مدونات [٣٦٥١–٣٦٧٥ من ٣٧٧٢ تدوينة]

  • مقارنات عابر سبيل
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٢ أكتوبر ١٩٣٦

    وقفت وأنا أنهج وملت إلى شجرة لَفَّاءَ وارفة الظل، وقلت بعد أن مسحت العرق المتصبب وانتظمت أنفاسي: «يا مجير، لقد كانت هذه مرحلة طويلة، وكانت الخطى فيها متداركة متلاحقة، وكنت أحسُّ من فرط الإسراع كأن وراءنا من يضربنا بالسياط ويستحثنا بوقع العُقَدِ التي في ألسنتها على جلودنا، وما أظنني كنت أتلفَّت أو أرى شيئًا حتى إذا كنت نظرت، فيحسن أن أحاول أن أرجع إلى ما طويت؛ لعل بعضه ينشر لي الآن بقدرة الله. …

  • معاملة الناس
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٣ سبتمبر ١٩٣٧

    لو أني صدقت ما حدثني به شيوخ الجيل الماضي الذين هم في منزلة آبائنا وأعمامنا، وما رووه لي في وصف حياتهم المنقرضة ومعاملاتهم وعلاقاتهم، لكنت حريًّا أن أعتقد أن ذاك الجيل الذي انقضى كان أفضل وكان حظه من الرجولة أعظم، ونصيبه من البساطة التي يستقيم بها النظر أوفر وأجزل؛ فقد كان الفقر لا يعيب أحدًا في ذلك الزمان، ولا يغري الصديق بالفرار من صديقه أو اجتنابه، وكان حسن الأدب والتواضع ولِين الجانب لا يعرض المرء للاستخفاف أو قلة المبالاة به، وكان للعلم شأنه وكرامته، وكانت المعاملات تقوم على الصدق والثقة ولا تحتاج إلى الصكوك وما إليها، وكان الصغير يوقِّر الكبير، ولا يغمط الكبير فضل الصغير أو يبخسه حقه، إلى آخر ذلك ممَّا لا حاجة إلى التقصي فيه. …

  • لو كنت أعزب؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · فبراير ١٩٤٨

    لو كنت أعزب لما أطقت الحياة، أو هذا أكبر ظني الآن، وأنا أدلف إلى الستين، وبعد أن ألفت حياةَ من له زوجة وبنون، والعادة يصعب على المرء أن يغيرها بعد طول الجري عليها، على أني جربت الحياتين: حياة الأعزب، وحياة المتزوج؛ فقد ماتت زوجتي الأولى فلبثت ثماني سنوات معرضًا عن الزواج، لا زهدًا فيه أو نفورًا منه، بل حتى يكبر ابني قليلًا، ويستغني عن كفالة امرأة أبيه، فلما اطمأنَّ قلبي تزوجت مرة أخرى، أو «تأهَّلت» كما يقول المصريون، أي اتخذت لي أهلًا أي زوجة؛ فلي من التجربة ما يُجَرِّئُنِي على القول بأن الأعزب مسكين، بل مسكين المساكين! …

  • لو كانت لي بنت
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة أخبار اليوم · ٣١ يناير ١٩٤٨

    منذ بضعة أيام، سألتنى — بالتليفون — زميلة فاضلة، قالت: «لو كانت لك بنت، ورأيتها فى الطريق مع شاب غريب، فماذا عساك كنت صانعًا؟».وما أكثر ما يلقى على التليفون مثل هذا الأسئلة المحرجة التى تحتاج إلى روية، وكان لابد أن أجيب بشىء، فقلت: «لا شىء! …

  • لو تزوجت للمرة الثالثة!
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١ نوفمبر ١٩٤٧

    أتزوج مرة ثالثة؟ حاشا لله! والعياذ بالله! أو كما يقول العامة: «أشتاتًا! أشتاتًا!» لا لأن الزواج مصيبة والمرأة بلية، فما أعرف كيف يستطيع رجل أن يعيش ويحيا حياة كاملة بغير امرأة، ولو وسعني أن أتزوج كل يوم امرأة جديدة لفعلت غير متألم أو متحرج، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والأمر له، وما لنا خيار. …

  • قصة كتاب يأبى أن يصدر
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٤ يناير ١٩٤٣

    هي قصة كتاب أريد له الظهور، ويأباه كل الإباء! ومن الكتب ما له سيرة عجب! قلت لنفسي بعد أن أخرجت «إبراهيم الكاتب»: يحسن بك يا هذا أن تنحو في الرواية التالية نحوًا آخَر، حتى لا يجيء ما تكتب من ذاك على غرار واحد، فيمل القراء، وصح عزمي على هذا التنويع، فتوكلت على الله، وشرعت في فترات النشاط القليلة أكتب رواية فكاهية، والفكاهة — كما تعرف أو لا تعرف — تتطلب حذقًا وأستاذية لا يتطلبها الجد وإرسال النفس على السجية، حتى ولو كانت في الطباع، فإن لفظة واحدة تزيد أو تنقص، يبوخ بها المعنى، أو تفضي به إلى الغثاثة. …

  • في وقع الموت
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٠ فبراير ١٩٣٦

    ضمني مجلس قال أحدُ مَن فيه — وقد ذكر بعضنا وفاة الملك جورج الخامس، وقول الأطباء إنهم لم يشهدوا أعراض مرض معين، وإن قواه كانت تهبط شيئًا فشيئًا: «إن من الصعب على الإنسان أن يواجه الموت وهو محتفظ بعقله»، فقال آخر إن الذي يخفف عنه في هذه الساعة أنه يستسلم للموت ولقضاء الله فيه. …

  • في الحب وتهيؤ النفس له
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٤ يونيو ١٩٣٧

    أشرت في فصل إلى الوقت الذي تكون فيه النفس أحسن تَهَيُّؤًا للحب، وقلت إنه وقت الفتور الخفيف، لا النشاط ولا التعب الشديد. وقد رأيت أن كثيرين استغربوا هذا؛ فيحسن أن أبين ما أعني وأن أجلوه إذا استطعت، وخير وسيلة لذلك أن نضيق دائرة الاحتمالات وأن نسأل أنفسنا: في أية ساعة يا ترى من ساعات الليل أو النهار يكون المرء أقوى استعدادَ نفسٍ للحب؟ …

  • في الطفولة
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٨ ديسمبر ١٩٣٦

    زارني مرة في مكتبي صديق كريم، وكان معي في ذلك اليوم أصغر أطفالي؛ فقد تشبث بي وأبى إلا أن يصحبني، فلم أرَ بأسًا من ذلك، وسأله الصديق بعد حوار طويل لم يعلق بذهني منه شيء: «أبوك مَنْ؟» — قالها هكذا بالعربية الفصيحة — والصبي حديث عهد بتعلم القراءة والكتابة؛ فلم يفهم «من» هذه، وظنها شيئًا معيبًا أو غير لائق وهز رأسه منكرًا، فكرر الصديق السؤال، فقطب الصبي وقال: «توْ توْ» فنظر إليَّ صديقي فقلت: «يا صاحبي إنه يحسب أن (من) هذه مثل قولك «كلب» أو «قط» أو شيء آخر لا يليق في رأيه أن يكونه أبوه، ولو كنت قلت له «مين» بالعامية لفهم وأجابك، وما أظن به الآن إلا أنه وقع في نفسه منك أنك تَسُبُّ أباه، وإني لأخشى أن يحقدها عليك، ولا يكون رأيه فيك بعد اليوم إلا سيئًا، وأكبر ظني أنه سيُحَدِّثُ أمه عنك حديثًا لا يسرك أن تسمعه. …

  • في الحب أيضًا: جواب بعض المسائل
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٨ يونيو ١٩٣٧

    يظهر أني لم أحسن البيان فيما كتبته عن الحب والوقت الذي تكون فيه النفس أحسن تهيؤًا له؛ فقد تلقيت رسائل من هنا وههنا، ومن مصر وغيرها من أقطار العرب، جملة ما استخلصته منها أني حمار طويل الأذنين، وأن لي نهيقًا عاليًا ولكنه نهيق لا أكثر، وقد أكون كذلك فما أدري، ولو أني عرفت نفسي على حقيقتها لكان هذا حسبي. …

  • في الأدب ولماذا تركت الشعر؟
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٢ نوفمبر ١٩٣٨

    منذ شهرين — أو حوالي ذلك — أذعت كلمة وجيزة أجبتُ فيها عن أسئلة وُجِّهَتْ إليَّ، من بينها سؤال عمَّا أختار من شعري، وقد قلت في الجواب — على ما أذكر — إني لست بشاعر، ولست أنكر أني عالجت الشعر زمنًا ولكني أخفقت فيه فكففت عنه؛ فيحسن أن يُسأل غيري، وإن الاختيار على كل حال صعب لأن كلام المرء كأبنائه، يعرف عيوبهم ومزاياهم، ولا يخفى عليه ما بينهم من تفاوُتٍ، ولعلَّ بعضهم آثر عنده من بعض، ولكنه لا يحب أن يعترف بهذه المفاضلة. …

  • في الحب أيضًا
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٢ فبراير ١٩٣٧

    أرجو ألا يتوهم أحد أن هذا حديث في فلسفة الحب؛ فإنه لا قدرة لي على الفلسفة، وقد فقدت إيماني بها منذ خذلتني وخيَّبت أملي وعجزت عن أن تفسر لي شيئًا مما يحيرني في هذه الحياة. وقد قرأت كثيرًا مما كتبه الذين ينسبون إلى الفلسفة وإلى البحث العلمي، غير أني لم أقتنع به ولم أسترح إليه، ومن سوء الحظ — حظي أنا بالطبع كما لا أحتاج أن أنبه — أنه ليس لي في هذا الباب تجربة تستحق الذكر، حتى كنت أعرض ما يقول الفلاسفة والعلماء على ما جربت، وأرى إلى أي حد أصابوا ووُفِّقُوا. …

  • في الأدب وغيره
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٣ يناير ١٩٣٨

    زارني مرة لفيف من الشبان قال قائلهم: إنهم جاءوا ليسألوني عن رأيي في الأدب ويستفتوني في مسائل، فساءَني هذا ولم يسرني، فقد كنت مشغولًا، وكان العمل الذي ينبغي أن أفرغ منه كثيرًا، فسألت الذي كان يتكلم: «كم سنك؟ ولا تخشَ أن أذيع السر؟» قال: «ثنتان وعشرون. …

  • على القهوة
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١ ديسمبر ١٩٤٥

    إذا أردت أن تعرف أي حياة يحياها المصريون، وكيف حالتهم الاجتماعية، فانظر إلى هذه المقاهي الغاصة ومواقعها، وتدبر أمر روَّادها؟ فإن دلالتها الواضحة أنه ليس لنا بيوت، فنحن مشرَّدون في الشوارع. وقد طوفت في بلاد العرب جميعًا، فما رأيت كمصر في كثرة المقاهي وكثرة الذين يختلفون إليها، ويطيب لهم أن يقضوا الوقت فيها، ويكفي أن أذكر على سبيل المثل ما حدَّثني به ضابط بوليس من أن شارع الأمير فاروق طوله كيلومترين وبه مائتا مقهى! …

  • عيوبي!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · مارس ١٩٤٣

    لما تلقيت دعوتكم إلى الكتابة في هذا الموضوع حرت ماذا أصنع؟ أأعتذر؟ أم ألبي؟ فليس من الهَيِّنِ أن أكشف للناس عن كل هذا الحشد من العيوب ومواطن الضعف، وإني لأعلم أن النقص أصل في الإنسان، وأن الكمال — أو مراتبه — اجتهاد واكتساب، غير أن هذا العلم لا يسهل الأمر، وإن المرء ليشفق من مصارحة نفسه بعيوبه، فكيف بمصارحة الناس؟ …

  • عندما قرصت أذن الحمار!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٥ يوليه ١٩٤٧

    ذهبت مرة — في بعض السنين الخوالي — أصطاف في لبنان مع أهلي، أو أستريح على الأصح، وكان المرحوم عبد القادر حمزة باشا هو الذي أشار عليَّ بذلك، وحَضَّنِي عليه، فقد كنت بادي الإعياء، وكان تلف أعصابي قد بلغ مبلغًا يؤذن بالانهيار، فلا صبر لي على ضجة، ولا حلم لي مع الناس، ولا استقرار في مكان، وكنت أدخل عليه — رحمه الله — لخاطر يخطر لي، حتى إذا بلغت مكتبه نسيت ما جئت له، فأنصرف بالكلام، فينتظر لحظة ثم يدخل عليَّ في غرفتي، ويشغلني بحديثه الطلي حتى يراني هدأت وسكنت، فيخرج فتفيض نفسي بالشكر له. …

  • ضبط النفس
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٧ ديسمبر ١٩٣٧

    علمتني الحياة ضبط النفس، والحياة مع الأسف مدرسة ولكنها فيما يبدو لي عقيمة؛ فإن الدروس فيها لا تنتهي، ولا يكاد المرء يظن أنه حذق بعضها وآن له أن ينتفع بما تعلَّم منها حتى تسلمه الأقدار إلى العفاء! ففيم كان طول التتلمذ هذا؟ وما خيره إذا كان العمر ينتهي به؟ …

  • صور وأخلاق: أمس واليوم
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة الجديد · ٤ فبراير ١٩٢٩

    إذا أردت أن تستبقي ود صاحبك فلا تعاتبْه؛ فإن العتاب مفسدة لأنه يُشعر صديقك بأن لك عليه حقًّا — وليس أثقل من أداء الحقوق — وبأن لحريته حدودًا، والحدود قيود تعرق وتحز، ولَخيرٌ في الجملة أن تقبل صاحبك على علاته وأن تغضي عن هناته، وأن تذكر أنك لست خيرًا منه ولا أبرأ من العيوب؛ هذا أجلب للراحة وأنفى للمتاعب. …

  • رسالة وجوابها
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٣ أكتوبر ١٩٤٣

    تلقَّيت هذه الرسالة قُبَيْل العيد: حضرة الأستاذ الكبيركفر الزيات في ٢٤ رمضان سنة ٦٢المخلصفلان المحامي الشرعيبعد التحية، أرجو أن لا تغضب إذا قلتُ لك إنك رجل غشَّاش، تستغل حُسْن سمعتك الماضية في عالم الكتابة والتأليف لتدس على القرَّاء كُتُبًا سخيفة مملولة ممجوجة، لا معنى لها ولا فائدة فيها، وهي أشبه بلغو المجانين منها بتأليف كاتب كبير عُرِف بالبساطة والسهولة وحُسْن الأسلوب؛ لقد دفعت أربعين قرشًا ثمن كتابَيْك الجديدين «ميدو وشركاه» و«إبراهيم الثاني»، وإني مستعد لبيعهما بالأقَّة إلى بائع الفلافل، ليلف فيهما بضاعته القذرة؛ فإن هذه الصفحات المجنونة لا يليق بها إلا هذا المصير القذر، ولست أدري كيف تسوغ لك نفسك أن تقذف بها من سماء المجد الأدبي الذي استحوذت عليه وبلغته بعد جهاد العمر الذاهب، إلى هذا الحضيض السحيق! …

  • سرقت لأصبح أديبًا!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٤ سبتمبر ١٩٤٨

    حدثني بعض الزملاء قال إن الأدباء الشبان يزعمون أننا نحن «الشيوخ» — كما يسموننا — نسد في وجوههم كل الفجاج! فتبسمت وقلت لنفسي: يظهر أن شياطيننا مردة، وشياطينهم صبية صغار لا يزالون يلعبون في «الحارة» ويُهملون اكتساب المعرفة والتجربة والحنكة! وأتكلم جادًّا فأقول إني تذكرت كيف كنت وأنا غض السن صغيرها، وكيف كان يُخجلني حتى أن أمر على مقهى، فأنزل عن الرصيف إلى الشارع! …

  • شوقي في ذمة التاريخ
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ١٦ أكتوبر ١٩٣٢

    في أشهُر معدودات — في مدى صيف واحد — فقدت مصر اثنين عاشَا على رأس جيلهما، واستطاعا بعد أن تقضَّى العصر الذي أخرجهما وتغيرت الدنيا التي نشآ فيها، أن يحتفظا بمكانيهما من زمنها، وأن يثبتا على دفع الزحمة الجديدة، وأن يبقيا عنوانًا على مصر، وحلية في تاج زعامتها للشرق؛ فالآن مضى الموت بشِقَّيِ العنوان، وعطل التاج من حليتين كان لهما من القدم جلال، وإذا كانت الحياة كفاحًا بين الآراء والمذاهب والعقائد كما هو بين الناس وسائر المخلوقات؛ فإن الموت ينزع سلاح الكفاح، ويَسْتَلُّ البواعث عليه ويمحو الدوافع إليه، والموت خليقٌ أن يغري المرء بالوقوف لحظة مترددًا حائرًا متفكرًا مضطربًا، إذا كانت هذه نهاية الحياة وخاتمة المساعي فيها وآخرة الفضيلة والرذيلة والحق والباطل والجلال والجمال والخير والشر؛ فأي شيء في الدنيا حق؟ …

  • سبيل المدنية
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٧ مايو ١٩٣٥

    رآني مرةً صاحبٌ لي آكل لحمًا نيئًا، فاستغرب، وسألني عنه كيف أجده؟ قلت: أطيب ما يكون، فأبى أن يصدِّق، وذهب يكابر، وجعل يسأل: «كيف تستطيبه وهو نيء؟» قلت: «يا أخي إن المسألة ليست مسألة منطق وجدل، وإنما هي مسألة طعام، فخُذْ منه وذُقْ، وانظر بعد ذلك كيف تجده، ثم إنه لا شك أخف على المعدة وهي أقدر على هضمه من اللحم الذي أنضجته النار، وأثقله ما يخلط به. …

  • صبر أيوب!
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة السياسة · ٢٦ يوليه ١٩٤٧

    يحتاج الإنسان في هذا الزمان إلى مثل صبر أيوب، وإلى أضعاف أضعاف ما أثر عنه إذا كان من سكان القاهرة، وعلى ذكر أيوب أقول إنه عربي لا عبري، وإنه شاعر أيضًا، ويزعم فكتور هيجو أن موسى عليه السلام ترجم شعره ويقول: «ناهيك بأيوب من شاعر، وبموسى من مترجم! …

  • حديث الأحد: جماعة غير مؤتلفة
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٣٠ مارس ١٩٤١

    منذ عشر سنوات أو أكثر زار مصر المستشرق الأسباني المشهور الدكتور (يهودا) فاجتمعت به وحدي بضع مرات ومع غيري من الإخوان مرة، وكان ذلك في ليلة شتوية وكنا أربعة من المصرين. وأذكر أن الحديث كان يدور بثلاث لغات أجنبية؛ لأن منَّا من لا يعرف من هذه اللغات إلا الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية وقليلًا من الفرنسية أو الإنجليزية، وكان الدكتور المسكين يعيد ما يقول بهذ اللغات كلها ليفهم عنه السامعون جميعًا ولا يضجر منهم أحد، وأحسب أنه كان حقيقًا أن يمل لولا أن حظه من الفكاهة جزيل، وقد اقترحت أن يدور الكلام بالعربية فكان نصيب اقتراحي الإهمال؛ فكانت تلك جلسة من أثقل الجلسات وأخفها، ومن أحفلها ببواعث الملالة ودواعي التسلية في آنٍ معًا، كان يتفق مثلًا أن يرسل أحدنا نكتة فيضحك الذي فهم عنه، أما الباقون فيظلون وجومًا حتى تترجم لهم ثم يقهقون استظرافًا للنكتة أو مجاراةً لمن سبقوا إلى الضحك، وقد قال الدكتور يهودا في تلك الليلة إن الغريب الذي يغشى مجالس المصريين يحتاج أن يكون (دوليًّا)؛ أي عارفًا بأكثر من لغة أجنبية واحدة. …

  • حديث الأحد: في الشجاعة أيضًا (٢)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٧ أبريل ١٩٤١

    جادلني بعضهم — غير واحد — فيما قلت من أن الحرص على الحياة ليس من الجبن، والذي أعرفه أن الحرص على الحياة والضن بها في الطباع، وليس الشذوذ والعيب أن تتحفظ بحياتك بل ألا تفعل، وأنت خليق أن تتعجب إذا رأيت إنسانًا لا يأخذ حذره حين يوشك أن تدهمه سيارة أو يسقط عليه حجر، ولستَ تتعجب إذا رأيته يقفز أو يفعل غير ذلك مما يلهم في التو والساعة، ولو كانت حركته المباغتة مما يغري بالضحك، والجمود في مثل هذه الحالة لا يُعَدُّ شجاعة أو ثباتًا أو شيئًا مما يجري هذا المجرى، بل عسى أن يكون عن بلادة أو ذهول أو ما هو من هذا بسبيل، ولا خير في الشجاعة — أو ما يسمى شجاعة — ولا فضل ولا مزية لها إذا كانت لا تنفع الناس ولا صاحبها، والقائد الذي يتوقَّى وينأى عن الخطر لا يفعل ذلك ضنًّا بحياته، بل بحياة جنده ومصلحة قومه، وليس الجندي التي يقاتل في الصف الأول بأشجع أو أجرأ منه، ومِثْل القائدِ السياسيُّ أو العالِم أو الأديب أو الفنان ومَن إلى هؤلاء ممن يخدمون الدنيا ببقائهم أحياء أصحاء يعملون، ولعل الذي يتقي الخطر لأنه يرى حياته ألزم وأنفع — أشجع مما يتهجم عليه بلا مبالاة أو حساب أو وزن لقيمة الحياة. …