أشفقت فيما مضى من هذا الحديث على ثورتنا، مما قد يشير به عليها أنصاف المتعلمين فيما تعرض له من شئون الإصلاح، وأحب أن أقف قليلًا عند أنصاف المتعلمين هؤلاء؛ لأعرِّف من هم وما عسى أن يورطوا فيه ثورتنا من الخطأ.

وواضح جدًّا أن التعليم ليس من الأشياء التي يمكن أن تُحدَّد بأي نوع من أنواع الكم المتصل أو المنفصل كما يقول القدماء من أصحاب الفلسفة، فليس هو من الأشياء التي يمكن أن تُقسَّم كما تقسم الأعداد أو كما تقسَّم الآحاد، وإذن فلا يمكن أن يقسَّم أنصافًا أو أثلاثًا أو أرباعًا؛ لأننا لا نعرف له كُلًّا نستطيع أن نُجري عليه القسمة. وقد أنبأنا اللَّه عز وجل بأن فوق كل ذي علم عليم، وأنبأنا بأننا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا.

وما دام العلم لا يُحصر ولا يُحصى ولا يمكن من أجل ذلك أن يُنصَّف أو يُثلَّث أو يُربَّع، فالتعليم الذي هو تلقي العلم لا سبيل إلى حصره ولا إلى تقسيمه أيضًا. فأنصاف المتعلمين إذن كلمة من هذه الكلمات التي يُراد بها شيء غير معناها الدقيق، ونصف المتعلم هو الذي لم يأخذ من العلم والثقافة ما يُقوم عقله وخلقه وقلبه، ويُتيح له حسن التقدير للأشياء والإصابة في الحكم عليها وحسن التأني لحل ما يُعرض له من المشكلات؛ فهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء كما يقول أبو نواس للنظَّام، وهو من أجل ذلك يقضي فيما لا يُحسن القضاء فيه، وتنقصه الأدوات التي تتيح له أن يحكم فيصدق وأن يقول فيُصيب. ونصف المتعلم قد يكون كثير الحظ من العلم، وقد أحاط بفنون كثيرة من المعرفة، ولكن علمه — على كثرته — لم يُنضج عقله ولم يسدد رأيه ولم يُقوِّم خُلقه ولم يصلح قلبه، فهو متعلم من جهة وجاهل من جهات أخرى كثيرة. وقد حدثنا اللَّه عز وجل عن الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فشبههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، فالرجل الذي حُمِّل العلم ثم لم يحمله وحفظه ثم لم ينتفع به ولم يتمثله ولم يتأثر به عقله وقلبه وخلقه؛ هو كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها. وقُل في مثل ذلك بالقياس إلى الذين حُمِّلوا القرآن ثم لم يحملوه، وبالقياس إلى كل من عرف شيئًا قلَّ أو كثر ثم لم ينتفع به ولم ينفع مَن حوله من الناس.

وكل شيء في الحياة الحديثة يُعرِّض الناس «إلا من عصم اللَّه منهم» لأن يكونوا كأولئك الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها، فضرب اللَّه لهم مثلًا الحمار الذي يحمل الأسفار؛ ذلك أن أسباب العلم قد كثرت ويُسِّرت في هذه الأيام حتى أصبح العالم يُساق إلى الناس دون أن يسعوا إليه، ويُحمل إليهم دون أن يتكلفوا له طلبًا، وربما صُب في رءوسهم على غير إرادة منهم له أو رغبة منهم فيه. هذه الكتب التي تبسط حقائق العلم وتسوقها إلى الناس في أيسر لفظ وأقربه إلى الفهم، وهذه الصحف التي تُمسي الناس وتُصبحهم بفصول في العلم والأدب وفي الفلسفة والاقتصاد؛ قد يسَّرت لهم تيسيرًا، وقربته إلى عقولهم تقريبًا. وهذا الراديو الذي يلقي في أذان الناس مصبحين وممسين عاملين وفارغين ما شاء اللَّه من ألوان المعرفة. كل هذه الوسائل قد ألقت في روع كثير من المعاصرين أن العلم يسير لا يحتاج الإنسان إلى أن يبذل الجهد ويحتمل المشقة ليظفر منه بالقليل. والناس من أجل ذلك يزدرون في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون حياتهم كلها وجهودهم كلها على البحث والدرس والتحصيل، يرون أنهم يتكلفون ما ليسوا في حاجة إلى أن يتكلفوه.

وهم من أجل ذلك ينظرون إلى العلماء المتخصصين نظرات فيها كثير من الإشفاق والرثاء، وربما أُلقي في روعهم أن هؤلاء العلماء خلق جديد ليس كغيره من الناس الذين يأخذون الأشياء في إسماح ويسر، وما دام العلم يُكتب ميسرًا مبسطًا في هذه الأسفار التي تُباع بأثمان ليست أقل منه يسرًا، وما دام الناس كلهم يقرأون هذه الكتب ويسيغون منها ما يسيغون كما يقرأون الصحف ويسمعون الراديو؛ فلا عليهم أن يقبلوا كل ما يُقال لهم، وأن يحفظوا منه ما يستطيعون، ويدعوا منه ما لا يطيقوه، وهم مطمئنون إلى أن علمهم سيتجدد كل يوم ما داموا يقرأون الكتب التي تُنشر والصحف التي تُذاع، ويسمعون الراديو طائعين أو كارهين.

وكذلك وجِد في هذا العصر الحديث بفضل المطبعة ووسائل النشر والإذاعة نوعٌ يسير من العلم، ولكنه لا يمتاز باليسر وحده وإنما يمتاز بالسرعة أيضًا، بالسرعة في إنتاجه، والسرعة في فهمه، والسرعة في نسيانه. فهو لا يكاد يبلغ إحدى الأذنين حتى يخرج من الأذن الأخرى كما يقول العامة، وهو من أجل ذلك علم طائر يمر مر السحاب دون أن يترك في نفس القارئ أو السامع أثرًا ذا خطر. ولكنه في الوقت نفسه يخيل إلى قارئه أو سامعه أنه قد قرأ كثيرًا من العلم وأصبح رجلًا مثقفًا يستطيع أن يخوض في كل شيء ويحكم على كل شيء، ويجد الحل لكل مشكلة والمخرج من كل مأزق. ولكل شيء وجه من الخير ووجه من الشر، فتيسير العلم وتقريبه إلى الكثير من الناس خير؛ لأنه يوصل المعرفة على اختلاف ألوانها إلى طبقات من الناس لم يكن يُتاح لها أن تذوق المعرفة ومن حقها أن تتعلم وتتثقف، والقليل الذي تعلمه بهذه الوسائل اليسيرة خير من ظلمة الجهل المطبقة، ولكنه في الوقت نفسه يدفع كثيرًا من الناس إلى الغرور ويضلهم عن حقائق أنفسهم، ويخيل إليهم أنهم قد بلغوا من العلم ما لم يبلغوا. وهذا مصدر شر كثير في الحياة الإنسانية العامة، وهو في بلد كمصر خطر أي خطر على هذه الحياة العامة، فقد ينبغي أن يكون إلى جانب هذا العلم اليسير الكثير علم آخر عسير لا يُنال إلا بالجهد والكد واحتمال المشقة وتكلف العناء، ولا يناله من أجل ذلك إلا قلة من الناس يفرغون له إن استطاعوا، ويعانون على أن يفرغوا له إن لم ييسَّر لهم هذا التفرغ. وقد ينبغي للدولة أن تسمع لأصحاب هذا العلم العسير أكثر مما تسمع لأصحاب العلم اليسير، وهذا هو الذي يفرق بين أوروبا وأمريكا من جهة وبين مصر وأمثالها من البلاد من جهة أخرى، فحسْب العامة في أوروبا وأمريكا أن يُكونوا الرأي العام الذي يسترشد الحكام به في شئون السياسة وفي تنظيم الحياة الاجتماعية. وليس هذا بالشيء القليل، بل هو خير ما استطاعت الإنسانية أن تصل إليه من تحرر الشعوب في العصر الحديث، ولكن الحكومات الأوروبية والأمريكية حين تواجه مشكلة من مشكلات الحياة السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية لا تستشير في حلها هؤلاء الذين يُحصِّلون علمهم من الكتب اليسيرة والصحف الكثيرة والراديو، وإنما تستشير فيه قومًا آخرين هم الذين فرغوا للعلم من تلقاء أنفسهم أو أُعينوا على أن يفرغوا له، فتفوقوا فيه ثم أضافوا إليه، ثم لاءموا بينه وبين ما يحيط بهم من شئون الحياة ومنافع الناس.

وأي شيء أخطر من أن تعرض مشكلة من مشاكل الناس، فيشير في حلها قراء الصحف والكتب اليسيرة، وطائفة من هؤلاء الذين عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، والذين حفظوا العلم في رءوسهم ولم يبلغ العلم قلوبهم ولم يُقوِّم أخلاقهم، والذين حفظوا العلم ثم اتخذوه تجارة يعزون به الناس عن أنفسهم ويخدعون به من أراد ومن لم يرد أن ينخدع، مَن استطاعوا ومن لم يستطيعوا أن يُخدعوا.

كل هؤلاء أنصاف متعلمين، وهم الذين أُشفق منهم على ثورتنا أشد الإشفاق، بعضهم لم يُحصِّل من العلم إلا أيسره وأخفه، وبعضهم حصَّل من العلم كثيرًا ولكنه علَّم عقله ولسانه ولم يُعلِّم قلبه وضميره، وبعضهم اتخذ العلم والناس هزرًا ففكر في نفسه أكثر مما فكر في علمه، وأكثر مما فكر في الناس. ليس هو أمينًا للعلم الذي وعى؛ لأنه يتخذه وسيلة إلى منفعته القريبة، وليس هو أمينًا للذين ائتمنوه؛ لأنه يتخذ علمه وسيلة إلى أن يزين لهم ما يلائم منفعته هو لا ما يلائم منفعتهم هم.

وقد ذكر اللَّه قومًا قرأوا كلامه ثم حرفوه من بعد ما عقلوه، وما أكثر الذين يقرأون الآن كلام اللَّه وكلام العلماء ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه؛ لأن منافعهم الخاصة تقتضي هذا التحريف، وهم ضعاف أمام منافعهم الخاصة أقوياء على منافع غيرهم من الناس.

وأشهد لقد رأيت في مصر قومًا كانوا يكرهون بعض النظم أشد الكره، ويضيقون بها أعظم الضيق، ويشكون منها مرَّ الشكوى، فلما أُتيح لهم أن ينهضوا ببعض الأعباء العامة أحبوا ما كانوا يكرهون وحببوه إلى الناس، وزينوه في قلوبهم، واستحبوه لأنفسهم وللذين يلوذون بهم، لا لشيء إلا لأنهم صدقوا أنفسهم وصدقوا الناس حين كانوا غير مسئولين، فلما أصبحوا مسئولين كذبوا أنفسهم وكذبوا الناس؛ لأن منفعتهم القريبة كانت أحب إليهم من الحق وأحب إليهم من منافع الناس.

هؤلاء أنصاف متعلمين، لا لأنهم حفظوا نصف العلم أو حفظوا بعضه ونسوا بعضه؛ بل لأنهم حفظوا كثيرًا من العلم وأحاطوا بكثير من المعرفة، ولكن العلم لم يحفظهم، والمعرفة لم تحط بهم كما أحاطوا بها. تعلمت عقولهم وألسنتهم وجهلت قلوبهم وضمائرهم فأصبحوا لا يصلحون إلا لخدمة أنفسهم، وأصبحوا في حاجة إلى المراقبة الشديدة حين يخدمون أنفسهم؛ لأنهم يوشكون أن يضحوا بالمصالح العامة في سبيل المصالح الخاصة. هذه الأنواع الكثيرة من أنصاف المتعلمين، أولئك الذين خطفوا العلم ولم يقتلوه بحثًا ودرسًا، وأولئك الذين أتقنوا بعض العلم وجهلوا بعضه الآخر، وأولئك الذين علموا كثيرًا ولم يبلغ العلم قلوبهم وضمائرهم.

كل أولئك شر ينبغي أن تحتاط الثورة منهم أشد الاحتياط، بعضهم يشير وليس له الحق في أن يشير؛ لأنه لم يحسن العلم بما يُستشار فيه، وبعضهم يشير في غير ما أتقن العلم به من أمور الحياة، وبعضهم خليق ألا يُشير ولا يُستشار؛ لأنه ضال مضل، وقد جعل إلهه هواه، واتخذ منفعته غاية، وجعل الدنيا وما فيها ومن فيها وسيلة إلى هذه الغاية. وكان يُقال إن المستشار مؤتمن، ومن الحق على من يستشير أن يبحث ويستقصي ويتثبت حين يختار المشيرين.

وما أشك في أن من أصعب الأشياء وأعظمها عسرًا، تخير الأمناء واستخلاص أُولي الرأي الذين يمكن أن يُعتمد على سرهم وجهرهم، وعلى نصحهم وإخلاصهم، وعلى حسن تأديتهم للأمور، وعلى قدرتهم على النهوض بالأعباء الثقال. ومن هنا كان من الظلم أشد الظلم للحكام أن يُلاموا لأنهم لم يحسنوا اختيار المشيرين، فليس الحكام قادرين على أن يقرأوا القلوب، ويمتحنوا أعماق الضمائر، وما أكثر الذين تلقاهم فتعجب بهم حتى يملك الإعجاب عليك عقلك وقلبك جميعًا، ثم تثق بهم، ثم تأمنهم على ما تأمن عليه نفسك أو على ما تشفق أن تأمن عليه نفسك. حتى إذا جدَّ الجد وتكشفت الأمور نظرت؛ فإذا أنت قد وثقت بغير ثقة، وأمنت غير مأمن، واطمأننت إلى من يجب أن يُخاف. ولأمر ما قال زياد لرعيته: «نسأل اللَّه أن يعين كلًّا على كل.» نسأل اللَّه أن يعِين المحكومين على احتمال الحاكمين حين يقسون مصيبين أو مخطئين، وأن يعين الحاكمين على احتمال المحكومين حين يرضون وحين يسخطون وحين يشيرون فينصحون أو يغشون.

ومهما يكن من شيء، فقد أُمرنا أن نقول الحق، وأن نشير بما نرى أنه الخير. والخير كل الخير أن تحتاط الثورة أشد الاحتياط وأقساه حين تستشير وحين تستعين على أعباء الحكم القادرين على معونتها. فإذا كان من الحق على الرجل أن يتثبت ويحتاط حين يستشير في خاصة نفسه، فمن الحق عليه أن يتثبت أشد التثبت ويحتاط أعظم الاحتياط حين يستشير لا في أمر جيل معاصر، بل في أمر جيل تتبعه أجيال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.