ألقاه صاحب الدولة رياض الصلح بك، وانتفع به صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. ومن الطبيعي أن يتعلم أصحاب الدولة من أصحاب الدولة؛ فالعلم يجب أن يهبط من أعلى إلى أسفل، أو يجب على أقل تقدير أن يكون شيئًا متبادلًا بين النظراء. فأمَّا أن يصعد العلم من أسفل إلى أعلى، فهذا الشيء الذي لا يُمكن أن يُفهم، ولا يُمكن أن يُنتظر، ولا يمكن أن يُؤدي إلى خير. وأوضح دليل على ذلك أن المصريين قد بحَّت أصواتهم وتمزقت حناجرهم؛ لكثرة ما طالبوا بالجد في إدراك حقوق مصر، ولكثرة ما ألحوا في السعي إلى حمل الإنجليز على أن يردوا هذه الحقوق.

دعا المصريون إلى ذلك وألحوا فيه منذ شهر مايو الماضي حين استسلمت ألمانيا، وما زالوا يدعون إلى ذلك ويلحون فيه حتى ضعفت أصواتهم لكثرة الدعاء والإلحاح، فهي لا تستطيع أن تتجاوز أفواههم ولا أن تبلغ آذان الذين ينهضون بأعباء الحكم.

ومع ذلك فلم يستمع صدقي باشا لهذا الإلحاح، ولا لذلك الدعاء، ولن ينتفع بهذه الدروس التي يلقيها المصريون على ساستهم وزعمائهم في سبيل المطالبة بالحقوق وحمايتها من أن تضيع، ومصدر ذلك كما قلت هو أن العلم لا يصعد من أسفل إلى أعلى، وإنما يهبط من أعلى إلى أسفل، أو يجري على طريق سواء بين الأكفاء والنظراء.

وصدقي باشا يستطيع أن يتعلم من رياض بك الصلح، أو أن يعلمه؛ لأن كليهما صاحب دولة. فأمَّا أن يتعلم صدقي باشا من أبناء الشعب الذين ليسوا أصحاب دولة ولا أشباه أصحاب دولة، فهذا هو الشيء الذي لا أمل فيه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. فيستطيع الشعب المصري ومعه رئيس الوفد، وإن كان من أصحاب المقام الرفيع؛ لأنه ملحق بالشعب ناجم منه وراجع إليه، يستطيع الشعب المصري ومن بينه رئيس الوفد وأعضاء الوفد أن يحذِّر من سياسة الترقب والانتظار، وأن يخوِّف من سياسة التحفظ والكتمان، وأن يشفق من سياسة التلكؤ والإبطاء، وأن يبرأ من سياسة المداورة والمناورة. يستطيع الشعب المصري ومعه زعيمه مصطفى النحاس أن يفعل هذا كله وأكثر من هذا كله، فلن يسمع له صاحب الدولة رئيس الوزراء ولا صاحب الدولة إسماعيل صدقي. فأمَّا أن يصدر هذا الدرس عن صاحب الدولة رياض بك الصلح، فهذه هي الوسيلة المنتجة حقًّا. وما من شك في أن صدقي باشا قد سمع وانتفع، وأعلن الاستماع والانتفاع كما رأينا اليوم في الأهرام. وما من شك في أن رئيس الوزراء قد سمع وإن كان الشك كل الشك في أنه انتفع بما سمع، وإن كان اليقين كل اليقين هو أنه لن ينبئنا برأيه في هذا الذي ألقاه رياض بك الصلح من مستقره في لندرة. فنحن نؤمن لرئيس الوزراء بالفطنة والذكاء، وبالنبوغ إن شاء، ولكننا نؤمن في الوقت نفسه بأن صدقي باشا أجدُّ منه فطنةً وأشدُّ منه ذكاءً وأسرعُ منه إلى الانتفاع بما يلقى عليه من الدروس. والشيء المهم هو أن رياض بك الصلح قد تكلم، وأن صدقي باشا قد كتب، وأن الكلمة الآن أو العمل الآن لرئيس الوزراء.

وفي القرَّاء ميلٌ إلى الشك وحب للجدل، وأكاد أسمع بعضهم ينكر عليَّ ما قلت من أن أصحاب الدولة يسمعون لأصحاب الدولة، وينتفعون بما يلقون من الدروس، فأحبُّ أن يذكر القرَّاء الشاكون المجادلون أن رئيس وزرائنا لم يجمع هيئته السياسية في سبتمبر الماضي إلَّا حين ألقى صدقي باشا درس اكتساب الوقت، ولم يجمع هيئته السياسية في نوفمبر أو ديسمبر الماضي — لا أدري — إلَّا بعد أن ألقى صدقي باشا درس استقالته احتجاجًا على تصريح المستر بيفن. ولا تصدق أن مذكرة الكتلة ورئيسها مكرم باشا هي التي دعت إلى اجتماع هذه الهيئة السياسية، فليس في الكتلة صاحب دولة، ولم يرقَ مكرم باشا بعد إلى أن يكون صاحب دولة، إنما اجتمعت الهيئة السياسية اجتماعها الثاني لترضي صاحب الدولة صدقي باشا أصالةً ولترضي صاحب المعالي مكرم باشا تبعًا.

وما دام صاحب الدولة رياض بك الصلح قد تكلم، وما دام صاحب الدولة إسماعيل باشا صدقي قد كتب، فأكبر الظن أن صاحب الدولة رئيس الوزراء سيدعو هيئته السياسية لاجتماع ثالث أو رابع — لا أدري — تعقده إن شاء اللَّه حين تفرغ مصر لشئونها الخاصة. وكذلك قُدِّر لهذا العهد السعيد أن يقوم صدقي باشا منه مقام الأستاذ، يدعو فيُجاب، ويقول فيُسمع لما يقول، وأن يقوم صدقي باشا منه مقام حبيب البحتري حين يقول:

لج هذا الحبيب في الهجر جِدا

وأعاد الصدود منه وأبدا

ذو فنون يريك في كل حال

خلقًا من جفائه مستجدا

أغتدي راضيًا وقد بت غضبا

ن وأمسي مولًى وأصبح عبدا

وواضح أن البحتري هنا هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء.

ستجتمع الهيئة السياسية إذن — إن شاء اللَّه — لأن صدقي باشا غاضب، ويجب أن يُرضى، وإلَّا تعرض العهد السعيد للانهيار. فأمَّا رئيس الوفد وأعضاء الوفد والنوَّاب والشيوخ والشعب المصري كله فما يعبأ اللَّه بهؤلاء كما كان يقول الأعرابي القديم. ولكن ماذا كتب صدقي باشا؟ كتب أشياءَ خطيرةً جدًّا، وصدقي باشا لا يكتب إلَّا أشياءَ خطيرةً جدًّا. كتب أن رياض بك الصلح قد قال الحق كل الحق حين أعلن أن العرب مقدمون لا محجمون، وعاملون لا قائلون، وأنهم لا يحبون سياسة الترقب والانتظار، فلم تنتظر سوريا ولم تنتظر لبنان ولم تنتظر فلسطين، بل لم تنتظر إيران ولا تركيا، وإن لم يكن الإيرانيون والترك من العرب. والحزم يعدي كما أن التخاذل يعدي أيضًا، وإنما انتظرت مصر وترقبت وقالت كثيرًا ولم تفعل شيئًا، وزعمت لنفسها الإقدام وهي ممعنة في الإحجام.

كذلك كتب صدقي باشا، وليس من شك في أنه قد قال الحق كل الحق، فأصحاب الدولة إذا كتبوا لا يقولون إلَّا الحق كل الحق، وصدقي باشا إنما يريد بمصر حكومتها، فهو أعقلُ وأحدُّ فطنة من أن يظن بالشعب تواكلًا أو تخاذلًا أو خمولًا. ولكنه يعلم أن الشعب لا يملك إلَّا أن يقول، وليس في استطاعته أن يفعل، والويل كل الويل إذا تجاوز الشعب القول إلى العمل.

وإذن فصدقي باشا ساخط على حكومة العهد السعيد، يتهمها بالإحجام حين يجب الإقدام، وبالنوم حين تجب اليقظة، والكتمان حين يجب التصريح، ولا بدَّ من أن يرضى صدقي باشا، والنقراشي باشا يعرف كيف يرضيه. سيجمع له الهيئة السياسية مرة ثالثة بعد أن جمعها له مرتين، وفيما بين ذلك يكون الأخذ والرد والجذب والشد واللطف والعنف، ثم تجري الأمور على ما تعودت أن تجري عليه، فيرضى صدقي باشا ويطمئن النقراشي باشا ويستريح الإنجليز وأنوف المصريين راغمة.

فالمصريون يعلمون أن صدقي باشا قد غضب ثم رضي، وأنه قد غضب مرة أخرى ثم رضي، وأن حقوقهم ما زالت في أيدي الإنجليز، وأن مطالبهم ما زالت نائمة، فقد غضب صدقي باشا مرة ثالثة وسيرضى مرة ثالثة، وستظل الحقوق في أيدي الإنجليز وستظل المطالب نائمة. ولا يخطر للمصريين أن يسألوا أنفسهم عن مصدر هذا الغضب، وعن أسباب هذا الرضا، وعن نتائج هذه الحركات الموسمية التي يحدثها صدقي باشا بين حين وحين.

وصدقي باشا لم يكتب هذا فحسب، ولكنه كتب شيئًا آخر ليس أقل منه خطرًا. فالذين يمثلوننا في الخارج فيهم كثير من السذاجة وسلامة القلوب، فهم لا يقدِّرون قيمة الرأي العام العالمي، ولو أنهم قدَّروه حق قدره لما آثروا هذا الصمت الذي يمضون فيه، ولتكلموا كما تكلم صاحب الدولة رياض بك الصلح.

وقد تلقى صدقي باشا درسًا من رئيس الوزارة اللبنانية السابق، فيجب أن يلقي درسين أحدهما على رئيس الوزارة المصرية القائم وهو كفؤه ونظيره، والآخر على هؤلاء الذين يمثلوننا في لندرة، وهم أقل منه شأنًا وأدنى مقامًا؛ لأنهم لم يصبحوا بعدُ أصحاب دولة. فصدقي باشا يعلم في مصر نظيره رئيس الوزراء، ويتنزل العلم تنزيلًا على تلاميذه في لندرة، وهم هؤلاء الذين يمثلوننا في جماعة الأمم المتحدة ومن بينهم وزير الخارجية عبد الحميد بدوي باشا. فعبد الحميد بدوي باشا قد تكلم، ولكنه لم يحسن الكلام، ذكر التعاون ولكنه لم يفقه معناه حق الفهم. فقد كان ينبغي أن يضع النقط على الياء وأن يصارح الإنجليز بشيءٍ عن هذه الحقوق المغتصبة، وعن هذه المطالب النائمة، ولكنه لم يفعل، وهو من أجل هذا لم يبلغ الرضا من صدقي باشا.

أمَّا أنا فأريد أن أضع نقطًا أخرى على ياءٍ أخرى، وأن أبيِّن أن عبد الحميد بدوي باشا قد أخطأ خطأً عظيمًا، ولم يغضب صدقي باشا وحده وإنما أغضب معه قومًا آخرين كثيرين، لا لأنه لمَّح ولم يصرح، ولا لأنه أجمل ولم يفصِّل، ولا لأنه ترك الحقوق المغتصبة والمطالب النائمة؛ ولكن لأنه قال هذه الجملة اليسيرة الخطيرة في وقت واحد، وهي: «إن هذه العلاقات (علاقات الود والتعاون) لا ينبغي أن تستند إلى حكومتي البلدين وحدهما، بل يجب أن تستند أيضًا إلى الشعبين.» الشعبان: الشعب المصري وليس صدقي باشا ولا النقراشي باشا، ولا أركان العهد السعيد ممثلين لهذا الشعب. والشعب البريطاني الذي يمثله الوزراء البريطانيون أصدق تمثيل.

أرأيت إلى هذه الغلطة المنكرة التي تورط فيها وزير خارجيتنا اللبق الماهر الرشيق: الشعبان! لحساب من قال هذه الجملة، ألحساب العهد السعيد؟ فهو يعلم كما يعلم صدقي باشا وكما يعلم الإنجليز أن العهد السعيد ليس من الشعب في شيء، أم لحساب الشعب هذا الذي لا يحفل به أحد؟ فإن الشعب لم يرسل بدوي باشا إلى لندرة، وإنما أرسله العهد السعيد إليها! أفيكون بدوي باشا قد أصبح، لا أقول وفديًّا، وإنما أقول: شعبيًّا؟ أيكون من الحق إذن أن الذين يضيقون ببدوي باشا ويشفقون من تمثيله لهم في لندرة لم يخطئوا حين ضاقوا به وشكوا فيه. الأمر أيسر من هذا كله، فوزير خارجيتنا يتكلم في بيئة ديمقراطية، فيجب أن يكلم هذه البيئة باللغة التي يفهمها ويؤدي إليها المعاني التي يحبها. وهذه البيئة لا تحفل بتعاون الحكومات بمقدار ما تحفل بتعاون الشعوب. ولكن بدوي باشا قد ذكر شعبين، والشعب المصري هو أحد هذين الشعبين من غير شك، والشعب المصري شيء والعهد السعيد الذي أرسل بدوي باشا إلى لندرة شيءٌ آخر.

ورئيس وزرائنا وزملاؤه مشغولون في هذه الأيام، فمن الممكن أن يفوتهم حديث بدوي باشا، ومن الخير أن ينبَّهوا إليه ليقرءوه، ويعلموا أن بدوي باشا قد تحدث فذكر الشعبين، وأن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

إذا كنت في حاجة مرسلا

فأرسل حكيمًا ولا توصه

وقد أثبت بدوي باشا حين ذكر الشعبين ووجوب التعاون بينهما أنه لم يكن حكيمًا، فقد كان إرساله إلى لندرة خطأ، ولو أن العهد السعيد أرسل صدقي باشا إلى لندرة لما تورط في هذا الخطأ البعيد، ولو أن العهد السعيد أرسل مكرم باشا إلى لندرة لذكر كما قال في أحاديثه إلَّا الشعبين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.