قيل لي في مستهل الخريف إن شوقي بك ألَّف خمس روايات تمثيلية كل واحدة منها آية، ولكن آيته الكبرى هي قمبيز، وحدثني من أروي عنه أن رواية قمبيز في اعتقاده خير ما كتب في حياته، فأكبرت هذه الهمة من شيخ فانٍ، وأعربت عن إعجابي بما يبديه شوقي بك في هذه السن العالية من النشاط، وما هو دائب عليه من مواصلة الإنتاج، وتمنيت أن يكون الأمر كما وصف محدِّثي، وكنا نجلس في تلك الأيام التي كانت فيها «السياسة» معطَّلة، حلقات نتذاكر الأدب والشعر، وكان من بيننا المعجَب بشوقي والمغالي بأدبه، والزاري عليه والعائب له، والمتحفظ في المدح والذم، ولكنَّا جميعًا كنا نترقب هذه الروايات الخمس أو الست — لا أدري — وما منا إلا من يرجو أن يكون الرجل قد وُفِّق فيها، حتى أنا الذي يعرف القراء سوء رأيه في شعر شوقي على العموم، وفي روايتيه — مصرع كليوباترة، ومجنون ليلى — على الخصوص، لم يكن رجائي أن يُكتَب له التوفيق مشوبًا بتحفظ لا معلَن ولا مكتوم.

‏ثم ظهرت رواية قمبيز، وجاءني لفيف من إخواني يشكون إليَّ أن الصحف لا تأذن بأن يُنشَر عنها شيء، إلا أن يكون ذلك مدحًا؛ فقلت لعل الرواية حسنة، فدفع إليَّ واحد منهم بنسخة منها، وقال: «هذه هي، اقرأها ثم انظر كيف تقول.»

‏وقد قرأتها، ولا أحسبني بعدها أستطيع أن أحمل نفسي على قراءة شيء لشوقي، فما زادتني هذه الرواية إلا اقتناعًا بأنه ليس بشاعر أصلًا، وليس الذي يبديه نشاطًا ولكنما هو حمى، ولا يُعَدُّ هذا إنتاجًا، فإنه أشبه بما يصنعه الأطفال بالرمال البليلة وهم يلعبون ويعبثون، ولا يعرفون كيف ينفقون ما يحسونه من الحيوية في خير من هذا، ويقيني أن شوقي لا يكتب لأن فكرة دارت في نفسه أو شعورًا استولى عليها، بل لأنه يرى الزمن قد سبقه وخلفه وراءه؛ فهو يهرول محاولًا أن يدركه، ولكن هيهات! فما يثقل الزمن رجلًا ولا يتوقف أو يتلفت أو يتلكأ انتظارًا للمتخلفين وإشفاقًا على الضعفاء والعاجزين، أو الحائرين، أو الذين يلهيهم عن السير ما على جانبي الطريق، والزمن يسير بخطوة الأسرع والأقوى لا بخطوة الذي هو أبطأ أو أضعف، فمن استطاع أن يسايره ووسعه أن يصبر على جهد المسير، ولم يدركه الونى والفتور، فهو معه في الطليعة أو بين الصفوف أو في آخرها — على قدر طاقته — وإلا فهو متروك وملقى في حيثما تنضب قوته وينفد جهده، ولن تغني حمى الجزع شيئًا، لا ولن تجدي الحسرة والتلهف أو ينفع الصراخ والتشوير في أعقاب الزمن الذي يمضي حثيث الخطى.

‏وهذه الرواية هذيان حمى، وصرخة جزع، وتشوير يائس يجاهد أن ينهض ويهرول ليدرك السابقيه، وتأبى ساقاه إلا أن تخوناه، وهي تلفيقات ذهن أصابه الخرف، لا تصوير عقل يدرك ما هو صانع، وأحسب لو أن شوقي كان قد كتبها نثرًا لكان من المحتمل أن يجيء بشيء يكون أقرب إلى المعقول وأدنى إلى القبول، ولكنه اغتر بما وُفِّقَتْ إليه فرقة السيدة فاطمة رشدي من النجاح في تمثيل روايته المجنون — مجنون ليلى — وتوهم أن الفضل لشعره وتأليفه، فحبس نفسه في داره شهورًا، وعكف على النظم، وفي ظنه أن يحل من الأدب العربي بهذا الهراء والتخريف في المحل الذي ينزله شكسبير — لا سواه ولا أحد دونه — من أدب الغرب!

‏ودَعْ الرواية وموضوعها ومواقفها، واقرأها على أنها شعر فحسب، ولا تجعل بالك إلا لجريان الشعر على لسانك، فماذا تحس؟ لا أدري! ولكن الذي أدريه أني أنا كنت أحس كأني اصطدم بعد كل بضع خطوات بجدار، أو كأن قبضة يد معروقة تدفع في صدري وتصدني عن المضي في القراءة؛ ذلك أن شوقي ينتقل من بحر إلى بحر، ومن ‏وزن إلى وزن بغير إنذار وعلى غير توقُّع، ويفاجئ القارئ بهذا التنقل الذي لا يرتقبه فيصدمه، ولو كان يجعل كلام الواحد حين يتكلم، من بحر واحد، لأمكن أن يُحتمَل الأمر، لكنه كالسكران الذي يترنح ويتمايل ويخالط في المشي، ولا يجنح إلى اليمين إلا ليعود فيرتمي نحو اليسار، وهذه من شوقي عربدة صريحة، وإذا كان لا يسعه أن يجعل شعر الرواية كله من بحر واحد، ولا كل فصل منها من بحر؛ فلا أقل من أن يسوق كلام الفرد الواحد من وزن واحد، اقرأ هذا مثلًا (ص١٨):

‏الثاني:

مَن أمازيس؟ ما الأميرة؟

ما مصر؟ أفي الأرض مَنْ بقمبيز يهزأ؟

أهذا خبر يُروى؟

غبي أنت والله!

أتحت القبة الزرقا

ء مَن يسخر بالشاه؟

والانتقال هنا غير عنيف، والصدمة ليست بالقوية، ولكن اقرأ هذا (ص٣٥‏):

ماسو:

وما ذنبي؟

نتيتاس:

لقد أحسنت

لكن لي أنا الذنب!

أنا أحببت عابثًا

سادر القلب جافيًا

‏وهذا أيضًا (٤١‏):

‏أحامس:

كن منصفًا إنْ رُمْتَ يا

خوفو تكون الحكما

تأمل القصر خوفو

أفيه من مصر شيء؟

وفي صفحة (٤٤‏):

حوتيب:

سادتي إني في الكف

وفي الجبهة أقرأ

أنا أقرأ لك خطًّا

أنا أقرأ لك عمرًا

أنا الذي بسحري المبين

أستطلع المكتوب في الجبين

‏وفي صفحة (٥٧):

تتا:

أقتيل يا بنت فرعون؟

الملكة:

لم لا؟

ليس في أرض فارس مستحيل

يا تتا نحن في بلد

كل قلب به جمد

الحي فيه رخيص

والميت أرخص منه

هنا الميت تنفض منه الأَكُف

وتنهى الشرائع عن دفنه

وفي الصفحة عينها:

الملكة (وهي مطلة):

تتا هذا هو الحارس

هذا من تحبينا

كذوقك يا تتا لم يعلُ ذوق

أتمثال حبيبك أم إلاه

تتا:

ولو فوق الإله يُحَبُّ شيء

ويُكرَم لم يكن أحدًا سواه

تأملي كتفيه

تأملي منكبيه

كأن صقرين حطَّا

فظللا شاربيه

وفي صفحة (٨٧): ودَعْكَ من سخافة الانتقال من حيث المعنى:

قمبيز:

كذبتِ عليَّ يا ابنة ابرياس

حذار حذار من بطشي وفتكي

أنا قمبيز ابن كسرى

أنا جبار الوجود

وأنا النار أصولي

وبنو النار جدودي

ويل فرعون ومصر

من جنودي وبنودي

رباه ويحي ويح لي

رباه ما لي لا أعي

رباه ناراه ما الذي أجد؟

كأنما النار فيَّ تتقد

يا نار كوني لي

أورما زد كن عوني

وفي صفحة (١١٠):

نتيتاس:

ماذا رأيت؟ وماذا

سمعت؟ من يدفعونا؟

مَن ذا إلى النار ساقوا؟

مَن أوردوا الأتونا

تاس؟ أجل هو تاس

أتوا به المجنونا

قسا الجنود عليه

والجند لا يرحمونا

ما باله عرف الوفاء

وكيف ثاب إلى الرشاد

ربي! أأشفع فيه؟ لا

لا كيف أمنعه الجهاد

لا لن تحول شفاعتي

بين الضحية والبلاد

هذه ميتة عز

أمضض ناس بسلام

وفي صفحة (١١٩):

قمبيز:

ويلي من الماضي ومن أشباحه

هذي خيالات الزمان الخالي

عجب العجائب ويح لي ماذا أرى

شبح، أجل شبح وطيف خيال

شبح كالملك الوا

قي لعيني يلوح

شبح كالزنبق النا

عم يغدو ويروح

ظهر الحسن عليه

وسرى الطيب يفوح

تمثال نتيتاس حول مذاهبي

أحبب بنتيتاس والتمثال

(وبعد أبيات من هذا البحر):

طاب ورد الحمام يا نفس هيا

خنجري، خنجري، إِليَّ! إِليَّا!

‏وهكذا، وقد أكثرنا من الأمثلة ليعرف القارئ أنها ليست فلتة مفردة، ولكنها طريقة مطردة، وظاهر من هذه الأبيات التي سقناها أن المعاني لا جليلة ولا سامية، ولا هي بالتي تتطلب العبارة عنها أوزانًا خاصة تكون أوفق لها وأعون على إبرازها، فتنقُّل شوقي بين الأوزان لا تدعو إليه حاجة أو ضرورة ملجئة، فليس ثَمَّ معنى واحد فيما أوردناه لك يستعصي على الشاعر أن يصبَّه في القالب الذي يختاره له، ويجريه مجرى سواه من الكلام السابق واللاحق، ليعفي القارئ من صدمات هذه العربدة، ومتى كان ما يراد العبارة عنه سهلًا لا عسر فيه ولا سمو ولا دقة، فإن هذا التنقل يكون دليل العجز البيِّن عن الأداء والقصور الذي لا شك فيه، وإذا كان الشاعر يعييه أن يسوق لك الكلام العادي في نظام واحد، فما ظنك بعجزه إذا أراد أن يتناول المعاني العويصة أو الدقيقة، أو غير هذه وتلك مما يتطلب الإحكام والحذق والضبط، أو القوة أو البراعة، أو التلطف واللياقة، أو الرقة والعذوبة إلى آخر ذلك؟ والشعر ليس مجرد وزن للكلام، ولا الوزن أصعب ما فيه، وقد يشق أمره على المبتدئ، ولكن المران يُكسِب القدرة عليه والسرعة فيه، وإذا كان كل ما في الشعر التمثيلي أن تجيء بالكلام موزنًا كيفما اتفق، وأن تجريه من أي بحر بلا قيد ولا مراعاة للانسجام أو مبالاة بالروح الموسيقية التي يجب أن تشيع فيه، فإنه يستوي إذن أن تضع الرواية نظمًا أو نثرًا، بل نثر الكلام يكون أولى وأوجب وأصح وأشد موافقة للفن؛ لأن هذه الصدمات تنتفي ويمتنع تشويهها، وليس في الدنيا كاتب يعجزه أن ينظم رواية على منوال شوقي، فإن الوزن أيسر ما في الشعر، ومطلبه سهل جدًّا على مريده، وما على المرء حينئذٍ إلا أن يعمد إلى الألفاظ فينظمها من غير أن يبالي كيف تجيء ولا من أي بحر تجري، وإذا تعذر عليه النظم من بحر تركه إلى سواه مما يتحدر فيه الكلام بلا عائق، بل النثر يكون في هذه الحالة أشق وأصعب، فما للناثر عذر من كثرة الحشو إذا أمكن أن يُعذَر الشاعر المضطر، ولا من العجز عن إحكام الأداء ودقة العبارة إذا تجاوزنا للشاعر المقيَّد عن بعض ما لا يضير أو يسيء إلى المعاني أو يفسدها، وأحسبني أعرف السر في هذه الفوضى التي آثرها شوقي وجنح إليها؛ فهو يريد أن يضع خمس روايات يطمع أن تحمل إليه كذا وكذا من الجنيهات؛ فَلْيفرغ منها إذن بأسرع ما يتسنى له، وَلْيغلق على ‏نفسه الأبواب شهرين أو ثلاثة ليصوغ هذه الروايات الذهبية، وهذه الفوضى تؤاتيه على ما يبغي من السرعة، فَلْيكن الحكم إذن لها، وهكذا كان.

‏ولو أن لشوقي ذرة من الشاعرية أو حظًّا بالغًا ما بلغ من الضآلة، من الروح ‏الموسيقية، لما أمكن أن يرضى لنفسه هذه العربدة، ولتمردت روحه على الطريقة التي جرى عليها، ولأرغمته إما على الإذعان لمطالبها، وإما على الكتابة النثرية إذا كان لا بد من بضاعة تذهب إلى السوق وتعود إليه بثمنها المنشود.

‏كان لي صديق فَكِهٌ نصف أُمِّيٍّ، يضحكنا أحيانًا بغناء مختلط يجمع فيه مطالع الأدوار المختلفة جمعًا متنافرًا، وكان يفعل ذلك على سبيل الفكاهة وطلبًا للتسلية، وتعمدًا لإضحاكنا، ولو كان يفعله جادًّا لما صبر عليه أحد، ولكن الذي لا يُحتمَل في موقف الجد، كثيرًا ما يحلو في ساعة التبسط واللهو، وهذا عين ما صنعه شوقي في روايته، سوى أن صديقنا ظريفٌ حسنُ الإدراك لطبيعة الأشياء ولا يغيب عنه أنه يخلط، ولا يدَّعي أنه يطربنا، ولا ينحل نفسه من أجل ذلك فضلًا، ولا يريد من وراء ما يصنع إلا رضانا وضحكنا، أما شوقي بك الذي يسوءه ألَّا يُذكَر اسمه مقرونًا بلفظ التأمير على الشعراء، فلا يفهم ولا يفطن ولا يحس هذا الذي يعرفه بفطرته السليمة صديقنا الأُمِّيُّ، يجيء بالسخيف ويرقب الإعجاب والثناء، ويعرض المضحك ويستغرب أن لا تَحْمَرَّ الجفون من البكاء، ويمضي وفي وهمه أنه أحكم الحكماء، ويضرب على مِنْدَف، ويظن أنه يطرب الأرض والسماء!

‏دُعِيتُ مرة إلى سماع، وشاء الحظ أن يكون المغني أصم والعوَّاد أخرس؛ فكان الغناء ألحانًا والتوقيع على العود ألحانًا أخرى، فلا توافُق ولا تجاوُب، وضاعف البلاء أن العوَّاد كان كأنما يندف قطنًا، وكذلك شوقي في روايته كهذا المغني الأصم والعواد الأخرس مجتمعين، أو هذا ما يقع في النفس من شعر الرواية، وما أظن بشوقي إلا أنه لا يفهم هذا، ولا يدرك أن الشعور ينتظم على النغم، ولما كان لكل بحر وزنه الخاص أيْ نغمه، فإن الانتقال المباغت من وزن إلى وزن يتطلب تحولًا مثله في الشعور، ويرج الانتظام الذي استقرت عليه النفس، فإذا كثر هذا وقعت سلسلة رجات، فكأن النفس ‏في زلزال معنوي من كثرة تلاحق الرجفات وتوالي الهزات، وليس لنفس متعة تُستفاد من شعر يكلِّفها هذا العناء، وما هو إلا تنغيص يضاعفه سبق التوقع للإمتاع، ثم خيبة الأمل فيه، وللذي يتوقع التنغيص ويعلم أنه لا محالة ملاقيه أخفُّ مصابًا ممن كان يرتقب المتعة؛ فإذا به لا يفقدها فحسب، بل يغثي فوق ذلك.

***

‏ننتقل بعد هذا من تنافر الشعر إلى الرواية، أو على الأصح إلى السوق التي أقامها وفي مرجوه أن يفيد منها المال عوضًا عن القطن البائر، والواقع أن شوقي في روايته هذه تاجر قبل كل شيء، ينظر إلى السوق بكلتا عينيه ولا يرى أو يبالي شيئًا آخر، وآية ذلك أنه لا يرخي الستار على منظر إلا وختامه يرجو أن يستغل به الشعور القومي في مصر؛ فآخِر المنظر الأول من الفصل الأول هذا البيت:

وما لي لا أعطي الحياة إذا دعت

بلادي؛ حياتي للبلاد ومالي؟

‏وختام المنظر الثالث من نفس الفصل هذا البيت:

ولكن بين جنبي

هوى أولى به مصر

وختم الفصل الثاني بهذه الصيحة:

تعيش مصر وتبقى

‏وهكذا، وهذا فضلًا عما في الرواية نفسها من العبارات التي يبغي أن يتملق بها عواطف الجمهور اجتذابًا لعطفها وكسبًا لرضاها، وأحسب أني لا أحتاج أن أقول إن حب الوطن إذا كان صادقًا طبيعيًّا لا يحتاج إلى مثل هذا الإلحاح في الإعلان، وإنما التكلف هو الذي يغري بذلك ويدعو إليه، والناس يتعلقون بأديانهم وأربابهم كما يتعلقون بأوطانهم، بل ربما كان التعلق بالدين أقوى وأعمق أحيانًا من التعلق بالوطن، ولقد مرت على الإنسانية أوقات كانت فيها الأديان تُنسِي الناس أوطانهم، ومع ذلك ‏لا يتخذها وسيلة للتجارة إلا المنافقون الذين لا ينطوون على إيمان صحيح، وكلما كان الشعور — الديني أو الوطني أو غير ذلك — أعمق وأسلم، كان تنزيه المرء له عن التجارة أشد.

‏على أن شوقي بك لا يقف في الاتجار بالعواطف الإنسانية عند حدٍّ؛ فكلها أداة صالحة لهذا عنده، وهو يصوغ فيها جملًا رنانة لا يبالي أين وقعت من الصدق والحقيقة، ولا يحفل إلا أمرًا واحدًا هو أن يطلقها فيخلب بها بسطاء العقول، ومن أمثلة ذلك قوله على لسان نتيتاس لوصيفتها تتا:

ما هكذا الحب تتا

ما الحب إلا التضحية

‏كلا يا هذا الذي عاش في الدنيا أعمى، لا يفكر بعقله ولا ينظر بعينه ولا يحس بأعصابه، بل يقلد ويحكي كالببغاوات، ليس بصحيح أن الحب ما هو إلا التضحية، وإنما الصحيح أن الحب ما هو إلا الأثرة مجسمة والأنانية مجسدة، فهل تستطيع أن تفهم هذا؟ لا نظن! فما في رأسك سوى ألفاظ يحتويها كالصندوق، ولكن القارئ يسعه بأيسر مجهود أن يرى أن شوقي كاذب، وأن الحب قوامه الأنانية، وبحسبه أن يفكر فيما يطلب المحب؟ أليس مبتغاه أن يكون محبوبه له، وأن يختص هو به دون سائر الخلق؟ أليس يغار أن يكون له شريك أو مزاحم؟ نعم، يبذل في سبيل محبوبه، ولكنه بذل في سبيل نفسه إذا ذهبتَ تعتبر الحقيقة وتردُّ الأمر إلى أصله، وما بذله أو تضحيته إلا إرضاء لعاطفته هو واستجابة لدواعيها، وما أظن أن شوقي فكَّر في هذا أو أتعب ذهنه مرة بالتفكير، وكل ما نظر إليه من وراء بيت كهذا هو أن يسمعه الشبان والكهول يُلقَى إلقاء حسنًا مؤثرًا؛ فأما الشبان فنفوسهم لا تزال فتية وإحساسهم ما انفك مشبوبًا، فهم خلقاء أن يتلقوا قوله «ما الحب إلا التضحية» بالسرور والرضى والارتياح، على ما يظنونه مدحًا لأقوى العواطف التي يجدها المرء في شبابه، وأما الشيوخ فحَرِيُّون أن يثير هذا الكلام في نفوسهم الأسف والحسرة على الشباب الزائل، والقوة المفقودة، والصبوات القديمة التي حالت ذكرًا تسر وتشجو في آنٍ معًا، وليس من المدح للحب أن يقال إنه التضحية، ولا من ذمه أن يكون أنانية، فإن الطبيعة لا تُعاب ولا تفتقر إلى مادح.

‏وقبل أن نختم هذا الفصل الأول، لا يسعنا إلا أن ننبِّه إلى روح شوقي في شعره ورواياته، فإنها فيما أرى أشبه بروح الأَرِقَّاء الذين كانوا فيما غبر من الزمن يُشْرَون ويباعون بالمال، ويتخذهم سادتهم مِلْكًا لهم كما يملكون أثاث بيوتهم، يتصرفون في أمرهم على هواهم، ويصنعون بهم ما شاءوا؛ فهو يضع رواية كليوباترة لأنه يجد رجلًا يذوي الحب رجولته وينسيه واجبه ووطنه وكرامته، ثم يُقضى عليه، ويكتب رواية مجنون ليلى ويجعل النساء فيها رجالًا بل أقوى من الرجال، والرجال نساءً بل أضعف من النساء، ولا يزال يمرغ قيسًا ويشرده حتى يصرعه، وأخيرًا يجيء بقمبيز ويصور لنا عصر ضعف طارئ على مصر، وذلة مفروضة عليها، وهوان لاحق بها، ولا يختمها قبل أن يجعل المرأة — نتيتاس — أفحل من الرجال، وهم بين ملك فاتح وقائد ظافر، وجندي مُتَمَرِّس بالحروب، وليس كل ما في تاريخ مصر عصر كليوباترة وغزو الفرس، وليس مما يستر هذا النزوع إلى إيثار مواقف الهوان في الفرد والجماعة، أن تَرِدَ على بعض الألسنة في الرواية كلماتُ فخر جوفاء وألفاظُ إباء فارغة، ليس وراءها روح تصدر عنها، بل جري الألسنة بهذه الألفاظ الخاوية أكشف للحقيقة وأَنَمُّ عنها، وهي على كل حال لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولا تمحو الحقيقة الماثلة من ورائها، وقد يكون العبد أفخر ثيابًا من سيده وأبهى بِزَّة وآنق هندامًا، ولكنه مع ذلك العبد، وسيده السيد، وقد يُلَفُّ الميت في أغلى من ثياب الأحياء وأثمن من حُلَلِهم، وهو خامد الحس لا يشعر بالكسوة ولا يبالي العُرْي، ولا يفرِّق بين الديباج الحر والخيش الخشن.

‏ولشوقي عذره واضحًا، فما يسعه أن يفهم ما لا يحس، أو يتجه إلى حيث لا تدفعه نفسه، ولو اقْتُرِح عليه موضوع غير الذي يوافق ضعف روحه لَعجز عن تناوله، ولو مَرَّ هو به لما فطن إليه؛ فهو غير متكلف فيما يجنح إليه من إيثار الضعف، وهزال النفس، وتضعضع الرجولة، ومن تصوير ذلك كله بروح العطف، واتخاذه مثلًا أعلى للكمال، وقد صدق الذي قال:

ومُكلِّف الأيام ضدَّ طباعها

متطلِّب في الماء جذوة نار

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.