قصة يسيرة جدًّا في ظاهر الأَمْرِ هذه التي تشغل الصُّحف الآن والتي يكثر فيها الأخذ والرد حول المَعَاشَات، واستبدال المعاشات، وحول الذين انتفعوا من هذه القصة أو نفعوا غيرهم أو تقارضوا الانتفاع.

قِصَّةٌ يَسِيرَةٌ في ظاهرِ الأَمْرِ تنحل إنْ أَرَدْتَ تَفْسِيرَهَا إلى أن قومًا من الموظفين أثيرت حولهم شكوك وشبهات تمس استبدال المعاشات، فجدَّتِ الوَزارة في تحقيق هذه الشكوك، وتمحيص هذه الشبهات، وظهر لها أنَّ اثنين من المُوَظَّفين قد تَوَرَّطَا في مُخَالَفَاتٍ لا يُمْكِنُ الجمع بين التورط فيها، والنهوض بأعمال الدولة، فقررت فصلهما من الخدمة وإحالتهما على المَعَاش كما يقولون.

وما أَكْثَرُ القِصص اليَسِيرَة في هذه الحياة، وما أكثر ما يقبلها النَّاسُ ويطمئنون إلى يُسرها وسُهولتها ويفسرونها كما تُفَسِّرُها ظواهر الأمور! ولكنَّ الناسَ جَمِيعًا ليسوا من السَّذَاجَةِ وَسَلَامَة الذوق واستقامة المنطق بحيث يفهمون الأمور دائمًا على وجهها، ويُفسرونها كما تفسرها طبائع الأشياء. وإنما يوجد بينهم المكابرون وأصحاب العناد، والذين يغلون في التحليل والتَّعليل ويلتمسون الظهر في الساعة الرَّابعة عشرة، ويقسمون الشعرة أرباعًا وأخماسًا وأسداسًا. وهؤلاء الناس يسمون أنفسهم فلاسفة حينًا ومُحَقِّقين حينًا آخر، وهم يُعَقِّدُون الأمور ويُعَسِّرُون الميسور، ويُفسدون منطق الأشياء على كل حال.

هؤلاء المعقدون رَاعَتْهُم قصة المعاشات واستبدالها، فأنكروا أن يُستهان بحقوق الدولة إلى هذا الحد، وأنْ يَعْبَثَ خُدَّام الدولة بأموالها ومنافعها، وأن يكتنزوا لأنفسهم من هذه الأَمْوَالِ والمَنَافِع ما وسعهم الاكتناز. ثم أَنْكَرُوا أنْ يَكُون الفصل من المنصب هو كل الجزاء الذي يَلْقَاه من يعبث بأموال الدولة، ويسرف في حقوقها ومنافعها، وسألوا أنفسهم، وسألوا الوزارة، وسألوا الناس: لماذا يشرع التأديب؟ ولماذا أنشئت مجالس التأديب؟ ولماذا شرع القضاء، وأُنْشِئَت المَحَاكِمُ والنِّيَابَةُ؟ وبينما هم في ذلك يُنْكِرُون ويفكرون، ويلتمسون الحلول لهذه المُشْكِلَات والتَّفسير لهذه المُعْضِلَاتِ، إذا الأمور تُعَقِّدُ نفسها تعقيدًا شديدًا، فيكثر الكلام في الصحف، وتنشر فصول طوال وقصار، لا شك في أنها لم تكتب عفوًا، ولم تنشر سدًى، وإنما هبط بها وحي من بعض المصادر التي يهبط منها الوحي إلى بعض الصحف. وفي هذه الفصول الطوال والقصار التي يلح الوحي بها على الصحف والتي تلح الصحف في نشرها وإذاعتها غمز ولمز، وإظهار للخفي وتجاوز لهذين الموظفين إلى غيرهما من الناس إلى صدقي باشا مثلًا؟ وإخبار بأنَّ تِلْكَ القِصَّة كادت تهمل، وتَلْقَى ما ينبغي لها من الإهمال والإعراض؛ لَولَا أَنَّ صدقي باشا تحدث بالتليفون إلى وكيل المالية؛ فأمره بأنْ يتم الصفقة ويُهيئ العقد.

وإن هذه القِصَّةَ الأُخْرَى كادت تُرْفَضُ لولا حديث تليفوني آخر من صدقي باشا أمر بقبولها فقبلت، ولا يكاد ينشر هذا الكلام حتى يعنى به صدقي باشا ويهتم له، ويتصل بصحيفة من الصحف فيتحدث إليها بالتليفون مكذبًا بعض الأمر مُصَدِّقًا بعضه الآخر مُقدمًا محجمًا ساكنًا مُتَحَرِّكًا، نَافيًا مُثبتًا، دائرًا على كل حال كما تعود أن يدور.

ثم ينهض الموظفان للرَّدِّ والدفاع عن أَنْفُسهما فيُحَاوِلان وضع الأمور في نصابها، ولا يعفيان رُدودهما من الإشارة والتلميح، ومن الرَّمز والتَّعْرِيض. وما هي إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ هَذِه القِصَّة شكل فضيحة كبرى تهلع لها نفوس وتضطرب لها قلوب، ويكثر فيها الحديث، وينشط لها الصحفيون، وتشغل الناس — أو تكاد تشغلهم — عن أمور أخرى كان لها خطرها، وكانت شغلًا للذين تعنيهم أمور الدولة من قريب أو بعيد.

ولعلك تُوافقني على أنَّ حياتنا تجري على هذا النحو منذ نهضت الوزارة القائمة بأعباء الحُكم، لا يكاد يمضي أسبوعٌ حَتَّى تظهر فضيحة أو فضيحتان أو فضائح، يضطرب لها الناس، ويشغل بها الرأي العام. ثم تظهر فضيحة أو فضائح أخرى، حتى أصبح تفكيرنا السياسي أو كاد يُصبح موقوفًا على تعرف هذه الفضائح وفهمها، والتنبؤ بما تنتجه من جهة وبما سيظهر بعدها من جهة أخرى.

وقُلْ مَا شِئْتَ، فقد فَرَغْنَا وَفَرَغَ النَّاس، وفرغ زُعَمَاء هذا العهد السعيد أنفسهم من الثقة بأنَّ هذه الفضائح المُتَّصلة أدلة صارخة على أن هذا العهدَ لَمْ يكن عهد خير، ولا ينتظر منه أن يكون عهد خير، ولا ينبغي لبلد له حظ من الحضارة ونصيبٌ من الكرامة يطمئن له أو يعتمد عليه في تحقيق ما يسمو إليه من الآمال، أو في تدبير ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن المنافع والمرافق. ولكن الشيء الذي لم نفرغ منه ويظهر أننا لن نفرغ منه حتى نفرغ من هذا العهد السعيد نفسه، هو أنَّ الحق ليس هو الذي يُرَادُ فيما يظهر من كشف هذه الفضائح وإثارتها، وَإِنَّما هي هذه البواعث السياسية الخفية تضطرب من وراء ستار، وتتفاعل في الظلام؛ لأنَّ قومًا يُحاربون قومًا، ولأنَّ فريقًا يكيد لفريق، ولأنَّ نفرًا يغرى بنفر، ولأن جماعة تريد أن تنتقم من جماعة.

وهذا هو الذي يُردد اسم صدقي باشا كلَّما ظهرت فضيحة، وهذا هو الذي يشعر الناس بأنَّ هذه الفضيحة إنما ظهرت لتمس صدقي باشا وأصحابه من قرب أو بُعد. وهذا هو الذي يجعل صدقي باشا حساسًا قوي الحس، نشيطًا شديد النشاط، شاعرًا دقيق الشعور، لا يُهاجم إلا رد الهجوم، ولا يشار إليه إلا رد على الإشارة بالتصريح، ولا يعرض به إلا لقي تعريضًا بتعريض.

وصدقي باشا وخصومه من رجال السياسة الحاضرة عندنا سواء، فكلهم عندنا قوم ما كان ينبغي أن ينهضوا بأمور مصر، ولا أن يشرفوا على تصريفها، وكلهم عندنا قد جربتهم مصر فلمْ تجنِ من تجربتهم خيرًا، وإِنَّما جنت منها شرًّا ونكرًا. ولكن الذي نريد أن نلفت إليه الناس هو أنَّ صدقي باشا وخصومه لا يُريدون إلا أن يمضوا فيما بينهم من الخلاف، وألوان الكيد. فهم كما ترى يأتمر بعضهم ببعض ويحرض بعضهم على بعض، وتظهر سيئاتهم من ثنايا هذا التحريض وذلك الائتمار؛ فكيف لو وجدت وزارة لا تفكر في صدقي باشا، ولا في خصومه، وإنما تُفَكِّر في مصر وفي مصر وحدها، وتفكر في الحق وفي الحق وحده، وتفكر في الإصلاح وفي الإصلاح وحده؛ إذن، لرأيت العجب، وإذن، لشهدت من الفضائح والسيئات ما لا تذكر إلى جانبه هذه الفضائح والسيئات التي تملأ الجو المصري فسادًا ونكرًا في هذه الأيام.

وهذا هو الذي يفسر هذا الموقف الغريب أو هذه المواقف الغريبة التي نَشْهَدُها الآن، فقصة استبدال المعاشات ليست مقصورة على هذين الموظفين اللذين أخرجا من الحكومة، فما بال الوزارة قد عُنيت بهما أول الأمر دون غيرهما؟ وما بال الوزارة لم تعنَ بغيرهما قبل أن تعنى بهما؟ وما بالُ الوزارة لم تُحِلْهُمَا على مجالس التأديب لعل التحقيق والمُحَاكَمة أن يظهرا من الأمر ما لا ينبغي أن يخفى؟ ثم ما بال مصادر الوحي تتبعهما بهذه الفصول القصار والطوال، وما فيها من تشهير وتشنيع، وما فيها من غمز ولمز، وتضطرهما إلى أن يلقيا فصولًا بفصول، وهجومًا بهجوم، وقد تضطرهما إلى أن يُذِيعَا ما نتمنى نحنُ أَنْ يُذيعاه، وما قد يكره قومٌ أَنْ يُذَاع.

ألم يكن خيرًا من هذا كله أن تقف الوزارة منهما ومن غيرهما في هذه القصة المُخزية موقف الصراحة والحق والحزم وإيثار المصلحة؛ فتُحَاكِم كل من أُثِيرَتْ حوله الريب والشكوك؟!

ثم ليستْ قِصَّة المعاشات واستبدالها كل شيء، فهناك قصة المقاولات التي تتصل بجبل الأولياء، ما بال الوزارة لم تحققها، ولم تظهر جلية الأمر فيها للناس؟ وقصة الكورنيش وقصة تطهير الأفنية وقصة الذين يلتوون بالضرائب، وقصة الذين أريدت مُحَابَاتُهم بأرض الدولة وليسوا من الموظفين، وقصة القطن، وقصة الوزير السابق الذي قذفه الوزير القائم، وكل هذه القصص التي لم يبقَ إلى إحصائها من سبيل، ما بال الوزارة لم تواجهها في صراحة وحزم، ولم تكشف لمصر عن وجه الحق فيها جليًّا واضحًا؟!

على أنَّ لهذه السيئات والفضائح مَظْهَرًا آخر مُؤْلِمًا حَقًّا لا يمس أموال الدولة، ولا مَنَافِع الشَّعْب ومَرَافِقِهِ، وَإِنَّمَا يمس أخلاق هؤلاء الأبطال الذين اشتركوا أو يشتركون فيها.

فأقل مما تدل عليه هذه القصص هي أنَّ جماعة من المصريين يُحِبُّون الكيد ويحرصون عليه؛ ويألفون السعاية ويكلفون بها، ويتفوقون في طائفة من الأخلاق يَجِبُ أَنْ يبرأ منها كرام الناس وأحرارهم؛ يطيعون هذا الوزير ما واتته الظروف واجتمعت له القوة، حتى إذا ضعف؛ مكروا به وكادوا له، حتى إذا هوى كانوا له أعداء وخصومًا، وكانوا به مؤتمرين وعليه مؤلبين، وكان خيرًا لَهُم وَلِأُمَّتِهم لو أنهم كانوا رجالًا حقًّا فأبوا طاعة الوزير السابق في مُخَالَفَة القانون، وأبوا طاعة الوزير القائم في مخالفة القانون، وقدروا أنهم خُدَّام لمصر لا للوزراء، وأَنَّهُم يؤجرون من مصر لا من الوزراء وأنهم مدينون بالوفاء والإخلاص والصدق في القول والعمل لمصر لا للوزراء، وأنَّ الذين يعملون في مناصب الدولة لا يؤجرون لا ليذعنوا اليوم، ويتمردوا غدًا، وليطيعوا اليوم، ويكيدوا غدًا؛ وإنما هم يؤجرون ليخدموا مصر مخلصين سواء أرضي الوزراء أم لم يرضوا.

هذا الحوار الغريبُ الذي أُثِير في هذه الأيام بين صدقي باشا وأحد وكيليه في وزارة المالية يدل على حال خُلقية سيئة حقًّا، فهل من الحقِّ أنَّ هذا الوكيل قد شهد على صدقي باشا بأنه أمر بإتمام الصفقة؟ وإذن، فكيف وافق صدقي باشا على إتمام صفقة كان يرى فيها عبثًا بحقوق الدولة؟ وما باله لم يَعْصِ صدْقِي باشا، وما باله لم ينصح لأمته، ولم يحتمل ما ينبغي أن يحتمله الناصح لأمته من التضحية؟ أم هل لم يشهد هذا الوكيل ولم يقل ما نسب إليه؟! وإذن، فما باله لا يُكَذِّب الذين يقحمونه في هذا الأمر إِقْحَامًا ويَقُولون عليه غير الحق، ويُظهرونه للناس في هذا المظهر الغريب المُريب؟! وإذا كان قد شهد فهل من الحق أنَّ صدقي باشا لم يأمره؟ وإذن، فويل للأخلاق! أم هل من الحق أن صدقي باشا أمره؟ وإذن، فما له لا يَرُدُّ على صدقي باشا قوله، ولا يُبَيِّن للناس أنه لم يقل في شهادته إلا ما كان ضميره يأمره أن يقول؟! وتستطيع أن تذهب إلى جميع الوزارات والدواوين فسترى موظفين كثيرين منهم الكبار ومنهم الصغار؛ يُنَفِّذُون أَمْرَ رُؤسائهم فيما يخالف القانون، لا ينكرون ذلك ولا يحتجون عليه حتى إذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال انقلبوا حربًا على هؤلاء الرؤساء.

أرأيت إلى هذين الأمرين الخطيرين اللذين تدعو هذه القصص إلى التفكير فيهما، وهُمَا أَنَّ البواعث التي تثير هذه القصص وما فيها من الفضائح ليست هي مصالح مصر، وإنما هي الخصومات بين الأشخاص، وأنَّ الأخلاق قد فسدت في هذا العهد فسادًا قبيحًا حقًّا، حتى أَصْبَحَ من العَسِيرِ على الرَّجُل المُستقيم أنْ يَعْرِفَ كيف يطمئن أو يستريح ضميره إلى أكثر مما يعمل وما يقال في الدواوين؟!

لقد فسد كل شيء واختلط كل شيء، وأصبح من المحنة لأي وزارة تأتي بعد هذا العهد أن تُحاول الإصلاح أو شيئًا يُشبه الإصلاح. ما أثقل الأوزار التي يحتملها ضمير صدقي باشا؛ فهو مصدر هذا كله! ولكن الغريب أن ضمير صدقي باشا يحتمل هذا كله في غير مشقة ولا عناء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.