يسأل الطالب النجيب «محمود برهان الدين» بالمدرسة السعيدية الثانوية «عن المبالغة الشعرية»، ويطلب تعيين حدود المبالغة المقبولة.

وَرَأْيُنَا في المبالغة، عمومًا، أننا يجب أن نتخلص من مبالغة النقاد العصريين في فهم الأوصاف المبالغ فيها، فلا نحتاج بعدها إلى حدود كثيرة للتفرقة بين ما يجوز في الوصف الفني للشاعر والفنان، وما لا يجوز لهما ولا لغيرهما في كلام واصفٍ أمينٍ.

فكثير من النقاد المعاصرين يقيسون المبالغة بمعيار القناطير والأشبار؛ فيحكمون بالمبالغة على أوصاف شعرية لا مبالغة فيها على الإطلاق.

إذا قال الشاعر: إنَّ مَمْدُوحَه كالجبل الأشم وقارًا ومنعة وهيبة في الأنظار، قالوا: تلك مبالغة محققة؛ لأن الجبل يزن ألوف الأطنان، والبطل الممدوح لا يزيد وزنه على قنطارين!

لكنه خطأ من النقاد، وليس الخطأ فيه من الشعراء؛ لأن المقارنة بين الجبل الأشم والإنسان الوقور المهيب ينبغي أن تقاس بالأثر النفساني في وجدان الناظر إليهما، ولا يصح أن تقاس بالمقاييس الحسية؛ فإننا إذا نظرنا إلى هيبة الجبل وهيبة البطل العظيم لم نشعر بالمبالغة، ولم نضع هذا ولا ذاك في ميزان الفنان لنعلم صدق الشاعر والفنان. وربما كانت مبالغة الشاعر هنا معكوسة إذا كانت هيبة الناظرين للعظماء الذين يعرفون أقدارهم أقدر وأعمق من هيبتهم لمناظر الجبال.

وقد يقول الشاعر حين يصف الحزن: إن النهار قد أظلم في عَيْنَي الحزين، وإن الشمس قد انطفأت أمام بصره، فيقول الناقد: إنها مبالغة، ولا مبالغة فيها من ناحية الشعور الصادق؛ إذ كانت وحشة الليل المظلم أهون من وحشة النفس الحزينة في وضح النهار.

وإنما المبالغة التي تكاد أن تكون هزلًا هي اختلاق المعاني الوهمية لتمثيل الحقيقة، كما قال الشاعر محمد إمام العبد — وهو أسود الجلد — يرثي الأستاذ الإمام محمد عبده: «لبست سوادي فيك من قبل مولدي …» فإن سواد الجلد لا يمثل سواد الحِدَاد على أي معنى من معانيه، ولو صحَّ قول الشاعر لكانت حياته كلها حدادًا على الأستاذ الإمام قبل أن يموت، ولَمَا كان له فَضلٌ يَسُرُّ الشاعر، ويستحق من أجله أن يحزن عليه.

وقد قال الشريف الرضي يرثي عالمًا راجح اللب، راسخ العلم، مشهورًا بالحكمة والوقار:

جبل هوى لو خر بالبحر اغتدى

من وقعه متتابع الإزباد

فإذا جاء ناقد فقال: إن الشريف بالغ في وصف هول الحزن بهول البحر المزبد إذا وقع الجبل فيه، فالخطأ هنا من الناقد لا من الشاعر؛ لأن هول الخبر الذي يتردد في أسماع العارفين بفضل العالم المرثي أكبر من هول الموج المضطرب من وقع الجبل فيه.

فلا مبالغة بين أثرين متشابهين في شعورنا بكل منهما، ولو قيس أحدهما بالفراسخ والأطنان، وقيس الآخر بالقيراط والجرام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.