ليس من السهل على الكاتب أن يبدي رأيه عن رجال الأدب في القرن التاسع عشر؛ لقرب ذلك العهد من وقتنا الحاضر، فكأنا نرى بعيني رأسنا رجال ذلك القرن، وكأنا نعاشرهم ونحادثهم، وتاريخ الآداب يقضي بأن يكون بين الناقد ومن يتصدى لنقده زمن طويل. بيد أننا لو سبرنا غور ذلك العهد، وبحثنا عن أسراره بحثًا مستفيضًا، لما غاب عنا ذلك التطور الكبير الذي أنتجته الحوادث السياسية والاجتماعية في آداب اللغة الإفرنسية في ذلك القرن، ونعني به ما قام به كتاب ذلك العصر من الحركة الجديدة التي قضت على القوانين القديمة، بعد أن سلكوا طريقًا جديدًا ساروا فيه بأقدام ثابتة ونفس آمنة وراء الخيال والشعور والعواطف، وما كان للخيال والشعور قبل ذلك أثر في آداب اللغة، ونشأ عن ذلك الشعر الوجداني والروايات. وكان للعلوم الحديثة التي ظهرت في ذلك القرن تأثير كبير على الآداب، فسلك الأدباء مسلك العلماء في تقرير النظريات وتمحيصها وإثباتها، فنشأ علم النقد من العدم، ووجد علم التاريخ أساسًا ثابتًا يرتكز عليه، وتنوعت أساليب اللغة، وتعددت مفرداتها، وانتقل إليها عدد كبير من مفردات اللغة الإنكليزية والألمانية، وظهر في آدابها تأثير هاتين اللغتين. ويجمل بنا أن نقول: إن أول من اختط هذه الشرعة الجديدة وجرى في مضمارها شوطًا بعيدًا فسارت على آثاره جميع الكتاب — هو فرانسوا رينيه شاتوبريان كاتب فرنسا العظيم في القرن التاسع عشر.

ولد شاتوبريان في بلدة سان مالو في الرابع من شهر سبتمبر عام ١٧٦٨. ولما بلغ العشرين أتى لباريس دون أن يحظى بقسط وافر من العلوم والآداب، حاملًا بين جنبيه نفسًا حزينة كئيبة لا يعلم سر أحزانها وآلامها، وما كان ذلك الحزن العميق إلا نتيجة لحياته المضطربة التي قضاها في بلدته. فلما أتى باريس خالط رجال الأدب، وود أن يقتفي أثرهم، ولكنه سافر لأمريكا عام ١٧٩١ للسياحة، وأفادته تلك السياحة كثيرًا في تكوين خياله وإنماء عواطفه. وعاد إلى أوروبا حينما بلغه خبر حروب لويس السادس عشر. ثم سافر إلى إنكلترا، وطبع فيها سنة ١٧٩٧ كتابه عن الثورات، ولم يكن كتابه ذا قيمة كبيرة، بل ولم تظهر فيه آراؤه التي اشتهر بها بين مواطنيه، وهي الإيمان بالدين المسيحي والتفاني في حب الملكية. وعاد إلى فرنسا عام ١٨٠٠، وطبع فيها روايته «آتالا» عام ١٨٠٢ وروايته «رينيه» ١٨٠٥ وكتابه «الشهداء» عام ١٨٠٦ وكتابه «الطريق بين باريس والقدس» عام ١٨١١. ثم انتخب في الأكاديمية الإفرنسية، وألقى في قاعتها خطبته التي ندد فيها بالحكومة، وجر عليه ذلك غضب نابوليون الأول بعد أن كان على وئام معه. ولما عاد آل بربون للعرش انحاز لجانبهم، واشتغل بالسياسة ثم اعتزلها عام ١٨٣٠، مكرسًا نفسه لكتابة كتابه العظيم «ميموار دوتر تومب» دون أن يقلب ظهر المجن لآل البربون.

ولم تنشأ أحزانه النفسانية عن فقر واحتياج؛ لأنه قضى حياة سعيدة في مأمن من نكبات الحياة، ولكنه كان ذا نفس حساسة وطبيعة ثائرة وعظمة كبيرة وأنانية دائمة، فلم تَرُق في عينه تلك الحياة السعيدة التي لم ينقصه فيها شيء، واحتقر تلك المظاهر الخداعة الكاذبة، ولهذا عاش ومات كئيب النفس يحمل بين جنبيه تلك الأوجاع وتلك الشجون التي ظهرت في جميع ما خطته يده، وكان لها تأثير كبير على كُتَّاب ذلك القرن.

روايته رينيه: لم يتوخَّ شاتوبريان في روايته تحليل أخلاق شخص من أشخاص الحياة، ولكنه عمد إلى درس ما بنفسه من هموم وأوجاع، وما كان لهذه الهموم وهذه الأوجاع سبب من الأسباب الخارجية، بل كان مصدرها نفسه الهائمة المضطربة. واختار لروايته بطلًا سماه رينيه نشأ في جوٍّ لم يجد فيه ما تصبو إليه نفسه، وساح كثيرًا ولكنه لم يستفد من سياحاته شيئًا يذكر، ولم يرق في عينه المجتمع الإنساني، فعمد إلى الانتحار، بيد أنه لم يقدم عليه لمصيبة كبرى قوضت دعائم قلبه، وكانت سببًا في نجاته، ولكنها لم تشفه من آلامه وهمومه. وقد شرح شاتوبريان في هذه الرواية حقيقة نفسه، بل حقيقة نفوس الكتاب والشعراء في ذلك العهد، فهي تاريخ للحياة الأدبية عام ١٨٠٠، ولم يكن هذا الداء — داء الهموم والأوجاع من غير سبب — قاصرًا على الأدباء في فرنسا، فقد وجدناه جليًّا واضحًا في رواية «فرتر» للشاعر الألماني جوته، وفي جميع ما دونه الشاعر الإنكليزي بيرون من أشعاره العبقرية، وفي كتب جان جاك روسو … وغيرهم. وأصبح هذا الداء مذهبًا من المذاهب الأدبية وقاعدة من قواعد الهيئة الاجتماعية في ذلك العهد.

كتابه «عبقرية الدين المسيحي» La Genie du christianisme: إذا أردنا البحث عن نظريات شاتوبريان الأدبية التي جعلته رئيسًا لمذهب أدبي جديد تَحتَّم علينا أن نقرأ هذا الكتاب لنعرف حقيقتها؛ فقد شرح فيه شاتوبريان تفوق الدين المسيحي وما أحدثه من الإصلاحات في الأخلاق والعادات والآداب والفنون. وقسم كتابه إلى أربعة أقسام، خص القسم الثاني والثالث منها بجمال الدين المسيحي ونفوذه الكبير، وبرهن فيهما عما أحدثته المسيحية من رقي الشعور والعواطف التي لم يكن لها أثر عند الكُتَّاب أيام الوثنية. وحلل أخلاق الأمهات والآباء والأبناء والجنود والكهنة في العهدين، وأظهر للقارئ الفرق واضحًا جليًّا، فما كانت قيمة هذا الكتاب؟

لام النُّقاد شاتوبريان استعماله المسيحية كآلة لخدمة الفنون والآداب، ورأوا فيما كتبه نظرات سطحية عن الدين من غير استقراء في حقيقته. ولقد صدق النقاد فيما ارتأوه، بيد أن قيمة الكتاب لم تكن بما كتب فيه عن الدين المسيحي، بل بما احتواه من المنهج الجديد الذي حتَّم على الكتَّاب أن ينفضوا أيديهم من غبار الماضي، ويسلكوا طريقًا جديدًا للآداب والفنون، وهذا هو سر شهرة الكِتاب وإحلاله المقام اللائق به، فهو أول كتاب خَطَّ للكُتاب شِرعتهم الجديدة.

كتابه «الشهداء»: أراد شاتوبريان أن يكتب كتابًا تظهر فيه آراؤه جلية واضحة في شكل قصيدة منثورة يبين فيها تفوق آداب الدين المسيحي عن آداب الميثولوجيان Mythologie في عهد الوثنية، فاختار عهد الاضطهادات في القرن الرابع؛ أي عهد النضال بين المذهبين المسيحي والوثني، وكتب كتابه «الشهداء»، ولكنه لم ينجح فيه نجاحًا كبيرًا؛ لما أتى به من الخرافات والأكاذيب، ولكنه نجح في تحليل أخلاق بعض أشخاص الكتاب كأيدور Eudore وسيمودوسه Cymodocee وفلليد Vellede.

نهضة شاتوبريان: يعد النقاد شاتوبريان كاتبًا قديرًا خدم اللغة الإفرنسية خدمة يدونها له التاريخ، فهو أول من ابتدع الخيال والتصوير في النثر بعد أن كان مفتقرًا لهما، ولكنهم يلومون عليه ما يشعر به القارئ عند قراءة كتبه بشيء من التحليل في الأسلوب. بيد أنه رغم ذلك بَحَثَ في آلام النفس وأوجاعها، وأدخل الخيال والعواطف في النثر، وأوجد بما كتبه الأساس الأول للشعر الوجداني؛ ولهذا أطلق عليه النقاد لقب مؤسس المذهب الرومانتيكي.

(معربة بتصرف كبير عن كتاب «دوميك».)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.