مدونات [٣٥٧٦–٣٦٠٠ من ٣٧٧٢ تدوينة]

  • «همس الجفون» بقلم ميخائيل نعيمة
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة المقتطف · فبراير ١٩٤٤

    اسم ديوان شعر أصدره الأستاذ ميخائيل نعيمة ثالث الثلاثة الكبار أو الأشهرين، من أدباء لبنان في المهاجر، والآخران هما المرحومان أمين الريحاني وجبران خليل جبران. والثلاثة طبقة واحدة وإن كانوا يتفاوتون ويختلفون في المنازع وأساليب التناول والأداء، وبعضهم أسبق إلى الميدان من بعض، وأشهر — في مصر على الأقل. …

  • ماذا تقرأ؟ ولماذا تقرأ؟ دعوة إلى كل قارئ وقارئة في مصر والشرق العربي
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة الأسبوعية · ٣ مايو ١٩٣٠

    منذ عشرين سنة، كنت مدرسًا في المدرسة السعيدية الثانوية، وكان وكيلها يومئذ الأستاذ عبد الفتاح بك صبري — وكيل وزارة المعارف الآن — فاتفق يومًا أن جلسنا نتحدث على الطعام، إذا كانت ذاكرتي لم تخني، والحديث — كما يقولون — شجون، فاستطردنا إلى تربية الإرادة وحاجة المعلم إلى ضبط النفس، فقال لي إنه قرأ القاموس المحيط للفيروزبادي من ألفه إلى يائه، وأنه حمل على نفسه وراضها على هذا العنت، وهو رجل يقرأ غير القاموس وبغير هذا الباعث، ولا يهمل أن يتعهد نفسه بالتثقيف وذهنه بالاطلاع. …

  • مصطفى صادق الرافعي: فقيد الأدب الكلاسيكي
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الحديث · يونيو ١٩٣٧

    كان رأيي فيه دائمًا أنه أعلم أهل العربية، وأوسع أدبائها اطِّلاعًا على علوم الدين، ولكنه كان لا يجد غيرها، ولا يستمد إلا منها، وإنها لبحر زاخر ومحيط أعظم، ولكن هناك بحورًا أخرى ومحيطات لا عداد لها؛ ومن هنا ضاقت دائرته، غير أنه على هذا كان بارع الركض بهذه الحبلة المحدودة، وأحسبني لا أبالغ حين أقول: إن له بين آثاره ما لا يرقى إليه قلم قديم أو حديث، وإن له صفحات عديدة في كل كتاب يبلغ فيها ذروة البلاغة، وأحسب أن هذا شأنه كلما أرسل نفسه على السجية واجتنب التعمُّل واتقى الصنعة، وكان عيبه أن سعة علمه تغريه وتغلبه، وأن جموح خياله يشط به فيجيء الكلام ملتويًا معقدًا، والمعاني بعيدة مستكرهة، ويُحس القارئ أنه يتعب في استخلاص المراد والاهتداء إلى المقصود، حتى لقد قال فيه كاتب كبير لا داعي لذكر اسمه: إنه يكتب «بالبرجل» لا بالقلم؛ قال هذا مازحًا، ولكنه جاء مزحًا مبطنًا بالجد والصواب. …

  • في عالم الكتب: سؤال وجوابه
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢ سبتمبر ١٩٤٥

    قال لي بعضهم بلهجة المتعجب المستنكر: «ما لي أراك أصبحت رجلًا طيبًا؟ ماذا جرى لك؟» قلت: «أما أني رجل طيب، فهذا والله ما كنته طول عمري — أعني هذا ما كنته دائمًا أبدًا — ولكن ماذا تعني أنت؟» قال: «أعني أنك كنت قديمًا عنيفًا في النقد، وأنت اليوم لين الملمس، رقيق الحاشية، تتقبل كل كتاب بالحمد وتثني عليه أجمل الثناء، فكيف حدث هذا الانقلاب؟ …

  • «مجنون ليلى» لشوقي
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ٩ فبراير ١٩٣١

    قصة المجنون — مجنون ليلى — مشهورة، يعرفها حتى الذين لا اطلاع لهم على الأدب العربي، وبحسبك أن نقول «مجنون ليلى» لترتسم في ذهن السامع أو القارئ صورة قريبة من الصحة لما يُروى عن هذا المخبول، وقد تكفل بإحيائها وتخليدها في آدابنا النساء وأشباههن من الرجال، وجاء شوقي بك فصاغ منها رواية مثلتها فرقة السيدة فاطمة رشدي، وطبعها طبعًا أنيقًا محلًّى بالصور السخيفة التي لم نكن نظن به أن يرتضيها ذوقه، وقد قرأتها وشهدت تمثيلها؛ فأرضاني التمثيل وأسخطني الموضوع وأعجبتني اللغة، ولشوقي بك — مع الأسف — شغف بهذه الموضوعات التي تنكرها الرجولة، فقد وضع منذ عام أو نحو ذلك قصة كليوباترا، وصاحبها مارك أنطوني الذي كان قائدًا ممتازًا، فأذواه الحب وأنساه كل واجب وردَّه ظلًّا لامرأة، لا قوة له ولا إرادة ولا رجولة ولا همَّ إلا الحب، فأي شيء هذا الحب؟ …

  • مشاكل الدول العربية
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الكتاب · أبريل ١٩٤٦

    لكل بلد في عالمنا هذا مشاكله ومعضلاته، ما بين داخلية وخارجية، فليس ببدع ولا مستغرب أو مستنكر أن تكون لبلادنا العربية مشاكلها ومتاعبها، ولعل ما تعانيه الدول الكبرى من ذلك أفدح وأبهظ مما تعانيه دولنا العربية الحديثة، وأخطر أيضًا على سلام العالم واستقرار أموره؛ لأن للدول العظمى آرابًا تتجاوز حدودها، وهي تجني على الأمم المجاورة لها — بل البعيدة — بهذه الأطماع، التي يغريها بها الجشع أو الحاجة، ثم تتلاقى الكبار وتتزاحم على النفوذ والسيطرة من أجل الخيرات التي تنشدها، والمواقع التي تبغي الاستيلاء عليها للدفاع أو الهجوم؛ فيقع التصادم، وتنشب الحروب. …

  • في عالم الكتب: ظهر الإسلام للأستاذ أحمد أمين بك
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٥ يونيو ١٩٤٥

    خرجت عن حد الصحة أسابيع، فصرفني الفتور والضعف عن الكتابة، واحتجت أن أرجئ أمر الكتب الجديدة حتى أبل وتثوب إليَّ قوتي، وهذا عذري إلى المؤلفين، وإن كان لي عذر آخر هو أني أجد بعضهم سريع الغضب والبرطمة لأني أقول في كتابه أو فنه أو بابه ما لا ينال رضاه، أو ما يغلط هو فيحمله على غير محمله، ويؤوِّله على غير وجهه ثم يذهب يتلهب ويثور بي من غير شيء في الحقيقة، وليس هذا عتابًا ولكنه تعجُّب، فما أنا بمطالَب بأن أكون على هوى الناس، وأن أتوخى ما فيه مرضاتهم فلا أقول إلا ما يوافقهم، وليس ذنبي أن الله لم يشأ أن يجعلني من الفهماء الحكماء والعباقرة والنبغاء، وماذا يضير هؤلاء العلماء الحكماء، ولماذا يسخطهم أن لا أكون أحدهم؟ …

  • ماذا أقرأ؟ ولماذا أقرأ؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٧ مايو ١٩٣٠

    ولماذا ألقيت على القراء هذه الأسئلة عما يقرءون؟ ولماذا يقرءون؟ وما هي العشرون كتابًا التي يختارها كلٌّ منهم إذا اقتصرت مطالعته على هذا القدر؟ هذا ما يسألني عنه كثير ممن يتفضلون عليَّ بإجاباتهم، وردي بإيجاز أن مستوى التعليم والتربية في مصر واطئ جدًّا، وأن معاهدنا العلمية — حتى الجامعة — لا تُخرج ذلك الطراز من الشبان الذين نطلق عليهم وصف «المثقفين»، وأن ما يعرفه السواد الأعظم من المتعلمين عن الأدب والفنون والعلوم سطحي، وأنه قلَّ من بينهم من يبدو منه دليل على تلك الحكمة الصحيحة التي يكون مبعثها النظر الواسع السامي إلى الحياة؛ فالطلبة يقضون الأعوام الطويلة في التعلم ثم يخرجون وهم لا يمتازون في أذواقهم ونزعات نفوسهم عن الجماهير، أو يفضلونها بسموٍّ في نظرتهم أو رحب في آفاقهم أو بُعد في غاياتهم. …

  • لغة الأدب
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٤ يوليو ١٩٣٤

    أما بعد، فإنا — معاشر الكتاب أو الذين يزاولون الكتابة — ينبغي أن يكون لنا دستور نلتزمه ولا نعدوه، فما من سبيل إلى صلاح أو خير بغير ذلك، ولست أعني صلاح حالنا وحده، وإنما أعني الخير الذي يعم الناس والصلاح الذي يكون كسحائب المعري، ونحن نزعم أنا هداة ومرشدون، وأنا معلمون وأساتذة، وأنا قادة رأي وزعماء فكر، وأنا لا أدري ماذا أيضًا، فقد غلونا وأسرفنا في الدعوى، ومع ذلك أرانا كالأطفال آذنهم المعلم بانتهاء الدرس فانطلقوا يلعبون ويعبثون، ويجتمعون ويتفرقون، ويتضاربون ويتشاتمون، ويصخبون ما ساعفتهم حناجرهم الجديدة، ويقرص أحدهم أذن صاحبه، أو يدغدغ خصره، أو يركله أو ينطح كرشه أو يجره من أنفه أو يصيح في مسمعه، أو يفعل غير ذلك مما يفعل الصبيان وهم في غفلة من الأستاذ وأمان من عصا المؤدب. …

  • مصر بعد مائة عام
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · نوفمبر ١٩٢٩

    مائة عام؟! هذه مسافة من الزمن طويلة، ودون كل عام منها حُجب وحُجب من أستار غيب إلهي، والزمن ماضٍ لا يثقل رِجْلًا، والفلك دائر لا يتوقف، والرقعة واسعة مترامية إلى غير نهاية، والحوادث شتى المهابِّ مختلفات القوة، فأنَّى يكون لي أو لسواي علم باتجاهها آخِر الأمر؟ …

  • في عالم الكتب: «هذه الشجرة» للأستاذ العقاد
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٢ أبريل ١٩٤٥

    ما أظن إلا أن كل إنسان قد فكر في هذه المرأة، فإنها لغز محير، حتى لها هي فيما أعتقد، فما أراها أحسن فهمًا لنفسها من الرجل لها، ولعلها أكثر تعويلًا على الغريزة في سيرتها منها على الفهم والإدراك. ومن سوء الحظ أنها لا تزال «رعية محكومة» وإن كانت قد فازت بحظ جزيل من الحرية، وَهَبْها ظفرت بالحرية التامة، والاستقلال وافيًا، فما القول في آلاف مؤلَّفة من سنين ظلت في خلالها خاضعة لسلطان الرجل عليها؟ …

  • في عالم الكتب: المنفلوطي
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٩ يوليو ١٩٢٤

    مات السيد مصطفى لطفي المنفلوطي في فاتحة الأسبوع الماضي، وذهب في سبيل من غبر من الناس جميعًا، صغارهم وكبارهم وجهلائهم وعلمائهم ونسائهم ورجالهم، ولم يعد يبالي هذه الدنيا أو يُحسها، فكأنه ما كان ولا سعت به الرِّجلُ ولا نبض في جسمه عِرق، ولا فكَّر ولا كتب ولا أكل ولا شرب، فيا ما أهولَ هذا الموتَ! …

  • في عالم الكتب: المؤلفون وحقوق التأليف (فوضى يجب أن يوضع لها حد)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٩ أبريل ١٩٤٥

    هذه قضية يجب أن تثار، في الصحف، والمحاكم، وبين أقطاب التشريع، فقد صار الأمر فوضى على ما يظهر، وهي قضية التأليف وحقوق المؤلفين، وسأسوق أولًا طائفة من الأمثلة ثم أعقب عليها. رأيت وأنا عائد من العراق — لا أدري في أي بلد — نسخة من كتاب أبي الشهداء الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما، للأستاذ العقاد، وعلى غلافها عبارة «الطبعة الثالثة» أو لعلها «الثانية» وقرأتها «الثالثة» من فرط العجلة. …

  • في عالم الكتب: الحياة الروحية في الإسلام
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٤ يوليو ١٩٤٥

    ما أظن بالقارئ إلا أنه سيستغرب أن أقول إن الأصل أن يذم الإنسان أخاه، ويعيبه بما فيه من نقص لا أن يمدحه ويثني عليه، ولكن قولي هذا لا غلو فيه ولا وجه لاستغرابه؛ لأن النقص حاصل ومسلَّم مفروغ منه، وكل ما تقوم عليه نظم الجماعات الإنسانية على اختلافها وتفاوتها ليس إلا وسائل لعلاج هذه النقص في الإنسان، فالمدارس والسجون والقوانين والشرائع والعادات والتقاليد والمساجد والكنائس إلى آخر ما هنالك، غايتها هذا العلاج، وقد صدق ابن الرومي حين قال: ولو اختار كلمة غير «الأخلاق» أعم منها وأشمل، لكان قوله أجمع وأوعى، على أني لا أستقلُّها مع ذلك ولا أراها من الضيق بحيث لا تغني، فإن أخلاق الناس مصدر كل ما يكون من أحوالهم وأعمالهم، ففيها الكفاية، ونحن نقنع من الشعراء بما دون ذلك، ونكتفي منهم باللمحات الدالة، لا لقصور خاص فيهم، بل لأنهم يُلزِمون أنفسهم من القيود ما لا يلتزم غيرهم، فليس عجيبًا أن يعيوا أحيانًا بالتعبير، وأن يجيء اللفظ أقصر من المعنى قليلًا، والمعنى أكبر وأضخم جدًّا من اللفظ الذي يكتسبه ويحاول أن يتبدى فيه، وأنا أعرف هذا معرفته، فقد كنت أعالج النظم قديمًا، فأطار عقلي وسوَّد عيشي، ما أكتب أعانيه من مشقة الأداء الوافي الدقيق، وما كنت أحس به من العجز عن التعبير الصحيح، وما كنت أراني أقع بينه من اللغو والحشو والتزيد الفارغ، ولهذا كففت وتبت إلى الله، أو رشدت إذا شئت، فما تنقص الإنسان في حياته القيود العارقة حتى يضيف إليها قيود الوزن والقافية، فليعذر الناس الشعراء فإنهم بشر مساكين، وليغضوا عن تقصيرهم فإنه اضطرار، وليكبروا توفيقهم فإنه والله اقتدار. …

  • في الحرب والسلم
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٣١ يناير ١٩٤٣

    كنت أرى الناس في الحرب العالمية الماضية يتتبعون أخبار القتال في ميادينه العديدة، ويختلفون في أي الفريقَين المحتربَين سيُكتب له النصر، حتى دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، فانقطع الجدل وحل الإيقان بانتصار الدول الحلفاء على الدول الوسطى محل الشك، ولكني لم أكن أرى الناس يُعنون بالتفكير في صورة ما سيكون بعد تلك الحرب، حتى الدول الكبرى نفسها لم تكد تُلقي السلاح حتى عادت تحاول أن تنشر ما لم تفطن إلى أن الزمن قد طواه من نظام الحياة في القرن التاسع عشر، وأغمضت عيونها وسدت آذانها عن كل ما وقع قبل تلك الحرب وفي خلالها، وأبت كل الإباء أن تعترف بالقرن العشرين أو بأنه جاء بجديد، وتشبثت بنظام عتيق لا تمسكه إلا أسناد من الغفلة والعناد وقصر النظر؛ فكانت هذه الحرب. …

  • فن الأدب والتجربة الشخصية أو استعمال ضمير المتكلم للدلالة على الموصوف
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٦ أبريل ١٩٣٠

    لما نَشرتُ «صندوق الدنيا» تلقيت رسالة من أديب سوري يلاحظ فيها أن أكثر ما في الكتاب مرويٌّ بضمير المتكلم ومعزوٌّ إلى الكاتب، ووَدَّ لو أقللت من ذلك وعدلت بالرواية إلى ضمير الغائب، ولم يكد يعرف إخواني أن اسم روايتي التي أوشكت أن أفرغ من طبعها «إبراهيم الكاتب» حتى قام في أذهان الكثيرين وكبر في ظنهم أني أنا البطل الذي أقص حكايته، ومن هذا القبيل أيضًا أن الناس — أو أكثرهم — يتوهمون أن الشاعر — حين يستعمل ضمير المتكلم للدلالة على الموصوف — لا بد أن يكون قد جرب الحالة النفسية التي يصورها وعالج العواطف التي يصفها، ولا سيما إذا كان الشعر غزلًا أو منه بسبيل، وأشد ما يكون هذا الوهم شيوعًا في الشرق، وما أكثر ما تسمع في مصر من قراء الروايات المنقولة إلى العربية — في مدح ما يروقهم منها — أنها قصة واقعية وأن حوادثها ليست متخيلة، وهذا عندهم خير ما يثنون به على رواية. …

  • «عودة الروح» للأستاذ توفيق الحكيم
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٥ يونيو ١٩٣٣

    أكثر اللغة العربية في خزائن مقفلة، أعني بذلك أن الانحطاط الذي أدرك الأمم الإسلامية أفشى الجهل، ومكَّن للهجات العامية في البلدان المختلفة، وكانت العربية الفصحى قبل ذلك أداة التفاهم — كتابة وكلامًا — فاستحالت آثارًا دفينة مهجورة في زوايا المكاتب المهملة، وخرجت من الاستعمال المفرداتُ التي كانت من الفصيح المطروق، وحُرِّفت أو مُسِخت الألفاظُ التي كانت مأنوسة، وركدت حياة العربية بركود أهلها، وحلت محلها العاميات، وصار الناس كلما أجدت لهم مطالب العيش وأغراضه حاجة إلى كلمة ينحتون أو يشتقون من العامية، أو يتخذون من اللغة الأجنبية التي جاء أهلها بالمادة، فلما طال هذا وتراخت عليه القرون، صارت اللغة العربية شبيهة باللاتينية، وفقدت إلى حد كبير صفة الكلام الحي، ومن هنا ما يشعر به الكتاب من ضيق اللغة العربية وقلة وفائها بالحاجات المختلفة، وقعودها عن مطالب التعبير عن المعاني والأوصاف وما إلى ذلك. …

  • صور وأخلاق: الشهرات
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ١٦ أغسطس ١٩٢٨

    ليست الثياب وحدها هي التي تكون فيها الشهرة (المودة)، ولا النساء وحدهن كل من يُعنى بها ويخضع لحكمها ويمتثل قضاءها، بل في وسعك أن تقول — وأنت صادق — إن الإنسان عبد الشهرة، أو من مخلوقاتها؛ فهي تملي علينا أخلاقنا وآدابنا وآراءنا وتجارتنا وألعابنا وملاهينا، كما تُفصِّل لنا ثيابنا وتلقننا الألفاظ التي نجعلها محور تفكيرنا، كما تفرض علينا عدد الأزرار في السترة وألوان الربطة حول أعناقنا. …

  • صور وأخلاق: الكلام الفارغ
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ١٨ فبراير ١٩٢٩

    كنت إذا سُئلت عن الأحاديث التي تدور في المجالس بين الإخوان، أو إذا عرضت مناسبة فكتبت عنها، أقول إنها تافهة غثة، وكان هذا مني — على إخلاصي فيه وعدم تكلُّفي إياه — غرورًا وجهلًا، فأما أنه غرور؛ فلأنه يُشعر السامع أو القارئ أن صاحب هذا الرأي أرقى من الناس وأسمى منزع نفس، وأما أنه جهل؛ فذلك ما لم أفطن إليه إلا منذ أيام. …

  • صور وأخلاق: الشكوى
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ٨ أبريل ١٩٢٩

    الشكوى ضعف وإملال وإحراج؛ فلا تشكُ ما بك إلى أحد، وكن على يقين جازم من أنه ما من أحد يسره أن تبثه شَجْوك، فإذا ضاق صدرك بما يجن وقلبك بما يجد، ونازعتك النفس أن تقول بما فيها، فاذكر أن كل امرئ يحمل عبئه الذي يثقل على كاهله، وأنه لا يحب أن يوقر ظهره بأعباء غيره، وأنك قد تكون واهمًا فيما تعتقده من إخلاص من صاحبك لك فتُمِله بما لا يعنيه، وتُسئمه بالكلام عن نفسك، وتُفسد عليه الدقائق التي يختلسها للرياضة أو التسلي والتلهي بمجالسة الناس ومحادثتهم، وترده إلى مكروه التفكير في متاعب الحياة ولعله هارب من التفكير فيها، ثم إن الشكوى تشعر بالعجز عن المكافحة، وتنم عن ضعف الاحتمال وقلة الحيلة، والناس لا يحترمون الواهن الخوار، ولا يكبرون إلا القوي الذي لا يعيا بأمر، وليس من الربح لك أن تخرج من الشكوى باستصغار شأنك، ثم إن شكواك قد تُشعر صاحبك أن بك حاجة إلى معونة منه أو من سواه، ولعله عاجز عنها أو غير راغب فيها لضعف في مروءته أو لؤم في نفسه، أو لعِلة أخرى عسى أن تكون معقولة ومحمودة، فتحرجه وتكون هذه فاتحة الجفوة بينكما. …

  • صور وأخلاق: الإسراف في الوعد
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ٢٩ أبريل ١٩٢٩

    الإسراف في بذل الوعود وقطع العهود، ثم الخلاف أو النكث: هذان — فيما أظن — شران متلازمان، وقد يجران إلى الكذب ينسج مرة بعد مرة، ويسبق به اللسان في كل حال تخلصًا من الورطات أو تخفيفًا للحرج، وقد أفهم أن يخاطبك صديق لك في أمر له يحتاج فيه إلى معونتك، وتعلم أنت من نفسك العجز عنه أو قلة الحيلة فيه، ويعز عليك أن ترد صديقك خاليًا، وتشعر أن عليك أن تحمل بعض ما حمَّلك، وتُخيِّل إليك نشوة العطف عليه وصدق السريرة في الرحبة في معونته أن في وسعك أن تصنع شيئًا ولو قليلًا وأنك لا تعدم حيلة؛ فتعده خيرًا، ثم تذهب النشوة وتخمد الحرارة وتصطدم بالحقيقة العارية؛ فلا يكون منك إلا الخذلان من حيث كان يتوقع المساعفة بقضاء الحاجة، أقول إني أستطيع أن أفهم هذا على علاته، وأن أقدِّر الخجل من قولة «لا أستطيع» وخلوص النية في الوعد، وأن أتصور «النشوة» العارضة وما تغري به في ساعتها وتدفع إليه، ولكن الذي لا أفهمه هو «التبرع» بالوعود غير مسئول، و«التطوع» غير مرجوٍّ إلى قطع المواثيق والعهود، في صغير الأمور وكبيرها، وفي الهزل منها والجد. …

  • صور وأخلاق: الإحسان
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ٤ مارس ١٩٢٩

    الإحسان ليس طبيعة في الإنسان، ولا هو بسجية في أحد، والإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف أن يحسن إلى ضعيف أو منكوب أو محروم أو غير ذلك، ولماذا احتاج الأمر إلى الحث عليه والدعوة إليه؟ لو كان الأصل في الإنسان أنه يحسن، لما كان هناك من داعٍ إلى الدأب على إغراء الناس بالإحسان وتوخي ذلك في تنشئة الصغار. …

  • صدق الشاعر
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · ٢٣ يونيو ١٩١٢

    هذه كلمة نرجو أن ينفع الله بها الجاد من شعرائنا وأدبائنا في طلب الشهرة والتماس النباهة وبُعد الصِّيت؛ فقد طال استخفافهم بضرورة الصدق حتى استخف بهم الناس، واشتد غلوهم في إنكار مكان الحاجة إليه، حتى أنكرنا عليهم ما تكلفوه في فضول القول ونفاية الكلام، وما تجشموه من ضروب الإغراب الذي لا يغني من الأدب شيئًا، وأنواع المعاناة التي لا تعود بطائل، ولا ترجع بفائدة ولا لذة، وإني لست أعرف شيئًا هو أحلى جَنًى، وأعذب وردًا، وأكرم نتاجًا، وأنور سراجًا من الشعر إذا صدقَنا أهلُه المقال، وأعربوا لنا عمَّا تجيش به صدورهم، وتضطرب به ضمائرهم، وترفَّعوا على التقليد الذي لا حاجة بنا إليه ولا ضرورة تحملنا عليه، وتنزَّهوا عن مجاراة الناس ومشايعة العامة وتوخي مرضاتهم؛ فإن لنا أعينًا كأسلافنا وقوة حاسة لقواهم، وما أظن أن في العالم شيئًا يغيب عن مرمى المدارك أو يفوت طور المشاعر، ومادة الشعر لا تفنى ولا تذهب؛ لأنه ليس شيئًا محدودًا معلومًا: وما الشعر إلا معانٍ لا يزال الإنسان ينشئها في نفسه، ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، والمعاني لها في كل ساعة تجدد وفي كل لحظة تردد، وتوليد والكلام يفتح بعضه بعضًا، وكلما اتسع الناس في الدنيا اتسعت المعاني كذلك، وهذا سبب ما في أشعار الصدر الأول الإسلامي من الزيادات على معاني القدماء الجاهليين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات التي لم يقع مثلها للقدماء إلا في النادر القليل والفلتة المفردة، ثم ما في شعر بشار بن برد وأصحابه من المعاني التي ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، ثم لا شك في أن صفة الإنسان ما يرى أصوب من صفته ما لم يرَ، وتشبيهَه ما عاين بما عاين خير من تشبيهه ما شهد بما لم يشهد؛ والشعر الصادق الذي يشف عن نفس صاحبه، ويترجم عن وجده طريق الصدق، والترجمة عن النفس والكشف عن دخيلتها؛ لأن ذلك أبلغ في التأثير وأنجح، بَيْدَ أني لست أنكر أنك قد تبلغ بالكذب ما لا يبلغه الصدق، وتنال بالتمويه والخديعة ما لا تنال بالحق، غير أن الأديب أكبر من ذلك وأرفع، وغايته أسمى وأبعد، وللشعراء ضمائر شاهدة غير نائمة، والحق أحق أن يستولي على هوى النفس وينال الحظ الأوفر من ميل القلب، ولا بد للشاعر كي يؤمن به الناس من أن يكون رسول قلبه؛ لأنه إذا كانت رسالته كاذبة ودعوته مأفوكة — وكان يعلم ذلك من نفسه — فلا بِدْعَ إن كفر الناس به وبشاعريته وهزءوا به وبدعوته، وهل الشعر إلا رسالة النفس وحديث القلب للقلب، وإلا ثمار النفوس وسقاط العقول، وإلا صورة ما ارتسم على لوح القلب وانتقش في صفحة الذهن، وإلا مثال ما ظهر لعالم الحس وبرز لمشهد المشاعر؟ …

  • سحر العيون
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · نوفمبر ١٩٤٧

    العين أداة عجيبة، لا أعرف لقدرتها على التعبير حدًّا، وقد تكون لبعض الحيوان قدرة على التعبير بالعين، عن بعض ما يحسه من غضب أو خوف، أو حنو — في الإناث — أو لهفة على الطعام، أو مسكنة واستخذاء، أو تضرع، وهذا أمر يستطيع المرء أن يلاحظه إذا هو اتخذ كلبًا أو قطًّا وعني بمراقبته، ولكنها قدرة محدودة جدًّا؛ لأنه ليس وراء العين عقل يتفكر، ويتدبر، ويتلقى، ويولد، ويتأثر بالعاطفة أو الإحساسات ويؤثر فيها بحيث يخرج من الشعور أو العاطفة فكرة، أو يحور فكرة إلى شعور ينشئه ويشيعه في النفس، وهذه مزية الإنسان الذي ارتقى عن مرتبة الحيوان ارتقاءً عظيمًا، واستطاع على الأدهار أن يسيطر على غرائزه الساذجة بعض السيطرة، وأن يوجهها ويجريها في مجارٍ شتى، على خلاف الحيوان الذي يخضع لسلطان الغرائز ولا يملك لها خلافًا. …

  • شعراء العصر
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · ١٣ مايو ١٩١٢

    قرأنا في «الجريدة» كلمة آبدة من حر الكلام وعقائل الشعر، شكا فيها صاحبها الخمول، على أن له في النظم المزية الظاهرة والغرة الواضحة، وعلى أنه لو قيس إليه غيره من ذوي الشهرة والنباهة لبان شأوه عليهم، وظهر فوته لهم، وقرأنا قبل ذلك كلمات في «الجريدة» وفي غيرها لجماعة من مغموري الشعراء والكُتَّاب آلمهم أن لا يلتفت الناس إليهم ويهتموا بهم، ونحن وإن كنا لا نرى الشهرة دليلًا على الفضل، ولا الخمول عنوانًا على العجز، إلا أنا — مع هذا — لا نظنها تقع للمرء صدفة، ولا نحسبها مبذولة المنال لكل من يمد إليها يدًا أو يبسط لها كفًّا؛ فإن أمرها أعضل من ذلك وأصعب، ولو كانت ميسورة لكل طالب ما شكا أحد ازورارها عنه ونفورها منه، ولسنا نذهب كذلك إلى رأي شاعرنا حيث يقول: فإنه لم يصب وجه الرأي، ولم يحل عقدة الإشكال، بل نحسب أن السبب ما أشار إليه جوته الشاعر الألماني في قوله: «رأيت الأصوات في هذا العالم قليلة والأصداء المتجاوبة كثيرة. …