تخافها الوزارة القائمة كلَّ الخوف، وتفزع منها أشدَّ الفزع، حتى يخرجها ذلك عن طورها، وينأى بها عما ينبغي لها من المهل والأناة، ويدفعها إلى أن تُهْمِل نظم الجامعة إهمالًا، وتُعْرِض عن مجالسها إعراضًا، وتفصل أستاذًا من أساتذة القانون، في غير سؤال ولا تحقيق، وتغلو في كتمان هذا الفصل كأنما تُشْفِق من إعلانه فلا يذاع في الناس إلا عفوًا أو بقصد رجل أراد أن يضع الوزارة أمام الأمر الواقع. وهذه المبادئ الخطيرة التي تُخِيف الوزارة إلى هذا الحد وتدفعها إلى ما دفعت إليه من هذا العمل الغريب الجريء، هي المبادئ التي وضعت لجماعة الشبان المصريين التي أنشأها الأستاذ السنهوري.

ولعلك حين تقرأ هذا الكلام وترى حذر الحكومة وإشفاقها وجزع الوزارة وفزعها، تظن الظنون بمبادئ هذه الجماعة وتقدر لها مبادئ خطيرة حقًّا، من شأنها إذا أذيعت بين الناس أن تقلب النظام السياسي والاجتماعي رأسًا على عقب، وأن تُحْدِث في مصر أحداثًا جسامًا لا ينبغي أن تحدث فيها. ولكن تمهَّل بعضَ الشيء، ولا تندفع كما اندفعت الوزارة إلى الفزع والهلع ولا إلى الخوف والإشفاق؛ فهذه المبادئ بريئة جدًّا يسيرة جدًّا، لا ينبغي لرجل يكرم نفسه أن يتخذ مبدأً يخالفها، أو ينأى عنها، وإنما هي المبادئ التي تكون الرجل الخليق بهذا الاسم، والتي ينتحلها لنفسه كل إنسان.

هذه المبادئ ثلاثة: أولها تقويم الخلق، وثانيها تهذيب العقل، وثالثها تنمية الجسم. فحدثني عن رجل يرضى أن يكون خلقه معوجًّا، أو يطمئن إلى أن يظن به الناس اعوجاج الخلق. وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من حضارة لا يطمع في أن يقوِّم خلقه ما وجد إلى ذلك سبيلًا. وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من ذكاء لا يحبُّ أن يظن الناس به أن خلقه معتدل مستقيم. وإذن فماذا تنكر الوزارة من قوم يريدون أن يقوِّموا أخلاقهم، ومن أستاذ يعينهم على تحقيق ما يريدون؟ وأي بأس على الوزارة من أن تكون أخلاق الناس مستقيمة، ومن أن يطمح الشبان إلى أن يصدُقُوا في القول، ويُخْلِصُوا في العمل، ويجتنبوا الضعف والفتور، ويحرصوا على القوة ومضاء العزم؟! وهل تستطيع الوزارة أن تُعْلِن إلى الناس أنها لا تحبُّ للمصريين أن تعتدل أخلاقهم وتستقيم، وأنها تريدهم على أن تكون أخلاقهم معوجَّة، وسيرتهم ملتوية، ونفوسهم فاترة ذليلة، وعزائمهم واهنة مغلولة؟ وهل تطمئنُّ الوزارة إلى أن يظن بها الناس أنها لا تستطيع أن تحكم إلا إذا فسدت الأخلاق، ولا تستطيع أن تستقرَّ في الحكم إلا إذا ساءت السيرة، وأنها تخاف الخير، وتُشْفِق من البر، وترى الفضيلة لها عدوًّا خطيرًا؟

ثم حدثني عن رجل، مثقَّف أو متحضر، لا يطمع في أن يهذب عقله، ويزيد حظه من الثقافة ونصيبه من العلم، بل حدثني عن رجل متحضر لا يحب أن يظن الناس به سعة العقل، وغزارة العلم، وقوة الذكاء.

وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحبُّ للمصريين سعة العقل، وغزارة العلم، وإنما تحب لهم الجهل وضيق الأفق، وقصور الذكاء؟! وهل يستطيع وزير التعليم أن يعلن إلى الناس أنه لا يحب أن يعنى الشبان بالتعليم ولا يرضى لهم أن يستزيدوا من العلم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن أنها لا تقدر على الحكم، ولا على الاستقرار فيه، إلا إذا ظل المصريون جهالًا مغلقين، تضيق عقولهم عن كل شيء، وتعجز عقولهم عن استكشاف الحقائق أو فهمها أو الحكم عليها؟

ثم حدثني عن رجل له حظ من ذكاء، لا يطمع في أن ينمِّي جسمه، ويلتمس له من أنواع الرياضة ما يقويه ويكفل له حظًّا من الصحة، وقدرة على النشاط واحتمال أثقال الحياة.

وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحبُّ للمصريين قوة ولا صحة، وإنما تريدهم ضعافًا مراضًا، يُنْهِكُهُم السقم، ويفنيهم الضنى، وأنها لا تقدر على الحكم ولا على الاستقرار فيه، إذا قويت أجسام المصريين وتمَّت لهم الصحة الموفورة والبراءة من العلل والأسقام؟

نحب أن نعلم ماذا أنكرت الوزارة من هذه الجماعة التي أنشأها الأستاذ السنهوري؟ هل تستطيع الوزارة إن صعدت إلى السماء السابعة، أو هبطت إلى الأرض السابعة، أن تثبت أو أن ترجح أو أن تخيل أن في هذه المبادئ أو في نظام هذه الجماعة سياسة أو شيئًا يشبه السياسة أو شيئًا يمسُّ نظم الحكم من قريب أو من بعيد؛ فقصة الأغراض السياسية إذن كلام فارغ، وضرب من العبث، وفن من التجني، وتُكَأَة يعتمد عليها في الاعتذار من هذا الفصل الذي ليس إلى تعليله المعقول من سبيل، وإنما العلة الحقيقية لهذا الفصل؛ العلة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي هذه المبادئ نفسها؛ فأي شيء في هذه المبادئ يُخِيفُ الوزارة ويُفْزِعها ويدفعها إلى مثل ما أتت من الأمر؟ ألا تستحي الوزارة من أن يظن الناس بها الظنون، ومن أن يقول بعضهم لبعض: إن الحياة السياسية في هذه الأيام لا تريد للمصريين أن يكونوا رجالًا، ومن أن الوزارة المصرية تحرص على أن يبعد المصريون كلَّ البعد عن استكمال رجولتهم، وتعاقِب كلَّ من يدعوهم إلى الرجولة بألوان العقاب المختلفة؟

لقد نعلم أن الأستاذ السنهوري ذهب يتحدث إلى مدير الأمن العام في أمر جماعته هذه، وفي أنها لا تُعْنَى بالسياسة، ثم طلب إليه أن ينظر في أغراضها، فلما انتهى إلى تقوية الجسم قال: إن تقوية الجسم تهيئ جيشًا؛ فمدير الأمن العام إذن يخاف أن تقوى أجسام المصريين؛ لأنه يخاف أن يكون للمصريين جيش قوي. في أي عصر نعيش، وأي حياة نحيا؟ أَجِدٌّ هذا الكلام أم هَزْل؟ إنا نريد أن نعتقد أن مدير الأمن العام لم يظن، ولم يقدر، أن الأستاذ السنهوري يريد أن يكوِّن من جماعته جيشًا يستعين به على مقاومة الجيش النظامي، وعلى إحداث الأحداث في هذا البلد المطمئن؛ فمدير الأمن العام عندنا أذكى من أن تخطر له مثل هذه الخواطر. وإذن فماذا يخاف مدير الأمن العام إن قويت أجسام المصريين؟ وماذا يخاف إن قويت أخلاقهم واتسعت عقولهم؟ سؤال نستطيع أن نردده ما شئنا؛ فلن نظفر عليه بالجواب الصحيح.

وإذن فنحن نبيح لأنفسنا أن نجيب: إذا استقامت أخلاق المصريين وامتنعت على الفساد والاعوجاج، وإذا ارتقت عقول المصريين وارتفعت عن الضعف والضيق، وإذا قويت أجسام المصريين وبرئت من العلل والأسقام، وإذا استكمل المصريون رجولتهم حقًّا، لم يرضوا من الأمر إلا ما يرضاه الرجال، ولم يقدموا من الأمر إلا على ما يُقدِم عليه الرجال، ولم يطمئنوا إلى أن يسخروا كما تسخر الأنعام، أو يحكموا كما يحكم الضعاف، أو تكون مصالحهم موضوعًا للعبث، أو يكون استقلالهم موضوعًا للمساومة، أو تكون حريتهم عرضة لتحكم وزير أو موظف كبير، أو تكون جامعتهم صورة من الصور، وشكلًا من الأشكال، أو تكون حياتهم السياسية نفاقًا وحياتهم الاجتماعية رياءً، وحياتهم العلمية غشًّا وخداعًا.

وإذا انتهى المصريون إلى هذا الحظ من الرقي العقلي والخلقي والجسمي، فأبوا الضيم، وامتنعوا على الذل؛ لم تَطِبْ للمستعمرين من الإنجليز حياة على ضفاف النيل. نرجو أن يفهم الشباب المصريون هذا الدرس البليغ، الذي أُلْقِيَ عليهم بفصل الأستاذ السنهوري من منصبه؛ لأنه أراد أن ينشئ جماعة تعمل على تنمية الأجسام، وترقية العقول، وتهذيب الأخلاق.

نرجو أن يعرف الشباب المصريون أن من الناس من يكره لهم أن يكونوا رجالًا، ويعاقب من يريد لهم أن يكونوا رجالًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.