يطيب للمعمرين الحديث عن جيلهم، ويحلو لهم عند ذلك أن يردوا كل خير له، وأن ينسبوا كل شر لمن أتى بعدهم. وتفسير هذا سهل، فهم يذكرون بالحمد جيل فتوتهم وشبابهم، ويخصون بالذم جيلًا انقطعوا عن المشاركة في أحداثه، وزحزحهم الخلَف، إنْ لطفًا وإنْ غلظة، عن مكان الصدارة فيه.

ويسجل التاريخ الأدبي وسيلة أخرى من وسائل الموازنة بين أجيال الأمة الواحدة، كأن يتخيل الأديب بعثَ عظيمٍ من عظماء قرن مضى من قبره ويصحبه في غدوه ورواحه بين الأحياء، ويرسل على لسانه ما شاء من استنكار أحيانًا وإعجاب أحيانًا أخرى، وإن كان الاستنكار هو الأغلب. فعل ذلك صاحب «عيسى بن هشام» عندما استخرج من عصر محمد علي الكبير، أحد قواده العظام، أحمد باشا المنيكلي، وطاف به منتديات القاهرة ومجتمعات طوائفها ودور قضائها مستغربًا متعجبًا ساخطًا راضيًا. وكأن ما لقي «حديث عيسى بن هشام» من قبول وإعجاب، وما بعثه في قرائه في أوائل القرن التاسع عشر، قد شجع الكاتب على المضي في خطته؛ فاستصحب الباشا في رحلة أخرى لأوروبا جاءت أقل توفيقًا.

هذه وسيلة من وسائل النظر التاريخي لها أشباه ونظائر. وثَمَّ وسيلة أخرى من وسائل النقد عمد إليها بعض الغربيين، فمنهم من أراد أن ينقد قومه على لسان أجنبي يزورهم ويقيم بينهم لاستطلاع أحوالهم، كما هو الحال في رسائل مونتسكييه الفارسية أو سيرة حاجي بابا الأصفهاني في إنجلترا للكاتب السياسي مورييه أو الرسائل الصينية عن إنجلترا للفيلسوف المؤرخ ديكنسون، وما إلى هذا كله.

خطرت لي هذه الخواطر عندما لبيت طلب مجلة الكتاب وبدأت أنظر معها على حد تعبيرها «نظرة سريعة إلى النصف الأول من هذا القرن، مسجلة ما طرأ على العالم بصفة عامة، وعلى مصر بصفة خاصة من أسباب التحول وانطباعات التاريخ.» فحاولت أن أطبق ذلك على مركز مصر السياسي في مدى خمسين عامًا، وفهمت منه أن ليس المقصود أن أكتفي بالقول: إن مصر في سنة ١٩٥٠م دولة ذات سيادة، نظامها ملكي برلماني، وإنها عضو من خمسين عضوًا أو يزيدون ينتظمهم ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وإنها عضو من أعضاء ينتظمهم ميثاق جامعة الأمم العربية، وإن علاقاتها بالأمم الأخرى تنظمها معاهدات من أنواع شتى؛ تجارية وسياسية وثقافية وصحية … وهكذا. لا يكفي ذلك، كما لا يكفي أنها انتقلت لحالتها في سنة ١٩٥٠م من حالة كانت عليها في سنة ١٩٠٠م عندما كانت ولاية عثمانية ذات مقام خاص مقرر في عهود سلطانية أقرت قواعدها اتفاقات دولية، وأنها كانت إذ ذاك يتحكم في إدارتها الممثل البريطاني عن طريق مستشاري الحكومة المصرية البريطانيين، وأن هذا الممثل البريطاني يعتمد في النهاية على احتلال عسكري بريطاني. فينبغي عليَّ إذن أن أنظر للحالتين الأولى والثانية «نظرة مسجلة ما طرأ على العالم بصفة عامة وعلى مصر بصفة خاصة من أسباب التحول وانطباعات التاريخ»؛ أي لا بد لي من أن أقارن وأن أوازن بين جيلين من المصريين.

ولأبدأ بجيل ١٩٠٠م، يمثل شبابه وكهوله مصطفى كامل وسعد زغلول وعبد الخالق ثروت وأمثالهم، وعلى رأس ذلك الشباب أمير البلاد نفسه عباس حلمي. ويمثل شيوخه رجال أدركوا عصر إسماعيل ووقعت في أيامهم نكبة الاحتلال من أمثال مصطفى رياض وبطرس غالي ومن إليهما. وكانوا جميعًا يمقتون الاحتلال ويطلبون الحرية، إلا أن منهم من شجعته صفة الاحتلال غير الشرعية والظن بأن يزول بزوال أسبابه على نوع من التسليم به، بل على نوع من الاعتقاد بأنه قد لا يخلو من مزايا، منها ما يتصل بأثره في إبعاد السلطنة العثمانية عن التدخل في شئون مصر، ومنها ما يتصل بأثره أيضًا في التخفيف من ثقل وطأة الامتيازات الأجنبية والأنظمة الدولية، ومنها ما يتعلق بالنظر إلى الفنيين البريطانيين كما لو كانوا طائفة من الخبراء تعمل في شئون الري والزراعة والصحة عملًا نافعًا للبلاد. وخالفهم في ذلك كله مصطفى كامل ومن تبعه من شباب المعاهد وسواد الشعب، طلبوا الحرية كاملة، ولم يكرهوا أن يستخدموا السيادة العثمانية — وقد اعتبروها أمرًا اسميًّا فقط — أو الامتيازات الأجنبية أو المنافسات الدولية أو الأنظمة القضائية والمالية والإدارية الدولية في مصر للحد من سلطان المحتلين. وهاموا بالوطن هيام المحب، لا يحسب ولا يزن ولا يتخير.

هذا الاختلاف بين شباب ١٩٠٠م وبقايا عصر إسماعيل أمر حقيقي. ولا تعجب إذن — إذا ما تصفحت «حديث عيسى بن هشام» — أن الباشا المنيكلي، وهو من رجال محمد علي المبرزين في الحرب والإدارة، ومن الذين بذلوا دماءهم في بناء الدولة المصرية، ومن الذين عملوا في حرب الشام وفي إدارتها، ومن الذين تولَّوا «حكمدارية عموم السودان» لا ينطق بكلمة واحدة عما جرى على بلاده، مِصرها وسودانها، من فقدان العزة والاستقلال. كنت أتصور أن أول مَن يسأل عنه هو من يحكم البلاد من أحفاد ولي نعمته الكبير، وأنه يكون ملجأه عندما اشتد عليه رجال البوليس والنيابة والقضاء. وكنت أتصور أنه عندما يقف أمام القلعة مناجيًا سيدها وسيده تسيل دموعه حزنًا وينعقد لسانه هلعًا عندما يرى الجنود البريطانيين يرابطون في أبراجها وقصورها! ألا يدلك هذا على اتجاه فريق من القادة نحو ما قدَّرت من انصراف عن القضية الوطنية الكبرى؟! وقد حاولت أن أفسر ذلك بذكر الاعتبارات التي خطرت لهم، وعليَّ الآن أن أضيف لها عوامل أخرى، أذكر منها إخفاق الثورة العرابية؛ وقد كان من أثر الصدمة التي أصابت المصريين أن حل شيء من الفرقة بينهم وبين أميرهم وبيت إمارتهم، فظنوا أن ذلك البيت يتبع خطة منفصلة عن الوطن وأهله. ونفذ سهم الاحتلال في تلك الثغرة وعمد إلى توسيعها؛ وترتب على هذا كله نوع من التفرق والتشتت والتضارب تلمس آثاره في أحزاب العقد الأول من القرن العشرين وصحافته. كما كان من آثاره الانصراف إلى ما سمَّوه حركات الإصلاح الداخلي أو الحركات الدينية متخذة مظاهر الوحدة العثمانية الإسلامية أو مظاهر التحزب العنصري والشقاق الطائفي. أضيف إلى هذا كله حالة العالم الخارجي واستتباب الأمر للدول الإمبراطورية وللدول الاستعمارية.

فلأنتقل لتلك الحالة.

كانت الدول العظمى في ذلك الأمس هي: الإمبراطورية البريطانية، والجمهورية الفرنسية، والإمبراطورية الروسية، والإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، ومملكة إيطاليا، وجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الأخيرة اقتصرت نظرتها على شئون الأمريكتين فعملت على أن تُبعد عن تينك القارتين النفوذ الأوروبي ما استطاعت لذلك سبيلًا، وتم لها قُبيل بدء القرن إجلاء السيادة الإسبانية عمَّا تبقى لها من مُلكها الطويل العريض، وانصرفت فيما عدا السياسة إلى توسعها الاقتصادي ورسالتها الثقافية الدينية في مختلف أنحاء العالم. أما الدول الأوروبية الكبرى فجميعها — فيما عدا إيطاليا، وكان ذلك على الرغم منها — يقوم على الأساس الإمبراطوري لا القومي. فها هي ذي بريطانيا مملكة متحدة تتصل بمستعمرات، منها ما يحكم نفسه بنفسه ومنها ما تحكمه هي مباشرةً. وها هي ذي فرنسا ضمت إليها بمختلف وسائل الضم وربطت نفسها بمختلف طرق الربط بأراضٍ وأقاليم في أفريقيا وآسيا. وها هي ذي الإمبراطورية الروسية يزيد مُلكها الآسيوي سعةً عن قسمها الأوروبي، بل إن قسمها الأوروبي نفسه مبسوط السلطان على شعوب بولونيا وسواحل البلطيق والقرم وما بين البلطيق والقرم. وها هي ذي الإمبراطورية النمساوية المجرية تعددت شعوبها من ألمان لمجر لصقالبة متعددة أسماؤهم ورومانيين. وها هي ذي الإمبراطورية الألمانية أضافت لألمانييها أهل الألزاس واللورين المتفرنسين، وأهل حصتها من بولندا ودانمركيي الشلزينج هولشتين، وذلك إلى سعيها الحثيث لخلق مُلك استعماري في أفريقيا وآسيا والأقيانوسية. ولم يقعد بإيطاليا السعي إلى أن تنال حقها، فاستولت من ملك مصر على سواحل البحر الأحمر، وحاولت أن تسيطر على الحبشة ولم تفلح، وكانت تمهد إلى أن يكون لها شيء في تونس أو طرابلس الغرب. ترى من هذا أن الكلمة العليا في أوائل القرن العشرين كانت — كما قلت — للإمبراطوريات لا للقوميات، وهذه مصر نفسها تنتمي رسميًّا لذلك المُلك العثماني القديم المتداعي حقًّا، ولكنه لا يزال ملكًا إمبراطوريًّا متعدد الشعوب. وأما الحركات القومية عمومًا — والأمر كذلك — فلم تهدف نحو هدف الاستقلال في حركة إجماعية قوية، بل منها ما اقتصر على هدف الاستقلال الذاتي داخل الإطار الإمبراطوري، كما نشهد في الإمبراطورية العثمانية وفي الإمبراطورية النمساوية وفي الإمبراطورية البريطانية. وصرف الناس عن الكفاح القومي توافر نوع من التوازن بين الدول الكبرى كان أساسه المحالفات الكبرى. وحقق له الثبات أمران؛ الأول: اليسر الاقتصادي في كل مكان، وسير حركة الانقلاب الصناعي سيرًا متئدًا في جميع الأرجاء. والثاني: اتساع العالم إذ ذاك اتساعًا يسمح بإرضاء جميع الراغبين.

ولكن كان لكل شيء نهاية، فقد قامت اليابان بمعجزتها المشهورة، وسلحت نفسها بكل ما في دار الصناعة الأوروبية من أسلحة الحديد والعلم والمال، وضربت الروسيا ضربة تردد صداها في الشعوب غير الأوروبية. وزاد الضغط الألماني في سبيل الاتساع، وزاد التسابق في الأخذ بأسباب التفوق الحربي برًّا وبحرًا. وضاقت الأسواق وابتدأت الحرب التجارية، ودب الأمل في شعوب الإمبراطوريات النمساوية المجرية والعثمانية؛ وكان الانفجار.

أول مراحله نزول الإيطاليين بثغور طرابلس الغرب، وضربها الثغور العثمانية وانتزاعها جزائر بحر الأرخبيل. يلي ذلك الحربان البلقانيتان وتحرر شعوب البلقان مما بقي من السيادة العثمانية. ثم الحرب العالمية الأولى.

وهي حادثة الحوادث في تاريخ مصر الحديث؛ لأنها قدمت لمصر ما كانت تفتقر إليه لتدخل حركتها القومية في دورها الحاسم المجيد، بها انقطعت الصلة بالدولة العثمانية؛ فبقي المصريون أمام البريطانيين وجهًا لوجه. أعلن هؤلاء الحماية، فلم يبقَ من كان يعتمد على أن الاحتلال العسكري أمر مؤقت، ولم يبقَ إلا أمر واحد هو الكفاح للاستقلال التام. وتحررت الأمم أو نودي بتحريرها، وجرى العمل فعلًا في رسم الخريطة الأوروبية على أساس القومية، وزالت الإمبراطورية النمساوية وزالت الإمبراطورية العثمانية، وكان من شأن هذا أن ظهر دوام استعباد الأمم غير الأوروبية أكثر بشاعة مما لو كان الأمر كله أمر استعباد للجميع.

قامت الثورة المصرية التي وحدت الأمة، بل إن الأمة المصرية العتيقة العريقة وُلدت في أيامها من جديد. وانبعثت الآمال في نهوض شامل: استقلال سياسي واستقلال اقتصادي، وحكم نيابي صحيح، وإباحة التعليم، وإباحة الدراسات على مختلف أنواعها للطالبين، وإصلاح اجتماعي يقهر صروف القدر ونكبات الحظ المتعثر، وحياة جديدة للأسرة المصرية وللمرأة المصرية، وبعث للفنون، وبعث للأدب، وبالجملة مجاراة للشعوب في مدارج التقدم.

وقد هان أمام المصريين كل صعب وأقدموا على كل شيء.

ولقد حققوا لأنفسهم الكثير مما أرادوا، ولكنهم اصطدموا بعقبات في خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ وكان من أثر ذلك الاصطدام أن اختفى عن تقديرهم وقلَّ في نظرهم عِظم ما أصابوا وكبُر في أعينهم شأن ما لم يصيبوا.

أما العقبات فأولها: الزمن، فعندما يعظم الأمل يزداد الاستعجال؛ فيكثر الإقدام دون التدبر، فإذا ما بَعُدَ الهدف أو قلَّ النصيب من النجاح دبَّ اليأس في النفوس. وثاني العقبات: عِظم المهمة، عِظم النهوض الكامل؛ لقد اخترنا — أو اختار لنا زعماؤنا ورضينا نحن عن اختيارهم — طريق الإصلاح التدريجي الذي يجمع بين التجديد والمحافظة، ورفضنا أن نختار طريق الانقلاب الذي اختارته الجمهورية التركية. وإني أرى أن ما اخترنا هو خير الطريقين، ولكن علينا أن ندرك أنه أشق وأصعب وأنه أبطأ؛ إذ هو معركة مستمرة بين فريقي المحافظين والمجددين، وهي معركة لا تسفر عن انتصار لأحدهما بل تسفر عن شيء متوسط يقبله الفريقان. وثالث العقبات: أننا ننال حقنا في المركز السياسي المستقل وفي وحدة الوادي بالعمل السياسي في عالم ما بين الحربين وعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأحوال هذين العالمين على ما تعلم تعقيدًا واضطرابًا.

وأما عما حقق الجيل لوطنه، فقد عرفنا أنه في المجال السياسي مما لا يستهان به حقًّا، فمصر أمة مستقلة، ولها حقوق الأمم المستقلة، وعليها واجبات الأمة المستقلة، ولا تريد إلا أن تكتسح العقبات — أو ما بقي منها — التي تقف حجر عثرة في سبيل قيامها بمهمتها في هذا العالم. ووادي النيل وحدة، حكمت بذلك الطبيعة، وحكمت بذلك ظروف أقسامه ومصالح أبنائه، وستتغلب هذه على كل ما يعترضها من عوامل زائلة.

وبيت الملك من صميم هذا البناء القومي العتيد، ونظام الحكم يقوم على أن الأمة مصدر السلطات، وأن الحكومة خادم الشعب.

وإذا ما قررنا ذلك، فينبغي علينا أن نقول: إن المصريين قد استطاعوا أن يكسبوا لأنفسهم حقوقًا وقوى عظيمة وقدرات كفيلة بأن تهيئ الحياة الجديرة بهم وبالإنسان في القرن العشرين. ولكن هذه القدرات تبقى خامدة، وتبقى حبرًا على ورق إن لم يعرفوا السبيل إلى الانتفاع بها وإلى استخدامها في وجوهها. فما السبيل إلى ذلك؟ السبيل إلى ذلك تنحصر في جملة واحدة: التعاون والتراحم فيما بينهم، أو — كما نودي في أيام الثورة — إن في ميدان الضحايا والمجد لمتسعًا للجميع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.