يجب أن يكون الرجل الطيب سعيدًا مسرورًا، وراضيًا محبورًا بعد أن صدر التشريع الخطير الذي أثبت للمحامين وغير المحامين أن وزارتنا تستطيع أن تنذر فتنفِّذ النذير، وأن تُوعِد فتُحقِّق الوعيد، وأن الذين يَصِفونها بالضعف ويضيفون إليها العجز ويتهمونها بالقصور، لم يكونوا يقدرونها قَدْرها، ولم يكونوا يعرفونها حق معرفتها. وإنما كانت تغريهم بها طيبة الرجل الطيب، ويطمعهم فيها حلم أعضائها الحلماء. فأما الآن فقد قام البرهان على أن الرجال الطيبين يُحْسِنون الغضب ويجيدون العقاب، وعلى أن حلم الحلماء لا ينبغي أن يغري بهم أو يطمع فيهم إلا الأغرار الذين لا يحسنون التفكير في عواقب الأمور.

فهؤلاء المصريون يرون الآن أن ليس بين الرجل الطيب والرجل الواحد فرق. كلاهما يُحْسِن البطش حين يريد، وكلاهما يجيد إظهار القوة وإرهاب الخصم، وكلاهما يَبْلُغ من إقناع الكثرة البرلمانية ما يريد، كلاهما يستطيع أن يريد فيتم ما يريد، كلاهما يستطيع أن يقول للقوانين كوني فتكون، كلاهما يستطيع أن يُغيِّر ويُبدِّل، وأن يمحو ويثبت، وأن يقضي فيحرم في القضاء.

ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة؛ لِيثُوبَ الناس إلى رشدهم ويثوب رشد الناس إليهم! فقد صبر عليهم الرجل الطيب حتى استضعفوه، وأملى لهم الرجل الطيب حتى طمعوا فيه، وآن أن يُظْهِر لهم الرجلُ الطيِّبُ أن له حظًّا من القوة والكيد المتين ليس أقل من حظِّ سَلَفِهِ الرجل الواحد صدقي باشا.

ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة ليعلم صدقي باشا نفسه أنه ليس وحده القادر على تأييد النظام الحاضر وإنفاذ السياسة التي لا بد من أن تنفذ في المصريين، وأن في الكنانة سهامًا ليست أقل منه صلابة ولا حدة، ولا مضاء، وأنه إن كان قد عدَّلَ الدستور، وحلَّ البرلمان وأقصى عن النيابة قومًا، فإن صديقه أمس وخصمه اليوم قد عدَّلَ قوانين المحاماة، وحلَّ نقابة المحاماة — أو كاد — وأقصى عن نقابة المحاماة قومًا كما أقصى هو عن البرلمان قومًا آخرين.

ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة لِيُمحَى الشك، ويزول الريب، وينجلي اللبس، ويعلم الإنجليز وغير الإنجليز أنه إنْ ذَهَبَ صدقي باشا ففي مصر عبد الفتاح، وأن مصر والحمد لله ما زالت غنية بالرجال الأقوياء الذين يعرفون كيف يكون الحزم والعزم وكيف يكون البطش والبأس، وكيف تكون الإرادة والتصميم.

فإذا كان المصريون قد خافوا صدقي باشا فيجب أن يخافوا عبد الفتاح باشا. وإذا كان الإنجليز قد وثقوا بصدقي باشا فيجب أن يثقوا بعبد الفتاح باشا؛ فليس بين الرجلين فرق قليل ولا كثير، كلاهما يعرف كيف يحارب الخصوم، وكلاهما يعرف كيف يهزم الخصوم.

وإذا كانت وزارة صدقي باشا قد اعتمدت على خوف المصريين وثقة الإنجليز، فأقامت في الحكم أكثر من ثلاثة أعوام، فقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على خوف المصريين لأنهم سيخافونها — نستغفر الله — ما هذه السير؟ من أين جاءت؟ وإلى أين تريد؟ فالمصريون يخافون الوزارة بالفعل، لا ينتظرون بهذا الخوف مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا.

وقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على ثقة الإنجليز لأنهم سيثقون بها — نستغفر الله — بل هم واثقون بها منذ ارتقت إلى مناصب الحكم. وإذن فهي تستطيع أن تعتمد بيمينها على الخوف الذي يهز قلوب المصريين وبشمالها على الثقة التي تملأ قلوب الإنجليز، وأن تمضي في طريقها آمنة مطمئنة، فهذه الطريق طويلة طويلة، ليست أقل طولًا من طريق صدقي باشا، ولعلها أن تكون أكثر طولًا، ولعل الوزارة لا تقطعها قبل عشرة أعوام، فما الذي يمنع الرجل الطيب بعد أن صدر تشريع المحامين من أن يكون سعيدًا مسرورًا وراضيًا محبورًا؟! فهو قد اطمأنَّ منذ أمس — ومنذ أمس ليس غير — على أن وزارته صالحة للبقاء الطويل.

كان صدقي باشا يداوره ويناوره، فقد عجز صدقي باشا عن المداورة والمناورة وأصبح لا يُقْدِم إلا لِيُحْجِم، ولا يكر إلا ليفر، ولا يسترد استقالته إلا ليطلب إجازة!

كان صدقي باشا يخاصمه في الكثرة البرلمانية، فقد سلمت له الكثرة البرلمانية، وأي كثرة كان صدقي باشا ينازعه في الحزب؟! فقد سلم له الحزب، وخلصت أمامه الطريق.

كان صدقي باشا يتهمه بالسذاجة؛ فقد ظهر أنه أقل الناس سذاجة وأبرعهم في السياسة وأقدرهم على حزم الأمور منذ أمس ومنذ أمس ليس غير، أقامت الوزارة لنفسها وللمصريين وللإنجليز أوضح الأدلة على أنها ليست وزارة أيام ولا وزارة أسابيع ولا وزارة أشهر، وإنما هي وزارة أعوام وأعوام.

ذلك أنها برهنت للمصريين وللإنجليز على أنها كوزارة صدقي باشا حذوك النعل بالنعل، لا تخاف شيئًا ولا ترهب شيئًا، ولا تحجم عن شيء ولا تتردد في شيء، كلها مضاء مهما تكن الظروف، وكلها قوة مهما يكن الخصوم.

تكره جماعة من المحامين وتريد أن تقصيهم عن نقابة المحامين فلا يمنعها مانع، ولا يدفعها دافع عن أن تشرع للمحامين قانونًا لا عهد للناس بمثله، وتجر أحكامه على الماضي! ثم يجتمع البرلمان فينظر في هذا القانون في سرعة لا تعدلها إلا سرعة الضوء، ويقر هذا القانون في كثرة تشبه الإجماع، ويرجئ من أَجْل هذا القانون أجلَّ المسائل خطرًا، وأعظمها في حياة الناس أثرًا، لا يتعجل التفكير في السياسة، ولا يتعجل التفكير في المال، ولا يتعجل التفكير في الاقتصاد، ولا يتعجل درس خطبة العرش التي هي برنامج الحكومة، ولا يتعجل الرد عليها، وإنما يجتمع لهذا التشريع ويفكر في هذا التشريع وينظره ويتم النظر فيه، ثم يتفرق لينفق الأعضاء أيام راحتهم هادئين، حتى إذا انقضى الأسبوع عادوا هادئين فنظروا فيما عندهم من الأعمال.

أي قوة تشبه هذه القوة؟! وأي عزم يشبه هذا العزم؟! وأي حرصٍ على المصلحة يشبه هذا الحرص؟! لا تذكر الأزمة المالية فلو كانت موجودة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر مسألة الدين فلو كانت قائمة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر تلك الفضائح المنكرة التي امتلأ بها الجو المصري منذ أسابيع فقد نسيتها الوزارة ونسيها البرلمان، ونسيها الناس.

ليس في مصر شيء يستحق تفكير الوزارة والبرلمان إلا نقابة المحامين. كانت خطرًا دائمًا أشد من خطر الحرب، أشد من خطر الجوع المهلك، أشد من خطر الجفاف المحرق، أشد من خطر الأوبئة الجائحة؛ لذلك فرغت لها الوزارة والبرلمان أسبوعين حتى فرغت منها وأنقذت مصر من شرها الداهم وبلائها المبين!

الغريب أن أئمة المساجد لم يُؤمَروا وأن قسس الكنائس لم يُؤمَروا بإقامة صلاة الشكر لسلامة مصر من هذا الخطر العظيم! والغريب أن رجال الإدارة لم يقبلوا من الأقاليم على رأس الوفود الضخمة يرفعون إلى الرجل الطيب وزملائه الأبطال شكر الشعب وثناءه لأنهم أنقذوا مصر من هذا الخطر العظيم. الغريب أن المدن لم تتزين وأن الحفلات لم تقم وأن الصحف لم تمتلئ بالرسائل البرقية التي تفيض شكرًا لله وللوزراء لنجاة مصر من هذا الشر العظيم.

إن قلوب المصريين لقاسية، وإن نفوس المصريين لجاحدة، وإن كفر المصريين بالنعمة لشيءٌ يملأ القلوب غيظًا واشمئزازًا. ومع ذلك، فالوزارة تخدم المصريين لوجه الله لا تنتظر منهم شكرًا ولا تبتغي منهم ثناء، بل لا تنتظر منهم رضًا ولا تخاف منهم سخطًا، تخدمهم رغم أنوفهم؛ لأنها أعلم منهم بمصالحهم وأبصر منهم بمنافعهم.

والغريب بعد هذا كله أن صحف اليوم التي صدرت في الصباح كلها مخزونة آسفة؛ لأن المحامين لن يشتركوا في الحفلة الرسمية التي ستقام في عيد القضاء، ولأن سياسة الوزارة هي التي دعت إلى هذه الفرقة وحالت بين الأسرة القضائية وبين أن تشترك في إحياء عيدها كما تشترك في احتمال الأثقال التي يفرضها عليها العدل.

أفرأيت أشد عقوقًا وإنكارًا للجميل وميلًا إلى الصغائر وإعراضًا عن عظائم الأمور من هذه الصحف؟! ماذا؟ يصدر أمس قانونٌ ينقذ المحاماة من مكرم وأصحابه، وينقذ البلاد من هذه النقابة الخطرة ويردُّ عن مصر أقبح الكوارث وأشنع الخطوب ويجعلها جزءًا من أوروبا حقًّا ويرفعها إلى مكانة البلاد المتحضرة الراقية، ثم لا تجد هذه الصحف حديثًا تَسُوقه إلى قرائها إلا هذه الفرقة التي أحدثتها الوزارة في أسرة القضاء!

أين هذه الصحف؟! كيف تفكر؟! أيهما آثر عند مصر وأحب إليها؛ أن تحدث هذه الفرقة في الأسرة القضائية فتكون حفلة في الأوبرا لا يشهدها المحامون، ثم إذا أقبل الليل كانت حفلة في سيمراميس، وأخرى في هليوبوليس أم أن يخطب مكرم في الأوبرا بين يدي جلالة الملك وبمحضرٍ من الرجل الطيب وزملائه الأبطال؟!

لو فكَّرَتْ هذه الصحف وقدَّرَتْ لما احتاجتْ إلى أن يُلْقَى عليها مثل هذا السؤال ولعرفت أن كل شيء أهون من أن يدخل مكرم الأوبرا وفيها جلالة الملك وفيها الوزراء، فضلًا عن أن يقوم في الأوبرا خطيبًا ناطقًا بلسان المحاماة دون هذا وتستقيل الوزارة. وهل في استقالة الوزارة خير؟! وهل رأيت وزارة تسعى إلى الاستقالة؟! وهل استقالة الوزارة إلا النكبة الكبرى والكارثة العظمى والخطر الذي لا يستطيع أن يثبت له المصريون؟!

كل شيء بخير! قد سلمت مصر من نقابة المحامين، وسلمت الوزارة من خطبة مكرم، واستقام كل شيء لكل إنسان، فلم يبقَ إلا أن نبتهج ونغتبط، تبتهج مصر كلها بما قُدِّرَ لها من النجاة، وتبتهج أسرة القضاء مفترقة بعيدها السعيد، وتبتهج الوزارة لأنها قد انتهت بالسياسة المصرية إلى أقصى ما يطمع فيه المصريون، وهل يطمع المصريون في شيءٍ كما يطمعون في هذا الوفاق والوئام والاتحاد الذي وصلت بهم الوزارة إليه؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.