ظاهرة جديدة

هذه القصص التي تُكتَب باللغة الإنجليزية عن المجتمع المصري ظاهرة جديدة في الأدب الإنجليزي الحديث.

فلا نذكر أن قصة واحدة من هذا القبيل كُتِبَتْ في عهد الاحتلال، وقد استغرق نحو سبعين سنة.

وإنما ظهرت قصتان أو ثلاث من الحوادث المصرية بعد الثورة العرابية وثورة السودان، ثم سكت الكتاب القصاصون عنها وانحصر الكلام عن مصر في كتابات الصحف وتقارير العمداء السياسيين، أو المذكرات التي يكتبها هؤلاء العمداء ويتحدثون فيها عن مصر بطبيعة الحال؛ لأنها المسرح الذي يظهرون عليه بأدوارهم ورواياتهم، ويؤلفون فيه ما يؤلفون من مهزلة أو مأساة.

وتغيَّرَ هذا بعضَ التغيُّرِ في الأيام الأخيرة، فظهرت الحكايات القصيرة عن مصر كما ظهرت القصص الكبيرة، وإحدى هذه القصص الكبيرة قصة «السنة الجامعية» التي لخصناها منذ أسابيع، وهذه قصة أخرى من نوعها تصل إلى مصر في الأسبوع الأخير، وعنوانها نزهة سقارة؛ لأن المؤلف كاد أن يُقتَل في تلك النزهة!

ونظن أن هذا التغير في موضوعات الكتابة الإنجليزية عن مصر إنما يفسره شيء واحد؛ وهو الاعتراف «بشخصية الأمة المصرية» التي تجاهلها المحتلون نحو سبعين سنة، فلم ينظروا إلى مصر إلا من زاوية الإدارة الإنجليزية، ولم يهتموا بها إلا ليهتموا قبل ذلك بحكومتها وسيطرتهم عليها، فلما أصبحت للأمة «شخصية» تغلبت على وجود الحكومة المحتلة، قسرت كتابهم على تصويرها وتسجيل حوادثها ومظاهر شعورها في القصص الأدبية.

ولا يبعد أن نقرأ كثيرًا من هذه القصص فيما يلي من أيام هذه السنة، وفيما يليها من السنوات.

بطل القصة

كان بطل القصة السابقة أستاذًا للأدب الإنجليزي في جامعة الإسكندرية، وكانت حوادثها كلها تدور على البيئة المصرية أو البيئة الأوروبية التي استطاع ذلك الأستاذ أن يتصل بها سرًّا وعلانية.

أما بطل هذه القصة — نزهة سقارة — فاسمه إدجار بيري وعمله تدريس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، وله رحلات إلى مدن الأقاليم يلقي فيها بعض المحاضرات على الروائيين الإنجليز، ولعلها مدينة واحدة هي مدينة الزقازيق.

وأخلاق الأستاذ هنا تخالف أخلاق الأستاذ هناك؛ فلا مراقص ولا خليلات ولا إدمان للخمر ولا زيارات مختلسة لتدخين الحشيش، ولكنه زوج غير مطمئن في زواجه، تلاحقه امرأته إلى القاهرة؛ لتبلغه أنها تحب رجلًا آخر وتريد أن تطلقه أو تريد منه أن يطلقها! وتصل إلى القاهرة فتجده في شاغل عن هذه النكبة أو في تشاغلٍ عنها بمشروع من مشروعات الإصلاح يتعلق بمساكن الطلبة، ويود أن يقنع به بعض الرؤساء وبعض ذوي الجاه والمكانة من الأسرة المالكة، أيام فاروق.

أميرة معروفة

ويكاد القارئ أن يعرف أبطال القصة جميعًا بالأسماء؛ لأنهم موصوفون بصفاتهم المشهورة، في زمن محدود ينتهي إلى أواخر سنة ١٩٤٦.

فالمؤلف يتحدث عن أميرة مصرية في نحو السبعين مع زوج أصغر منها بخمس وعشرين سنة، ويقول عن هذا الزوج إنه ليس بمصري وليس من الأسرة المالكة، ولكنه تركي كان يعمل في وظيفة من وظائف المصارف الكبرى، ثم ترقى فيها إلى الإدارة والرئاسة، ويصف وجه الأميرة فيقول إنها تحتفظ بمسحة من الجمال في سنها العالية، وإن أجمل ما فيها أنفها الذي تحاول أن تظهره دائمًا في صورها الجانبية، ومن شواغلها الكثيرة تشجيع الحركة النسائية وتأليف القصص وإعدادها للنشر في مجلة خاصة كانت في ذلك الوقت تعد العدة لإصدارها، وتطلب من الأستاذ الإنجليزي أن يترجم لها قصتها لتنشرها في القسم الإنجليزي من عددها الأول.

بنات النيل

قال المؤلف: «وكان قد بقي على موعد الصدور نحو شهر، وحضرت امرأتان شابتان تتوليان النيابة عن الرئيسة في جماعة بنات النيل، ووقفتا أمام نموذج كبير لصفحات المجلة، فهنا صورة المحررة الكبرى في جواهرها الماسية، وهنا صور شمسية من مجموعتها المدخرة، وهنا مقالة عن كليوبترا المرأة السياسية والبطلة الوطنية، كتبتها المحررة الكبيرة في اللحظة الأخيرة … ولكن أين الترجمة الإنجليزية للمادة المهمة التي هي أهم من كل هذا؟! أين قصة الفرعون أمنحوتب الفاجعة وجاريته الصغيرة؟! لقد كانت أقراط اللؤلؤ تهتز في آذان النائبتين عن الرئيسة، وهما تُعْمِلان المقص على النموذج المبسوط بين أيديهما …»

وهكذا يفهم القارئ بغير عناء من هي الأميرة المقصودة، فإن المؤلف يسميها تسمية بهذه الصفات وبهذه الأخبار.

ولا بد من الخلط

ولكن لا بد من الخلط فيما يكتبه هؤلاء المؤلفون الإنجليز — والأوروبيون عامة — عن التاريخ المصري حديثه وقديمه … وإنهم ليخلطون في الحوادث القريبة التي يسهل التحقق منها بسؤال صغير يجيبهم عنه الكثيرون في مصر، وإن لم يكونوا من المطلعين على دخائلِ الأمورِ.

فالمؤلف يقول لنا في الصفحة الثانية والتسعين من القصة: «إن الأميرة قد استمتعت في حياتها المديدة بكثير من المواقف المثيرة، ففي سنة ١٩٠٥ أطلقت الرصاص على قدم زوجها الأول، وفي سنة ١٩٢٢ أقنعت زوجها الثاني وعشيقها بالعدول عن المبارزة! وقالت لهما إنها تهب نفسها لمن يستطيع منهما أن يسبق الآخر في تجرع جالون من البيرة الإنجليزية!»

ويمضي المؤلف في أحاديثَ كثيرةٍ عن الأميرة وعلاقاتها بالقصر الملكي وعلاقاتها بالوزارة القائمة، فإذا توقع أحد منها أن تتشفع للأستاذ الإنجليزي عند اعتقاله في إحدى المظاهرات صاحت بزوجها الواقف أمامها: «يا عزيزي، إنهم يعتقلون هذا الرجل القصير؛ لأنه هدف حسن لتوجيه الضربة إلينا، وتوجيهها من ثم إلى القصر الملكي؛ فإنهم يعلمون جميعًا أن الأستاذ بيري في حمايتي، ولكنني لا أبالي … فليشنقوه إن أرادوا … فكل ما يسعون إليه أن أركع أمامهم متوسلة، إنها حكومة من النيام نيام والبلاشفة، وليس في وسعهم أن يرغموني … إنني أتحداهم.»

والبطل السجين

أما المظاهرة التي اعتُقِلَ فيها الأستاذ الإنجليزي وأُودِعَ السجن في قسم من أقسام العاصمة، فقد ثارت من جراء البحث في مشروعه الكبير.

ذهب إلى مساكن الطلبة في كلية الزراعة؛ ليجمع الإحصاءات، ويتفقد الأحوال، ويتقصى البيانات اللازمة، فلما سُئِلَ عن مشروعه قال لهم إنه يريد أن يسعى عند ولاة الأمر لبناء مساكن حديثة يأوي إليها الطلبة وتتوافر فيها الشروط الصحية ووسائل المعيشة، وأصغى إليه أحدهم، ثم قال: «إنك إذن تريد أن نأوي إلى فراشنا في منتصف الساعة الثامنة على نظام المساكن الأزهرية.»

وظنَّ بعضهم أنها دسيسة، وظن بعضهم غير ذلك، وصيحة من هنا وصيحة من هناك وتتحرك المظاهرة للهتاف وإعلان الاحتجاج والثورة على الاحتلال، ويُضبَط الأستاذ في وسطها فيتهمه الشرطة بالتحريض على التظاهر، ويحسبونه روسيًّا أو ألمانيًّا من دعاة الشغب أو سماسرة المذاهب الهدامة، فيلقون به في الحبس الاحتياطي للتحقيق!

ولا يعرف أحد أنه في الحبس، ويصر هو على البقاء في مكانه إلى أن تثبت براءته ويعتذر إليه الضابط والمحافظ والوزير، ثم يتصل الخبر بالأميرة وزوجها فتثور الأميرة تلك الثورة ويتركها زوجها حتى تهدأ وتنصرف إلى مخدعها؛ فيخرج مع زوجة الأستاذ إلى القسم الذي حُبِس فيه زوجها، ويحاولان عبثًا أن يقنعاه بالخروج معهما، فلا يخرج ولا يتزحزح من عناده، ويبقى في الحبس ليأنس بصحبة نشال بارع يجرب معه صناعته وينجح في سرقة محفظته بعد تخديره، ثم يساومه على الإفراج والاعتذار إليه بثمانية جنيهات، لعلها كل ما رآه في محفظة الأستاذ!

ملك حارس أو عفريت راصد

ولكن الأستاذ الذي أبى أن يخرج مع زوجته وزوج الأميرة يعود فيقبل الخروج مع تلميذ من تلاميذه في الجامعة يتكرر الكلام عنه في فصول الرواية، ويلقاه الأستاذ حيث كان في مأزق الخطر أو يلقاه ليكون هو نفسه خطرًا عليه يهم بقتله ويُصوِّب إليه المسدس فلا ينجيه منه إلا اقتراب الرفاق في الرحلة.

وذلك التلميذ يسميه المؤلف «معاوية خلصت»، ويقول عنه إنه عضو في جماعة سرية، وإنه دخل الجامعة بأمر من زعيم مشهور؛ لأنه مدحه بقصيدة ألقاها بين يديه في محطة باب الحديد، ويجعله شفيعًا مقبولًا في كل مكان، بل يجعل حادثة الاعتداء مقدمة الخلاص من مشكلته البيتية، وسبيل الإصلاح بينه وبين زوجته التي أرادت أن تطلقه أو تقنعه بتطليقها.

وعلى كثرة الخلط في أخبار هذا «المعاوية» ينجح المؤلف في تسخيره لإتقان الحبكة الروائية، وفي التوسل به إلى المناسبات البعيدة التي لا علاقة لها بمجرى الحوادث في الرواية.

وكان معاوية هذا هو الذي هم أن يقتله في رحلة سقارة؛ تنفيذًا لأوامر الجماعة التي ينتمي إليها، فلما نجا من الرصاصة وأحس كلاهما بأصوات القادمين من رفاق الرحلة راح معاوية يصيح كالمستغيث: إن الأستاذ بيري همَّ بالانتحار … يا للمسكين! إنه أراد أن يقتل نفسه بيديه!

وتحسب الزوجة أن زوجها يتخلص من آلامه بقتل نفسه، وأنه يفارق الحياة باختياره؛ حزنًا لفراقها واقتراب موعد طلاقها، فتشعر بتبكيت الضمير وتؤمن بحب هذا القرين الوفي الأمين، وتعدل عن طلب الطلاق وتكتب إلى عشيقها تصارحه بانقطاع العلاقة بينها وبينه، ولا يتبدل هذا الموقف بعد انكشاف الحقيقة واطلاع رئيس الجامعة على جلية الخبر ومناقشة كبير الأساتذة الإنجليز إياه في تحقيق المسألة أمام زوجته … فقد علمت أنه لم يُقْدِمْ على قتل نفسه وأنه لم يحزن على طلاقها، ولكنها كانت يومئذ في طريق الأمومة!

سلاح مرتجع

ويختتم المؤلف علاقة الأستاذ بتلميذه وبالجامعة كلها، فلا يدري القارئ أهي أضحوكة وُضِعَتْ في قالب مأساة، أم هي مأساة وُضِعَتْ في قالب أضحوكة؟ فهي لا تصدق جملة ولا ترفض جملة، ولكنها بين بين؛ تأخذ من الجد كما تأخذ من الهزل، وتقارب الواقع كما تقارب الخيال.

بعد أيام من حادث سقارة يعترض الأستاذَ وزوجتَه عند مصلحة البريد شابٌّ مصري لا يعرفانه ويقول لهما إنه صديق معاوية، وإن معاوية الآن يلقى جزاءه؛ لأنه متهم في إخلاصه، وقد حامت حوله الشبهات لعلاقته برجل من أعداء البلاد، وأُرِيدَ منه أن يدفع الشبهات عنه بقتل ذلك الرجل، فلما لم يفعل تأيدت التهمة ولا تزال لاصقة به حتى يبرأ منها، والمطلوب الآن هو رد المسدس الذي كان في حوزة معاوية وإلا …

وبعد التهديد المتبادل يقول الأستاذ إنه قذف بالمسدس في النيل، ويذكر المكان الذي قذفه فيه، ويذهب الشاب المعترض بعد ذلك لشأنه بين الزمجرة والحملقة من كلا الطرفين!

ويدق الجرس على مسكن الأستاذ بعد يومين، فإذا هو معاوية نفسه يفاجئ الأستاذ بتلك الزيارةِ غيرِ المنتظرة، ولا يماريه في هذه المرة بل يعلمه أنه جاء ليبلغه عداوته، ويسمع منه اعترافه بمثل تلك العداوة، وأنه كان يضمرها له قبل حادث سقارة.

ويسأل الأستاذ تلميذه: ولِمَ اعتقدت أنني أضمر لك العداوة؟!

فسرد له معاوية سلسلة من الإساءات مذكورة ومنسية، وقال له إنه لا ينسى أنه أهانه لملاحظاته على شكسبير في رواية عطيل، وأنه أهانه مرة أخرى حين روى له خبر القصيدة التي دخل الجامعة بفضلها، فكذبه وشك في صدقه، وأنه أهانه ولم يشكره حين أنقذه من أيدي المتظاهرين حول الجامعة، وأنه …

فاقتضب الأستاذ عليه سلسلة التهم، وأنبأه أنه سواء كان يعاديه أو لا يعاديه لن يبقى في مصر طويلًا، وأنه تلقى أمرًا من مجلس الجامعة بوقفه عن العمل على إثر الإشاعات المتطايرة عن اشتراكه في المظاهرات واتصاله بالطلاب ودخوله فيما لا يعنيه.

ويفترق الأستاذ والتلميذ على جفاء وبغير وداع.

ولا تنقضي فترة طويلة حتى يكون الأستاذ وزوجته في القطار المسافر من مصر إلى الإسكندرية في طريقهما إلى إنجلترا، وينفتح الباب فجأة عن الملك الحارس أو الجني الراصد — معاوية خلصت — وفي يده سلة مملوءة بالدجاج المحمر والبيض المسلوق والتوابل والثمرات وزجاجات البيرة، ويسلم مودعًا فيسألانه: ألا تأكل معنا؟ فيقول: إذا دعوتماني إلى المائدة … ويشترك الثلاثة في أكلة الوداع فلا يفترقون إلا بعد المحطة التالية.

الغيرة على ديدمونة

ويعلم القراء من شهود المسارح أن عطيلًا توفاه الله منتحرًا قبل أربعة قرون وأنه قتل ديدمونة خنقًا قبل انتحاره بسويعات معدودات؛ غيرة عليها، وانتقامًا منها، ويأسًا من الحياة.

ولكنهم لا يعلمون أن عطيلًا ترك بعده من يغار على الزوجة المتهمة بغير جريرة وأنها تتلقى التهم في قبرها إلى الآن.

كان الأستاذ بيري يشرح مواقف الرواية إلى أن بلغ منها موقف الصلاة حيث يشترك عطيل وياجو في الدعاء.

وتنبعث من صفوف الطلاب ضحكة عالية، وينظر الأستاذ إلى الطالب الضاحك فإذا هو معاوية، ويسأله: ما هذا يا معاوية؟! أي شيء في هذا الموقف يبعث على الضحك؟!

فيجيبه معاوية: ألا ترى يا أستاذ أن ياجو يلعب بعطيل؟!

ويقول الأستاذ: طبعًا! فالرواية كلها قائمة على موقف الدسيسة.

ويعود معاوية قائلًا: لكن عطيلًا أحمق!

فيسأله الأستاذ: وما ظنك بياجو؟!

فيجيب معاوية بإعجاب ظاهر: إنه رجل بارع!

ويستأنف الأستاذ الشرح، ثم يوجه سؤاله إلى الطلاب جميعًا: أتراكم معجبين بياجو؟!

فتبادره إحدى الطالبات مستنكرة: كلَّا، كلَّا … من المستحيل أن يوجد إنسان يبلغ منه الشر مبلغ ياجو … إنه غير صحيح.

ويكاد معاوية أن يتغنى بقوله: بل هو ممكن جدًّا … ثم يضيف كلمات بالعربية لا يفهمها الأستاذ ولكنه يرى الطلاب جميعًا يعودون إلى الضحك، فيسأل معاوية: أتظن أن ديدمونة كانت تخون عطيلًا؟

فتصيح الطالبات: كلَّا كلَّا، بالطبع لا.

ولم يوافقهن معاوية بل صاح قائلًا: نعم؛ كانت تخونه مع كاسيو، وقد أفسد شكسبير الرواية ولم يجعل ياجو يحاول إغراءها، ولو قد فعل لبلغ بالموقف حدَّ التمام.

وهذه هي الملاحظات التي هاجت صاحبنا وأثارت غيرته على سمعة ديدمونة، ودعته إلى توبيخ معاوية وتزويده بالسابقة الأولى من السوابق الكثيرة التي سوغ بها الشروع في قتله.

شيء من الصحة

ونرجح نحن أن المناقشة حول هذا المنظر من رواية عطيل قد حدثت يومًا ما في كلية الآداب؛ لأنني أذكر أن بعض الطلاب سألوني يومئذ عن شخصية ياجو واستغربوا أن يوجد إنسان يشغل عقله ووقته بهذه المكائد الجهنمية لغير سبب، فكان جوابي لهم أنني لا أستغرب مسلك ياجو ولا أرى أن الدنيا خلت من أمثاله أو أنها خالية منهم الآن، وما كان الحسد قط رذيلة معقولة حتى نبحث لها عن سبب معقول، فربما رأينا النجار والحداد والإسكاف يحسدون الفيلسوف على شهرته وهم لا يفهمون الفلسفة ولا يطمعون في شهرتها، ولكن الحاسد يحس الضغينة؛ لأنه لا يحب الخير لأحد، لا لأنه ينقم لإساءة أو يأسف على خير منزوع من يديه.

ومهما يكن من عيوب الرواية فالعيب الواضح فيها أنها تخلط الواقع بما لم يقع، وتقيس الموقف المتخيل على الموقف الطبيعي لإتمام السياق فلا تحسن القياس … أَمَّا أنها باطلة كلها فليس في طاقة مؤلف أن يتكفل لروايته بهذه النقيصة النادرة في عالم التأليف، على ازدحامه بالنقائص في جميع الشئون، وجميع اللغات.

وسافر بطل القصة وهو لا يذكر الأميرة وزوجها، أو لعله يذكرهما ليقول إنهما لا يُذكَران.

كان «الباشا» زوج الأميرة قد لقيه بعد حادث سقارة فلم يكترث للخبر إلا من ناحية واحدة؛ وهي — كما قال — ناحية التحقيق النفساني في أطوار الطبيعة الإنسانية.

– بِمَ كنت تفكر في اللحظة التي وضعت فيها أصبعك على زناد المسدس؟

فتشاغل المسئول عن السؤال، وكرره الباشا؛ لأن المسألة في رأيه فرصة لا تعوَّض، فلم يدرِ «المنتحر المزعوم» كيف يجيبه؛ لأنه في الحقيقة لم يضع يده على الزناد.

فلما أراد أن يكتب إليه خطاب الوداع وَضَعَ يده على الزناد؛ ليطلق منه هذه القذيفة: لم يكن الباشا ولا أميرته مما خطر لي في تلك اللحظة على بال!

وكان فصل الخطاب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.