًا للقلب، وإنما انتظر منها كل ما يخالف هذه الخصال.

هناك حقائق مُرَّة يكره الناس أن يسمعوها وأن يروها، ولكن الحق عليهم أن يفتحوا لها آذانهم وعيونهم وقلوبهم حتى لا يكونوا كالأنعام يُسخَّرون على غير فهم ولا علم. وأول ما يجب أن يفتح الناس له آذانهم، وعيونهم، وقلوبهم، في هذه الأيام السُّود، هو أن أمورهم تُدبَّر بالظن أكثر مما تُدبَّر باليقين، وتُصرَّف بالشبهة أكثر مما تُصرَّف بالحق، ويُقضَى فيها بالهوى أكثر ممَّا يُقضَى فيها بالعدل والإنصاف.

ومأساة الأستاذ السنهوري دليل على هذا كله لا يحتمل شكًّا ولا ريبًا، يذهب غير واحد من الأساتذة إلى نادي المحامين، ويحضرون افتتاحه، فأما أحدهم فلا يُسأل، ولا يُسمَع، ولا يُقال له أين كنت، ولكنه يُفصَل بقرار من مجلس الوزراء، لهذا السبب التافه ولسبب آخر ليس أقل منه تفاهة ولا هوانًا. وأما غيره فيُسأل ثم يُسمَع، وإذا هو يزعم للذين يسألونه أمورًا كلها كذب، وكلها مُنافٍ للخلق، مخالف لطبيعة عمله ومركزه، فإذا زعم للذين يسألونه ما زعم رضوا عنه ورضي عنهم، ولم يمسُّوه بأذى ولم ينالوه بمكروه، على حين كان الحق والعدل واحترام القانون، والاحتفاظ للعلم بكرامته ومنزلته في نفوس العلماء والمتعلمين. كل ذلك كان يقضي بأن يُحال هذا الأستاذ على مجلس التأديب الجامعي لِيُسْمَع منه، ويُتحقَّق أمره، فإن كان قد ضلل الذين سألوه تضليلًا وقال لهم غير الحق، واتهم لهم زميلًا بريئًا، أُقْصِيَ عن العلم والتعليم إقصاء، وإن كان لم يَقُل شيئًا مما يُضاف إليه، ولم يقترف إثمًا مما يُحمَل عليه، برئ من هذه التهم وأُعْلِنَتْ براءته إلى الناس.

وعلى كل حال، فلم يكن الأستاذ السنهوري هو الذي يستحق العقاب، وإنما كان رجلًا آخر.

لو أن قصة الأستاذ السنهوري حدثت في بلد تستقيم فيه الأمور، ويجري فيه العدل مجراه الطبيعي وتُحفَظ فيه للعلم والعلماء هذه الكرامة التي لا قوام للحياة الراقية بدونها، لَلَقِيَ مدير الأمن العام من الجامعة ومن وزارة التعليم، ومن وزير المعارف ورئيس الجامعة الأعلى مقاومة أي مقاومة، ومعارضة أي معارضة، وإنكارًا أي إنكار، ولكان آخر شيء يفكر فيه مجلس الوزراء، هو أن يسمع لمدير الأمن العام، ويقضي برأي مدير الأمن العام في أمر أستاذ من أساتذة الجامعة، وأستاذ من أساتذة القانون.

ولكن حياة المصريين الآن تقوم على الفزع والخوف؛ فالوزارة قلقة مقلقة، والوزارة مضطربة مثيرة للاضطراب، والوزارة تشفق من كل شيء حتى من الوهم، فهي تأتي من الأعمال ما يدفع الناس إلى الإشفاق من كل شيء حتى من الوهم، والنظام مع ذلك مستقر، والأمور مع ذلك هادئة، وكل شيء مع ذلك في مصر يجري على ما يُرام.

سياسة تنتهي إلى هذا الشر وتدفع الحاكمين والمحكومين إلى هذا الخوف، ليست سياسة ثبات واستقرار وبقاء، وإنما هي سياسة قلق وفزع وزوال؛ لأن الشعوب لا تستطيع أن تحيا على القلق، ولا أن تبقى خاشعة أبدًا، ولأن الوزارات التي يخيفها الخيال لا تستطيع أن تواجه الحق، ولا أن تذلل الصعاب.

وإن في قصة الأستاذ السنهوري لدليلًا واضحًا على أن ساعة من الساعات آتية لا ريب فيها، وعلى أنها أقرب مما يظن الخائفون والمشفقون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.