لقد عرفنا ما فعل الزعماء المصريون وما فعل الضباط وما فعل بعض الذين زجُّوا أنفسهم في الحركة الوطنية منذ أول فبراير ١٨٨١؛ أي يوم تقديم الضباط طلباتهم للوزارة، إلى يوم ٤ أكتوبر، وهو يوم صدور الأمر العالي بإعادة الحياة النيابية على أساس دستور ١٨٦٦. فماذا كان عمل الدولتين — فرنسا وإنكلترا — اللتين أرادتا الانفراد بمعالجة المسألة المصرية، حتى إنهما لم تسمحا للباب العالي بالتدخل، ولم تسلِّما لإيطاليا بأن لها وللدول الأخرى مصلحة كمصلحتهما وتساويهما مقامًا وحقًّا في مصر.

في ١٧ أكتوبر ١٨٨٠ أرسل وزير خارجية فرنسا إلى قنصل هذه الدولة بمصر كتابًا بسط فيه الوجهة السياسية بعد أن اتفق مع وزير خارجية إنكلترا على ذلك، وبعد أن وعد اللورد غرنفل إرسال مذكرة على منوال المذكرة الفرنساوية. وإليك ما قاله برثلمي سن هيلر إلى المسيو سنكويز القنصل الفرنساوي الذي خلف الموسيو رنغ، فبعد أن تكلم عن أموال الدائنين الذين تهتم فرنسا منذ ست سنين لاستخلاص حقوقهم، وبعد أن بيَّن أن مهمة الدولتين مرسومة لا خروج عنها وهي الدفاع عن الحقوق المكتسبة، قال:

يجب أن تكون هذه الحقائق جلية واضحة لكلِّ ناظر، وهي تتجلى منذ بضع سنين بإصلاح المالية المصرية إصلاحًا كان الناس في يأس منه، وكان الفضل في هذا الإصلاح لتعاون الدولتين على حد المساواة.

فالمراقبان الفرنساوي والإنكليزي أعادا الثقة إلى بلد كان قد وصل إلى حافة الخراب، وأعادا النجاح والرقي المضطرد يومًا فيومًا. ولم يكن أصحاب الديون من الأوروبيين يأملون الوصول إلى هذه الثروة، وأخص هؤلاء الدائنين من الفرنساويين والإنكليز. ولكن الأمم الأخرى اشتركت في القروض التي عقدها الخديوي السابق إسماعيل، فلا تنفرد إذن فرنسا وإنكلترا باجتناء ثمرة هذه النتائج الطيبة.

ولما وصل إلى الكلام على أماني المصريين وآمالهم لم يُعِرْها اهتمامًا كبيرًا، فقال:

ولا يسهل علينا أن نحكم من هنا حكمًا صادقًا على عدالة تلك الآمال والأماني وأحقيتها، ولا على كيفية إرضائها، ولكن هذه الأماني صحيحة، وهي من بعض الوجوه مشروعة، فلا يمكن إذن إهمالها، ولا يجوز أن يخطر بالبال خنقها، فما هو في الحقيقة الحزب الوطني في مصر؟ وما هي العناصر المؤلف منها؟ وما هي المطالب المعقولة أيضًا لتكون بالإمكان إجابتها؟

إن هذا كله يجب على ممثلينا بيانه وإيضاحه لنا؛ لأنهم مقيمون في مكان الحوادث، فهم يرونها عن كثب، وهم وحدهم قادرون على أن يروها جيدًا.

ثم ختم هذا الوزير رسالته بذكر الأسباب التي كانت إنجلترا تتمسك بها بعد الاحتلال كلما طولبت بالجلاء، قال:

ولكن مهما كان الرقي الذي رقته مصر منذ نصف قرن؛ فإن الأمر الذي لا يقبل جدلًا ولا مناقشة، أن مصر لكي تصل إلى حكم نفسها، لا تزال في حاجة إلى مدة طويلة آتية لوصاية إنكلترا وفرنسا.

أما هي وحدها؛ فإنها لا تستطيع التغلب على الصعاب التي تعترضها من كل وجه، وتقوم في وجهها دون تجديد شبابها، ولا يمكن أن تزول هذه الصعاب بمجرد رغبة القليلي التفكير وإرادتهم.

إن الإصلاح سيكون طويل المدى صعبًا، وإذا كان هناك شيء يعجِّل به ويضمن نجاحه، فذلك الشيء هو بلا شك تدخُّل الدولتين الواقفتين على الحقائق، واللتين تنفع خبرتهما شعبًا أقل منهما تقدمًا.

وهذه المهمة قد تحملت الدولتان شطرًا منها، وهما مضطرتان إلى الاستزادة من هذا الحمل.

تلك هي رسالة وزير خارجية فرنسا بسط فيها سياسة دولته، وهو — كما قلنا — يقدم مصلحة أصحاب الديون على كل مصلحة أخرى، ولا يتورع عن مس شعور الوطنيين، فهل كان بالإمكان أن يقابلها الوطنيون المتحمسون لوطنهم ووطنيتهم وأنفسهم بالارتياح؟ وهل كان بالإمكان أن تدع إنكلترا الفرصة تفوتها دون الربح منها، وهي التي أرسلت إلى مصر الرسل وأصدرت إلى موظفيها الأوامر باكتساب صداقة الوطنيين على ما قلنا؟

فانظر الآن إلى رسالة اللورد غرنفل الذي يُظهر دولته الطموحة بمظهر النزاهة، ويُلبس تدخُّل هذه الدولة لباس الإنسانية والرحمة؛ فقد قال في رسالته إلى قنصل دولته مالت ما هو بالنص:

إن سياسة حكومة جلالة الملك نحو مصر لا غرض منها سوى نجاح مصر، وتقدُّم نظام الحرية التي مُنحت لها بالفرمانات السلطانية المتعددة التي كان آخرها فرمان ١٨٧٩. ويقينًا إن تقدُّم مصر وحريتها معلقتان كتقدم كل أمة على سعادة الشعب وغبطته؛ لذلك لم نُضِع أية فرصة من الفرص من أن نلح على حكومة سمو الخديوي لتتذرع بالوسائل التي ترى التذرع بها لإنهاض الشعب من حالة العبودية والتحكم به إلى حالة الغبطة والأمان.

فنشر التعليم، وإلغاء الضرائب الصارمة، وجعل ضرائب العقارات على قاعدة ثابتة عادلة، وإنقاص السخرة … كل هذه الإصلاحات قد طلبناها وأيدناها حتى تمت بفضل رقابة المراقبَين الفرنساوي والإنكليزي، ولكن لا يزال هناك إصلاح لا مندوحة عنه، ونحن نعتبره ضروريًّا فوق الإصلاحات التي ذُكرت سابقًا، وهو إصلاح القضاء الذي يحاكم الوطني.

ولا نرى من اللازم الضروري أن نؤكد رغبتنا الصادقة بأن تحتفظ مصر بالتمتع بدرجة الاستقلال الإداري الذي ضمنته الفرمانات، وأن إنكلترا تقوض أعز ما في تاريخ قوميتها إذا هي أقدمت على طلب إنقاص هذه الحرية، أو إذا هي أقدمت على تعديل الأنظمة التي ترجع إليها في الأصل.

ولما وصل اللورد غرنفل إلى المسائل المالية التي جعلها قنصل فرنسا أساس سياسته، لمَّح إليها تلميحًا، ولم يذكر كلمة أصحاب الديون كزميله، فقال:

ولقد كان من السهل على البلدين اللذين يعملان باتفاق ودون أي طمع أو التطلع إلى مغنم، أن تتعاونا على تحسين الحالة المالية والسياسية في مصر. وما دامت مصلحة هذه البلاد وحدها هي غرض الدولتين، فلن تكون هناك أقل صعوبة لمتابعة هذه المهمة بكل نجاح، وكل مشروع يرمي إلى توسيع مصلحة هذه الدولة أو تلك؛ فإن مآله حتمًا هدم هذا التعاون النافع. فليثق الخديوي ووزراؤه أن حكومة جلالة الملكة لا تنوي الخروج عن هذه الطريق التي نهجتها.

هذه الرسالة أُبلغت لوزير خارجية فرنسا في ٩ نوفمبر؛ أي بعد خمسة أيام من وصولها إلى السير مالت بمصر، ولم يقابل الوطنيون لا الرسالة الأولى الفرنساوية ولا الرسالة الثانية الإنكليزية بغير الحذر «والبرود».

أما الخديوي توفيق، فإنه قابل رسالة اللورد غرنفل بملء الارتياح، وأصدر أمره بنشرها في الوقائع المصرية، فنُشرت بعنوان «البيان الحقيقي عن أغراض السياسة الإنكليزية في مصر».

ولكنه ظهر للجميع — ولا سيما رجال السياسة — أن الاتفاق لم يكن تامًّا بين فرنسا وإنكلترا، أو أنه كان كذلك لتشاور الوزيرين بنصوص الرسالتين، وهاتان الرسالتان كانتا مفترق الطريق بين فرنسا وإنكلترا إلى أن نفضت فرنسا يدها من مصر.

ولم يَطُل الأمر حتى سقطت وزارة فرنسا في ٢٤ نوفمبر وقامت وزارة غامبتا، وإذا كانت سلسلة الحوادث الطفيفة قد تتابعت؛ فإن شهر نوفمبر انقضى بانتخاب النواب الذين تقرر عقد مجلسهم في ٥ ديسمبر. ومنذ انعقد ذلك المجلس، بدأت الحوادث الخطيرة تتجلى، وبدأت خطة إنكلترا بالظهور. فلنقف اليوم عند هذا الحد من إيراد تلك الحوادث والأطوار، وموعدنا مع القارئ انعقاد مجلس شورى الدولة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.