طُرِح هذا السؤال للمرة الأولى يوم الخامس عشر من أكتوبر، حين منحت حكومة الولايات المتحدة شركة جوجل براءة اختراع واسعة النطاق؛ من أجل تحديد «الإيماءات اليدوية التي تشير إلى أشياء مهمة». لا تفزع؛ لن تكون مطالبًا باستئذان جوجل قبل الإشارة لشيء، أو التصفيق، أو ضرب الكف بالكف عاليًا، أو ضم قبضتك مشجعًا نفسك. تقتصر الإيماءات التي تتحكم فيها براءة الاختراع على تلك «المستخدمة لتوفير إدخالات خاصة بالمستخدم إلى أحد أجهزة الكمبيوتر التي يتم ارتداؤها.» وهي على وجه الخصوص الحركات اليدوية التي تتصور الشركة أنها ستساعد الأشخاص في استخدام النظارة وأجهزة الكمبيوتر الأخرى التي تثبت بالرأس.

لقد اعتدنا أن نحيا في غمامة من عدم الوعي.
لقد اعتدنا أن نحيا في غمامة من عدم الوعي.

يتمثل أحد التحديات التي تثيرها أجهزة مثل نظارة جوجل في قلة أدوات الإدخال المرنة؛ فثمة لوحة مفاتيح وفأرة لأجهزة الكمبيوتر المكتبية، ولوحة لمس لأجهزة الكمبيوتر المحمولة. أما الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والأجهزة الأخرى ذات شاشات اللمس، فيتم إدخال البيانات من خلال أصابع المستخدم. فكيف ترسل التعليمات إذن لجهاز كمبيوتر يتخذ شكل نظارة؟ وكيف تشغل تطبيقاته؟ بإمكانك أن تحرك رأسك في جميع الاتجاهات — إذ تحتوي نظارة جوجل على جهاز استشعار حركي — لكن هذا لا يُنفِّذ سوى عدد محدود من المهام. فالطرق التي يمكنك أن تهز رأسك بها محدودة، ولا تتسم أي منها بالدقة الشديدة. لكن نظارة جوجل تحتوي على كاميرا يمكن برمجتها للتعرف على إيماءات يدوية بعينها وترجمتها إلى تعليمات تصدر للتطبيقات البرمجية.

لترى مثالًا عمليًّا للغاية على ذلك، يمكنك أن تثني إبهاميك وأصابع يديك في شكل قلب، وتحيط بها شيئًا ما؛ لتسجل استحسانك أو إعجابك بذلك الشيء، سيكون ذلك مقابلًا للضغط على زر «أعجبني». قدمت جوجل في الطلب الذي رفعته للحصول على براءة الاختراع بعض الرسوم التوضيحية:

علاوة على الإثارة والفضول، فإن ترقب إطلاق نظارة جوجل في السوق أثار كذلك الارتياب النابع أساسًا من الإمكانات التوثيقية لكاميرا الجهاز الصغيرة؛ فبعض الأشخاص قلقون إزاء مزيد من فقدان الخصوصية والتجسس حال بدء حيازة الناس كاميرات متصلة بشبكة مثبتة إلى جباههم. تقوم الكاميرا — حسبما توضح براءة الاختراع — بدور أداة إدخال البيانات، بالإضافة لدورها التوثيقي، وبالتأكيد سيكون استخدام حركات يد خرقاء للتحكم في النظارة وتطبيقاتها سببًا لمزيد من القلق، حتى لو كان السبب هو ذلك المشهد المريب للناس وهم يسيرون بينما يقومون بإشارات غريبة طوال الوقت.

لكنَّ ثمة شيئًا أعمق يدور؛ فنظارة جوجل تحول الجسد البشري إلى أداة إدخال بيانات للكمبيوتر بدرجة أكثر كليةً، وأكثر علانيةً من أي شيء رأيناه من قبل — أكثر حتى من جهاز كنيكت الذي تنتجه شركة مايكروسوفت؛ إذ يركز كنيكت كاميرا ثابتة على المستخدم، في حين تركز نظارة جوجل كاميرا متحركة خارج نطاق المستخدم. وهو فارق مهم؛ فمع نظارة جوجل، تتحول نظرة الشخص إلى مؤشر كمبيوتر، حيث توجه بؤرة تركيز النظرة بؤرة تركيز الكمبيوتر. وهذا يعني كذلك أن البيئة المحيطة بالشخص تتحول بفاعلية إلى شاشة كمبيوتر. وهكذا يتحول العالم كله إلى مجموعة من البيانات التي يمكن معالجتها من خلال كلٍّ من نظرة مرتدي النظارة المؤشرة، وإشارات الإدخال التي ترسلها إيماءات يده. وهذا يحقق أقصى أحلام هؤلاء الذين يرغبون — لأسباب تتعلق بالأيديولوجية أو بالمكاسب المالية أو كليهما — في تحويل الوجود كله إلى بيانات «يمكن قراءتها آليًّا»؛ أي تحويل الواقع بأكمله إلى متجر بيانات رقمية. وسيصبح دور جهاز الكمبيوتر كوسيط للتجربة عالميًّا ومتواصلًا. وبينما قدَّم لنا «العالم الافتراضي» محاكاة للواقع ظلت منفصلة عنه، تحول نظارة جوجل الواقع إلى محاكاة لنفسه.

كتب ليف مانوفيتش — أستاذ الإعلام بجامعة مدينة نيويورك — قبل عشرين عامًا تقريبًا، يقول: «بالتدريج، علمتنا السينما قبول التلاعب في الزمان والمكان، والتشفير التعسفي للأشياء المرئية، وميكنة الرؤية، وتقليص الواقع إلى صورة متحركة كما لو أنه أمر مسلم به؛ فترتب على ذلك أننا لم نشعر بأن الصدمة المفاهيمية الناتجة عن الثورة الرقمية صدمة حقيقية، لأننا كنا مستعدين لها منذ وقت طويل.» ونحن الآن — بالمثل — مستعدون للثورة الجديدة التي ستأتي بها نظارة جوجل وتغييرها الجذري للواقع. وتحت شعار «الواقع المعزز» المضلل؛ فإننا نشرع — إذا ما اخترنا أن نسلك هذه الطريق — في خوض عملية «تقليص للواقع»، بينما يتحول العالم إلى شاشة كمبيوتر ويتلاشى ثراؤه الحسي أكثر وأكثر.

All the World’s a Screen by Nicholas Carr. Rough Type. November 5, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.