كان اجتماع الرؤساء الثلاثة للدول الكبرى في القرم — أثناء شهر فبراير الماضي — هو الخطوة الأولى الحازمة الحاسمة لمحاولة تنظيم القوة والتسلط بين المنتصرين. ففي ذلك الوقت كان الرؤساء الثلاثة قد استيقنوا بأن بلادهم قد كسبت الحرب كسبًا نهائيًّا، وبأن التسجيل الرسمي لكسب الحرب قد يتم في أيام، أو في أسابيع، ولكنه سيتم من غير شك. وكانوا من أجل ذلك قد قرروا أن يستعدوا لإنشاء العالم الجديد على أساس من تسلط المنتصرين. وكان العالم يظن مخطئًا — فيما يظهر — أن النصر لم يكن مقصورًا على الدول الثلاث الكبرى، وإنما كان شائعًا بين جميع الذين عملوا له وشاركوا فيه، سواءٌ منهم من امتُحن في أول الحرب وألقى السلاح بعد أن جاهد ما وجد إلى الجهاد سبيلًا — كفرنسا وبلجيكا وهولندا — ومن لم يشارك في الحرب مشاركة فعلية تصورها كثرة الجند ووفرة السلاح، ولكنه أعان الحلفاء ما استطاع أن يعينهم بما كان يملك من قوة وجهد؛ فأتاح لهم الثبات حينًا، وعصمهم من الهزيمة المنكرة حينًا آخر.

وكان العالم يعتقد مخطئًا في أكبر الظن أن هذا النصر الذي كسبه الحلفاء جميعًا سيؤتي ثمره للحلفاء جميعًا، فلا يكون بينهم متسلط ولا مقهور. وإنما يشهد العالم في المرة الأولى للتاريخ عدلًا شاملًا، وإنصافًا كاملًا، وتساويًا في الحقوق بين جميع الذين شاركوا في قهر العدو واضطراره إلى التسليم. كان العالم يظن هذا — بل كان يؤمن به — ولكنه لم يكد يرى النتائج التي انتهى إليها مؤتمر يالتا حتى أحسَّ شيئًا منكرًا من خيبة الأمل، وعرف أن الضعفاء لم يزيدوا على أن خدموا سادتهم من الأقوياء، وأن هذا النصر العظيم لن يكون شركة عادلة بين المنتصرين جميعًا، ولن يزيد على أن يكون شركة بين المتفوقين في القوة والممتازين في عدد الجند وكثرة السلاح.

ويجب أن نسجِّل الحق، فنقرر أن فرنسا كانت أول من أنكر هذا الاستئثار، وسخطت على هذا الاستبداد بثمرات كان ينبغي أن تقسم بين المنتصرين جميعًا.

فقد أنكرت فرنسا ما ذهب إليه الرؤساء الثلاثة من استئثار بالتسلط على العالم، وانفراد بتصريف الأمر فيه. ورفضت أن تكون داعية لمؤتمر سان فرنسيسكو، وآثرت أن تنحاز إلى نفسها على أن تعترف بهذا التفوق الذي انتزع من المنتصرين انتزاعًا.

وعلى رغم هذا كله، ذهب الرؤساء الثلاثة مذهبًا غريبًا، أقل ما يوصف به أنه كان يقوم على الخداع والتضليل أكثر مما يقوم على أي شيءٍ آخر؛ فهم قد جعلوا مؤتمر سان فرنسيسكو مطمعًا عزيز المنال، وقرروا ألَّا يشترك في هذا المؤتمر إلَّا الذين يعلنون الحرب الرسمية على ألمانيا واليابان. وخيَّلوا بذلك لبعض الأمم المحايدة — ولبعض الأمم غير المحاربة — أن إعلان الحرب على المحور سيكون وسيلة خطيرة إلى غاية خطيرة هي الاشتراك في تنظيم العالم، ووضع الأسس للحياة الإنسانية الجديدة، على أن يكون العدل والمساواة قوامًا لهذه الأسس، وملاكًا لهذا العالم الجديد.

وقد انخدع العالم بهذه الحيلة، فاستبقت أمم كثيرة إلى هذه الخطوة المضحكة، وأعلنت الحرب على ألمانيا واليابان، بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا واليابان. وكانت مصر بين هذه البلاد المخدوعة التي ظنَّت أنها ستفيد من إعلان الحرب على المحور فوائد لا تكاد تحصى ولا تستقصى. وقد جعلت هذه البلاد تتهالك على الحرب المنقضية كما يتهالك الفراش على النار. وإذا هي تعلن الحرب في غير طائل، وتتَّخذ في سبيل هذا الإعلان إجراءات لم تكن في حاجة إلى اتخاذها، وتندفع في ذلك غير محتاطة ولا متحفظة … قد وثقت بالوعود وانخدعت بالآمال، وخيِّل إليها أن الدول الكبرى لا تهزل في مواطن الجِدِّ، ولا تتخذ الخداع الصريح وسيلة من وسائل السياسة.

ثم ينعقد مؤتمر سان فرنسسكو، فتتكشَّف الحوادث عن هذه المأساة المضحكة — أو الملهاة المحزنة — وهي أن الدول الكبرى الثلاث، أو الأربع أو الخمس، لم تتخذ هذا المؤتمر إلَّا وسيلة إلى التكاثر والتنافس والتفوق بكثرة ما تحرز من الأصوات حين يجدُّ الجد، وحين يشجر بينها الخلاف.

فأمَّا الولايات المتحدة فاعتزَّت بالدول الأمريكية الجنوبية، وأمَّا الروسيا فاخترعت لنفسها من نفسها دولًا تؤازرها وتناصرها، وأمَّا بريطانيا العظمى فاعتزَّت بإمبراطوريتها وبمستعمراتها المستقلة، وبالدول التي تخضع لنفوذها خضوعًا ظاهرًا ومستترًا.

وكذلك اختصمت الدول الثلاث الكبرى، واشتدَّ بينها الخصام، ثم اتفقت وحسن بينها الاتفاق. وكانت نتيجة المؤتمر أن قرر الأقوياء والضعفاء جميعًا تسليم الأمر إلى الدول الكبرى وحدها. وكانت النتيجة أيضًا أن الملايين التي ضحَّت بحياتها في سبيل الحق والعدل والمساواة قد ذهبت هباءً، وأن الحرب التي أنيرت في سبيل الديمقراطية ومحو الدكتاتورية في بعض البلاد قد انتهت إلى إقرار دكتاتورية عالمية، يسيطر فيها المنتصرون المتفوقون على المنتصرين والمنهزمين جميعًا.

وفي أثناء ذلك انتهت الحرب في أوروبا؛ فانتهت دكتاتورية هتلر لتقوم مقامها في الأرض دكتاتورية مثلثة أو مربعة أو مخمسة، قُلْ فيها ما تشاء …! ولكنها دكتاتورية على كل حال، لا تعبث بالأفراد ولا بالشعوب في جزء بعينه من الأرض، وإنما تعبث بالأفراد والشعوب جميعًا في جميع أقطار الأرض.

وكان رائعًا حقًّا هذا المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في بوتسدام، ولم يدع سان فرنسيسكو. كان كل ذلك خليقًا أن يجعل أمر القنبلة الذرية هينًا يسيرًا، وأن يضعها تحت تصرف العالم المتحضر، يمنع بها الظلم، ويرد بها المعتدي إلى الصواب. ولكن الأمريكيين لا يثقون بالعالم المتحضر، وهم من أجل ذلك لا يبيحون سرَّ هذه القنبلة الذرية لأحد من الناس، لا يُبِيحُونه للإنجليز والكنديين الذين شاركوهم في البحث والإنفاق، وأحرى ألَّا يبيحوه للروس الذين لم يشاركوهم في البحث والإنفاق. وإذن فيجب أن يسعى الإنجليز والكنديون إلى الاتفاق مع الأمريكيين على أمر هذه القنبلة: أتكون لهم جميعًا أم تكون للأمريكيين من دون الحلفاء والشركاء؟

وفي سبيل هذا السعي يسافر رئيس الوزارة البريطانية إلى واشنطون، ويغير رئيس الوزارة الكندية منهاج زيارته لأوروبا، فيعود إلى أمريكا ليشترك في هذا البحث. أمَّا الروس فيائسون من الأمريكيين ويثقون بأنفسهم … لقد وجد الأمريكيون قنبلة ذرية، فيجب أن يجد الروسيون قنبلة ذرية أخرى، ويقال إنهم وجدوها بالفعل. وأمَّا فرنسا فقد كانت هي المبكِّرة للبحث عن القنبلة الذرية، وهي التي سبقت إلى الاستكشافات الأولى، ولو أمهلتها الحرب لانتهت بالبحث إلى غايته، ولكن الحرب لم تمهلها، فأهدت ما ظفرت به إلى الإنجليز والأمريكيين.

وهي الآن قد استردت حريتها، ولكنها مضعضعة مزعزعة، مضطربة السياسة والاقتصاد. ومع ذلك فيجب أن تجد قنبلتها الذرية أيضًا، ولا ينبغي أن تتخلف بعد أن كانت سابقة. وإذن فهي تنشئ معهدًا خاصًّا للبحث عن القنبلة الذرية، وتقتطع لهذا المعهد من ميزانيتها المزعزعة المضعضعة مبلغًا ضخمًا ستتبعه مبالغ ضخمة. وإذن فلن تكون في العالم قنبلة ذرية واحدة، بل ستكون فيه على أقل تقدير قنابل ذرية ثلاث: إحداها عند الإنجليز السكسونيين — إن تم الاتفاق بين البريطانيين والأمريكيين — والثانية عند الروس، والثالثة عند الفرنسيين. وستصبح القنبلة الذرية سلاحًا كغيره من الأسلحة يكثر ويشيع، حتى يلغي بعضه بعضًا، وحتى يصبح خطره قليلًا ضئيلًا.

وليس العلم مقصورًا على هذه الأمم الثلاث، ولكن أممًا أوروبية أخرى قد تكون صغيرة، ولكن فيها علماء يستطيعون أن يبحثوا، ومعامل يمكن أن تجرى فيها التجارب. وإذن فاعتداد الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة الذرية إن كان خطيرًا اليوم فلن يكون خطيرًا غدًا، وسينظر العالم — أو سينظر سادة العالم — فإذا هم مضطرون إلى أن يختاروا بين اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن يستبقوا في الاختراع والاستكشاف، ثم ينتهوا بالاختراع والاستكشاف إلى غايتهما، فتكون الحرب المدمرة التي لا تُبْقِي على شيء، ويخلو العالم من هذا الإنسان المتمرِّد المغرور الذي لا يُرِيح ولا يستريح. وإمَّا أن يتفقوا على خطة سواء تنظِّم القوة تنظيمًا عادلًا، وتُخْضِعها للحق بعد أن خضع الحق لها دهرًا طويلًا، فتمضي الحضارة في سبيلها إلى الرقي، ويستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة حقًّا، وأن يستغلَّ مصادر هذه الطبيعة لما ينبغي أن تستغل له من إصلاح الحياة وترقيتها، وإباحة السعادة لهذا الإنسان الذي منح العقل ليكون سعيدًا، فلم يَعُدْ عليه العقل إلَّا بالبؤس والشقاء.

هذه هي الحال بين السادة المتفوقين الذين استغلوا العالم حتى انتصروا، والذين يريدون أن يستعبدوا العالم في السلم كما استعبدوه في الحرب، وهي حال تقوم — كما ترى — على الشك والخوف وسوء الظن. فأمَّا الضعفاء الذين أخلصوا في الحرب وضَحَّوْا بأنفسهم وأموالهم ولذاتهم ومرافقهم ليُعْلُوا كلمة الحق ولتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؛ فهم ينظرون فيرون أن العدل ينأى عنهم وقد كانوا يظنونه قريبًا، وأن الجور يسيطر عليهم وقد كانوا يحسبونه بعيدًا. وهم لا يزالون إلى الآن دهشين، يظنون أنهم لا يحلمون، وقد يطول دهشهم أو يقصر. ولكنه سيتخلى عنهم في يوم من الأيام، وستثوب إليهم عقولهم، أو سيثوبون هم إلى عقولهم، وسترى الأرض يومئذ أن عليها شعوبًا تؤثر أن تفنى على أن تستعبد إلى غير حد، وتستذل إلى غير مدى. ومن يدري؟ لعل الشعوب أن توفق في يوم من الأيام إلى إخضاع سادتها وساستها لشيء من القصد والاعتدال …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.