كان مثالًا نادرًا في هذا الشرق للحياة العلمية الخالصة، وكان مثالًا نادرًا للصبر والمثابرة، وكان مثالًا نادرًا لطيبة النفس وحسن السيرة، فنعيه خبر لا يُجتَزَأ بذكره في أخبار الوفيات أو في ثنايا الصحف، ولكنه حادث من حوادث العصر تسير به الأنباء وتستخرج منه العظات.

لا نعرف رجلًا في الشرق الحديث قضى حياته كلها للعلم والتعليم، عاكفًا على الدرس بين الكتب والأوراق، لا يشغله عنها شاغل من ملاهي الحياة كما انقضت تلك الحياة المباركة التي انطوت اليوم بوفاة الدكتور صرُّوف، ولا نستثني من ذلك إلا فردًا أو فردين نتمنَّى لهما طول العمر وتيسير الظروف وحسن الإفادة وطيب الجزاء.

ولسنا نعرف مجلة في الشرق كله عمرت ما عمره المقتطف، وأفادت ما أفاده في نشر المعارف وتنوير الأذهان وتحبيب القراء في العلم والدراسة، ولسنا نوليه غير حقه من الثناء حين نقول إنه كان في حياته المديدة خيرًا من مائة مدرسة تعلِّم طلَّابها القشور وتُعنَى بظواهر المعرفة أضعاف عنايتها بالفهم الصادق المفيد.

ولقد كان المقتطف مجلة علم حديث، تخص العلوم بمكانها الأول، وتعرض للآداب من ناحيتها القريبة إلى تحقيق العلم وتجريب العمل، ولكنها على هذا أفادت الأدب خير ما أفادته مجلة في اللغة العربية، ووجهت كثيرًا من القرائح إلى قراءته والشغف به والتوسع فيه، وكاتب هذه السطور يذكر أنه لم يعرف اسم المعري إلا من المقتطف، فكان ذلك أول عهده بقراءة شعره ونثره والبحث في فلسفته وأفكاره.

وكان أول اطلاعي على المقتطف في أعداد منه متفرقة، بعضها قديم وبعضها حديث، رأيت في أحدها مقالًا عن المعري، ومعه — فيما أذكر — مقال عن «الطائر الطنان»؛ فأقبلت من ذلك الوقت على هذه القراءات، وفهمت منذ ذلك الحين أن العناية بالطير والتأمل في خلائق الله ليست بالعبث الذي يلام عليه الصغير، ولا هي بالولع الفارغ الذي يستحي منه التلميذ المجتهد ويتوكل به أهل البطالة، وذكرت له هذه اليد حين كتبت عن المعري بعد بضع عشرة سنة، أدرسه وأقابل بينه وبين دارون وشوبنهور، فوجدت كثيرًا من السرور في أن أكتب تلك المقالات في المقتطف صديق طفولتي القديم، ولَذَّ لي أن أعرِّف أمثالي من الناشئين بالمعري على الصفحات التي عرفت منها اسمه، وتلمَّست منها ذكره وشعره، وإن أمثالي في هذه الفائدة لكثيرون بين قراء العربية من كل قبيل.

رأيت صروفًا — أول مرة — في دار المقتطف والمقطم يوم أن كانت على مقربة من شارع عبد العزيز، ودعاني إلى زيارته أبيات من الشعر قرأتها في رحلة لامارتين إلى الشرق ينسبها إلى شاعر من شعراء لبنان؛ فأردت أن أعرف ذلك الشاعر وأن أطَّلِع على ديوانه إن كان له ديوان، وخطر لي أن أسأل عنه أَوْلَى الناس بمعرفته من علماء لبنان وأدبائه في هذه الديار، فقصدت دار المقتطف واستأذنت على الدكتور، فألفيته بين المجلات والكتب والمسودات، يُعِيد نظره في بعضها، ويوقع عليها بما يراه، وسألني عن مقصدي فأخبرته به فتبسَّم، ثم تأمل قليلًا ونهض إلى بعض الكتب يتصفَّحها ويقلِّب فهارسها، وأطال في ذلك حتى خجلت من تضييع ذلك الوقت عليه، وصرفه عن عمله الذي كان منصرفًا إليه، وهممت بالتسليم فاستمهلني قليلًا ثم اعتذر، وأحالني على بعض الأدباء من السوريين عسى أن يكونوا على علم بصاحب تلك الأبيات، فشكرته وفي نفسي إعجاب بوداعته وصدق رغبته في الإفادة ولطف حديثه الذي يشفُّ عن المودة وسلامة الطوية، ورأيته بعد ذلك مرات، فما تغيَّرَتْ تلك الصورة التي رأيته عليها أول مرة، وما اختلف في منظره ولا في وداعته ولا في صدق ميله إلى العلم والمتعلمين أقل اختلاف.

وكان هذا العالم الجليل على صراحة مأنوسة يتذاكرها عارفوه بالمحبة والإجلال، فلا يدَّعي علم ما لا يعلم ولا يتردد في الاعتراف بما يفوته علمه والاطلاع عليه. لقيته على أثر انتخاب برجسون للأكاديمية الفرنسية، فحادثته في آراء هذا الفيلسوف والمقابلة بينه وبين وليام جيمس الذي يعرف عنه الدكتور غير قليل، فقال لي إنني لم أقرأ شيئًا لبرجسون هذا، ثم ضحك وقال: أيُعجِبك هذا الاعتراف ممن يسمون فلاسفة! قلت: إن في هذا الاعتراف يا أستاذ لشيئًا كثيرًا من الفلسفة الحقيقية. قال: حسن! ولكني أصارحك أنني لا أفهم هؤلاء الذي يخبطون فيما وراء الطبيعة ولا أدري لهم أولًا من آخر. فتحت كتاب ابن رشد فيما بعد الطبيعة، فما تجاوزت منه الأسطر الأولى حتى مللت وضاق صدري بأحاجيه ومعمياته، وأقفلته وما أتيت فيه على صفحة. إني لا أعرف كيف يفهم هذا الكلام.

على أنه كان يضع الصراحة في مواضعها، ولا يحب أن يصدم بها معتقدًا أو يهجم بها على شعور. وكانت سنته في الكتابة أن يقرر الحقائق كما هي، ويدعها تعمل عملها في النفوس والأفكار، فإن وافقت العقائد فذاك وإن لم توافقها فالفوز بينهما للصالح الرجيح، وسألته في هذا الرأي يومًا فقال لي: إنني أعرف طريقين لعبور التيار: إحداهما أن تقطعه من شط إلى شط في خط مستقيم لا تنثني أمام عقبة ولا تَحِيد عن قوة مانعة فتصل أو لا تصل، والأخرى أن تماشي التيار حتى تصيب منه منفذًا إلى سبيلك، فأنت بالغ إلى غايتك من سبيل طويل، ولكنه مأمون.

وكان يحب الأمثال، ويُحسِن أن يضربها، ويستشهد بها في مواطن الاستشهاد. جرى ذكر منافسة غير شريفة بين بعض الكتاب، فقال رحمه الله: كنت أرى في صباي أطفالًا يلعبون الكرة، فألاحظ أن فريقًا منهم كانوا يَعدُون أمام أصحابهم ليسبقوهم إلى التقافها، وأن أطفالًا آخرين كانوا يجذبون أصحابهم إلى الوراء ليمنعوهم من الوصول إليها. قال: فهاتان وسيلتان للمنافسة؛ إحداهما تنشط بالهمة إلى السبق والتقدم، والأخرى تقعد بالمرء وبمن ينافسه عن الوصول، والثانية — وا أسفاه — هي الغالبة على الشرقيين.

والذين يتابعون المقتطف يعلمون أن العالِم الفقيد كان من أصحاب الوسيلة الأولى في منافسة المساجلين ومسابقة العاملين معه على نشر المعارف والآداب، فما اعتدى على أحد منهم ولا بالغ في رد الاعتداء، ولكنه كان يَمضي على منهاجه في وقار الحكيم، وتؤدة الحلم، وثقة المطمئن إلى غايته العازف عما حوله، فما يذكر الذاكرون له إلا أدبًا جمًّا، وخلقًا رضيًّا، وتكريمًا للعلم، وإعراضًا عن الجاهلين، وإنه ليمضي مبكي السجايا كما مضى مبكي المعارف، وينعاه النعاة اليوم وما في الشرق إلا لسان هاتف بالأسف عليه، ذاكر بأجمل الثناء وأحسن التقدير.

وعزاء المفجوعين في الفقيد — وعالم العلم والأدب كله مفجوع فيه — أنه قدم بين يديه عملًا نافعًا لا ينقطع مده ولا ينفد عده، وأنه يبقيه بعده مكفول البقاء والتقدم في أمانة خلفائه الحريصين على ذلك الأثر الخالد الجليل، وإنهم بذلك لجديرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.