مدونات [٣٦٧٦–٣٧٠٠ من ٣٧٧٢ تدوينة]

  • خواطر في الحياة والموت
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٣٠ مارس ١٩٣٦

    كلما فكرت في أمر الموت ازددت حيرة، وكنت أظن أن إطالة الفكرة فيه رياضة حسنة عليه، وأن ذلك جدير بأن يصغر الدنيا في عيني، ويجعلني بالحياة أقل احتفالًا، فإذا الأمر على خلاف ذلك، والحال على نقيضه. وما أظن بغيري إلا أنه مثلي، وقد أقول لنفسي حين أخلو بها — وقلَّما أفعل هذا الآن: إن كون المرء يحيا ليموت ليس بالغاية أو النهاية التي يسكن إليها الحي ويطيب بها نفسًا، وما أشبه ما يفعل بنا هذا القدر الجاري علينا بما نصنعه نحن بخراف العيد؛ نسمنها لنذبحها آخر الأمر، وفرق ما بيننا وبين الخراف أن هذه تزداد لحمًا وشحمًا وأنَّا نزداد علمًا وفهمًا، ولا أدري من الذى قال إن الحياة مدرسة، ولكن الذي أدريه أنها أعجب المدارس وأخفاها — ولا أقول أقلها — حكمة؛ ذلك أن التعلم فيها يستمر إلى نهاية العمر، ولا سبيل إلى اختصار الأمر أو الاجتزاء ببعض العلم عن بعضه، لانتفاء الإرادة الشخصية، ولأن المدرسة هي الدنيا كلها، فلا خروج منها إلا بالخروج من عالم الأحياء، والعالم والجاهل سِيَّانِ، واللبيب كالغبي، والساعي في وزن القاعد، والمصير واحد، والمآل لا يختلف، وكل من في هذه المدرسة العجيبة يتلقَّى علومه الخاصة التي لا تشبه دروس غيره، ولا ترى أحدًا يسأله هل حذق الدرس أم أهمله ونَسِيَهُ؟ …

  • ذكريات طريفة عن شاعر النيل صديقي حافظ إبراهيم
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · نوفمبر ١٩٤٨

    لم تكن بيننا لا صداقة ولا عداوة حين عرفته، فقد كنت يومئذ فى سن الطلب والتحصيل، ولم يكن لى إلا تفكير يسير فى الأدب ومذاهبه، وكانت الرغبة فى الاطلاع والدرس عظيمة، ولكن اليد كانت قصيرة كما يقول المثل، وكانت كتب أبى وجدى عند أخى الأكبر رحمه الله، وقد ضيعها سامحه ربه، وتركها بوصية لمن لا يقرأ ولا يكتب! …

  • القوة لا السعادة
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٥ نوفمبر ١٩٣٥

    ضع يدك على عاتق من تشاء واسأله: «ما مطلبك في الحياة؟» يقل لك تسعة وتسعون من كل مائة تلقى إن المطلب هو «السعادة». ولا أدري ماذا عسى أن يكون جواب المتمِّم للمائة، ولكني أحسبه خليقًا أن يحوم حول ذلك ويجيء بسبيل منه. والسعادة — عندهم — هي المال والصحة والتوفيق في المساعي، فإلَّا تكن هذه، فهي الرضى والاطمئنان والسلامة، وقد تكون عند آخرين الاستغناء والقدرة على التجرد، ولكن هذه وسائل لا غايات، والمال لا يُطلَب لذاته، بل لما يفيده ويعين عليه ويمكن منه، والصحة مثله، والاستغناء هو الاقتدار على مقاومة إلحاح الرغبة ولجاجة الشعور بالحاجة، وكل ما يوصف من حالات السعادة ليست إلا وصفًا لحالات القوة؛ ذلك أن السعادة — فيما يرى الناس — هي الفوز بالمشتهى والنجاة من المخوف أو المرهوب، وتلك عُلْيَا مراتب القوة. …

  • خواطر
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٩ نوفمبر ١٩٤٥

    كتب إليَّ بعضهم يستشيرني في العيد كيف يقضيه! حتى عن هذا يسأل بعضُهم! وقد حرت كيف، وبماذا أجيب؟ ثم خرجت من المأزق الذي زج بي فيه سؤاله بكتاب وجيز، هذا بعض ما فيه: «والشرط في العيد أن يشتري لك سواك كسوة، فإذا لم يوفقك الله لهذا، أو كنت ممن يَشترون ولا يُشترى لهم، فلا عيد لك. …

  • خواطر عن الطفولة
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٠ ديسمبر ١٩٣٠

    اتفق لي مرة — مذ أعوام لا أذكر عددها — أن لقيت في دار الكتب المصرية الشاعر حافظ بك إبراهيم، فجرى بيننا ذكر ابن الرومي — وكنت يومئذٍ أنسخ ديوانه — فقال حافظ بك على عادته في التواضع: إنه يعجب لهذا الشاعر كيف وسعه أن ينظم ثلاثمائة بيت في مولود ليس له في الدنيا شأن ولا عمل ولا أثر، على حين لا يستطيع هو — حافظ بك — إلا بالجهد الشديد أن ينظم بضع عشرات من الأبيات في إنسان تام الرجولة مكتمل الحياة. …

  • حديث الأحد: الشجاعة (١)
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٢ أبريل ١٩٤١

    «ما هي الشجاعة؟» سؤال ألقيته على نفسي في ليلة صيفية مقمرة، وكنت على الشرفة أنعم بسجو الليل، ورقة النسيم الذي حسبه الشاعر يجيء بأنفاس الأحبة نُعَّمًا!! فتذكرت ما أُنْذِرْنَا به مرارًا من الغارات في الليالي المقمِرة وما اضطُرِرْنا إليه من إطفاء الأنوار وإغلاق الشبابيك والقعود انتظارًا لفرج الله وعفوه، وكيف أني كنت في تلك الليالي أتجلد وأتشدد وأتظاهر بالاطمئنان ورباطة الجأش وسكون الطائر، وأعالج تقصير الوقت الذي يطول ويطول حتى لكأنه يوم الحشر، بالحديث، وأمازح أهلي وأتفكه معهم لأسري عنهم وأذهب الرَّوع الذي لعله داخلهم من هول ما يسمعون عنه من وصف الخراب والدمار والقتل الذي تصبه الطائرات على الآمنين غير المحاربين والعُزَّلِ المسالمين. …

  • حديث الأحد: النسيان
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٢ أبريل ١٩٤٢

    كان العزم أن أتناول في هذا الحديث كتابًا أهداه إليَّ صديق، وأويت البارحة إلى الفراش وأنا على ذكر منهما، حتى كدت آرَقُ، فلما طلع الفجر وتنفس الصبح، ألفيت نفسي قد نسيت كل شيء، أُنسيت أي صديق هو المتفضل بالهدية، وأُنسيت الكتاب واسمه وموضوعه، وأُنسيت أين وضعته أو تركته — أعني الكتاب لا الصديق — وكان آخِر عهدي به — الكتاب أيضًا — قبل أن أذهب إلى مرقدي بدقائق معدودات، فلم أدرِ ماذا أصنع؟ …

  • حب قديم
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة مجلتي · ٧ فبراير ١٩٤٨

    كنت تلميذًا في المدرسة الخديوية، فقلت لزميل لي كنت آلفه: «اسكت!» قال: «ما هي الحكاية؟» قلت: «أنا أحب!» وكنت متهلل الوجه من فرط فرحي بهذا الحب الجديد، وكنت أتوقع أن يهنئني ويبارك لي فيه، فإذا به — وكان أطول مني كما لا أحتاج أن أقول؛ فإن كل مَن خلَق اللهُ أطول مني — ينظر إليَّ من تحت إلى فوق، بغاية الازدراء ثم يقول: «تحب؟ …

  • تأملات عابر سبيل
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة مجلتي · ١٥ سبتمبر ١٩٣٦

    أراني كثيرًا ما أقول لنفسي وأنا سائر في طريق الحياة: «اسمع يا شيخ! إن الطريق لا آخر له فإن طوله عمر الدنيا، ولن تقطع إلا بعضه مهما جهدت، ولا قيمة لبضعة أمتار تضيفها إلى ما مشيت، وهذه شجرة لفاء اختلطت فيها بهجة الزهر بنضرة الخضرة، والظل تحتها وارف ممدود، وقد نقب الماء الصخر فتفجر عليه وسال منه، وانطلق يبقبق ويدردر، وهو يتدافع ويتراكب بين الحجارة، وقد طفت على وجهه الحباب واليعابيل، وما في جلسة هنا من بأس. …

  • حافظ الرجل
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة مجلتي · ٢ سبتمبر ١٩٣٢

    ليس هذا مقالًا عن حافظ الشاعر؛ فإن لهذا «كتابًا» سيصدر في أوانه ويشترك في وضعه الأدباء كلهم أو جلهم، ولكنَّمَا هذا مقال عن حافظ «الرجل» أو هو طائفة من الذكريات تخطر الآن بالبال. كانت قهوتا «جراسمو» و«متاتيا» مثابة الأدباء ومنتداهم، وكان المرء لا يعدم منهم واحدًا في أية ساعة من ساعات النهار أو الليل، فهذا يدخن النرجيلة في صمت ولعله يستعين بها على النظم أو التفكير، وذاك يلعب الشطرنج ويزجي به الفراغ ويقتل الوقت، وثالث في حفل من الأدباء أو الشعراء أو الأصدقاء، يتطارحون الشعر أو يتناشدونه أو يتبادلون النكات أو يفعلون غير ذلك مما يجري في المجالس العامة بين النظراء أو الإخوان. …

  • الوهم
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٣ نوفمبر ١٩٣٦

    أكثر ما يقعد بالإنسان عن الطلب أو يصده عن السعي أو يصرفه عن الإقدام وَهْمٌ لا حقيقة، وقَلَّ أن يقدم الذي يطول تفكيره ومشاورته لنفسه؛ ويندر أن يفوز بالطيبات في هذه الدنيا إلا الجسور أو «الفاتك اللهج» كما يقول بشار، أي الذي لا يتردد ولا يضيع الوقت والفرص في الموازنات والمعادلات وحساب العواقب والمغبات. …

  • الموت
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٩ نوفمبر ١٩٣٢

    رأيت الموت في صورة الشنع، وعرفت وقعه، ولذع مصابه، وهول معناه، وأنا صبي أتهجَّى وأحسب الحياة كرة تُضرب وحلوى تؤكل، وقد مات أبي على عيني وكان مهول الحلم، صليب الإرادة، قليل التَّشَكِّي، فلما حضرته الوفاة نادى أمي وأمرها أن تُرقده على القبلة، ثم ابتسم لي ودعاني أن أقبله، وفاضت روحه في عناقي حتى لخلته قد نام، ثم اختفى من بيننا؛ فغاب الخير كله، وشهدت جدتي لأبي وهي في سياق النزع أربعة أيام بلياليها، وكانت سِنُّها عالية، وأحسبها أَرْبَتْ على التسعين إلا أنها كانت قوية، فلما جاء أجلها جعلت تفهق، ولا تكف عن ذلك حتى اختارها الله، وماتت ابنة لي بين ذراعيَّ، وظلت حشرجتها ثلاث ساعات، وأنا أنظر إلى وجهها الصغير وأراعي عبث الموت به وتشويهه له، وأرى كيف يخبو ضياء الناظِرَيْن وتصبح العين كالزجاجة. …

  • الماضي والحاضر
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٣٠ مايو ١٩٣٨

    لقيت مرة صديقًا قديمًا أثيرًا عندي فسألني: «يا أخي أين أنت؟» قلت: «حيث تراني.» قال: «إنا لا نجدك في أي مكان.» قلت: «ذاك لأنك تبحث عني في حيث يوجد الناس عادة، وأنا لا أحب أن أكون حيث يكثر الناس ويزدحمون كالمواشي في الحظائر.» بعد هذه الفاتحة ذهبنا نتمشى واستطردنا في الطريق من حديث إلى حديث، فكان مما أذكر أني قلته له أني حُرٌّ كهذا الهواء لا سلطان لأحد عليَّ غير طبيعتي، أعمل ما أشاء، وأترك ما لا أرضى، ولا أكون في أي حال إلا على هواي، وأنا حريص على هذه الحرية الشخصية وضَنِينٌ بها وفي سبيلها ومن أجلها أهمل ما يُعْنَى به الناس غيري، وأصرف نفسي عمَّا تتعلق به النفوس مخافة أن يجني ذلك على حريتي ولو استطعت أن أبت صلتي بالعالم وأحيا بمعزل عنه لفعلت. …

  • القاهرة في عام الثورة
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة أخبار اليوم · ١٣ نوفمبر ١٩٤٨

    كنت فى سنة ١٩١٨ ناظرًا لمدرسة ثانوية حرة وإن كانت «تحت تفتيش» وزارة المعارف، وكان بينى وبين الوزارة خلافات لا تنقطع على طريقتى فى إدارة المدرسة، مثل إلغاء العقوبات، وفتح باب المدرسة على مصراعيه، ورفض استعمال «الدفاتر» الوزارية التى تحتاج إلى موظفين عديدين، وفى دفتر واحد ما يغنى عن هذا التل من الدفاتر، ولكن هذه حكاية أخرى ليس هذا وقتها. …

  • الفكاهة الشعبية
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٥ ديسمبر ١٩٣٥

    منذ بضع سنوات — عشر أو عشرين أو نحو ذلك — كان من المألوف في حفلات الزواج أن يرى المرء — في فترة استراحة المغنين — رجلًا ممن يُسَمَّوْنَ «أولاد البلد»، ينهض ويصفق، فيلتفت إليه المدعوُّون، ويعرفون من وجهه لماذا وقف؟ وماذا يبغي؟ وإذا برجل يبرز له في ناحية أخرى من السرادق، ويروح الرجلان يتساجلان؛ أي يتبادلان النكات أو ما كان القوم يسمونه «التأليث». …

  • الفضول وحد ما بين العام والخاص
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٠ يونيو ١٩٤٣

    زرت بلادًا كثيرة فلم أَرَ في بلد منها مثل فضول الناس في مصر، والفضول في الطباع، فهو غير مستغرَب في ذاته، ولكن في الطباع أيضًا كثيرًا ممَّا نعده نقائص وعيوبًا ونعالجه ونهذبه ونصقله أو نكبحه، أو نوجهه وجهة عامة نافعة، وسبيل المدنية أن توجِّه الغرائز والنزعات الإنسانية هذا التوجيه الذي يصلح به حال الجماعة ويستقيم أمرها. …

  • الفشر!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الهلال · أغسطس ١٩٤٧

    الفشر — أو الفيش، أو النفج، أو … بلغة المتحذلقين الذين لا يريدون أن تكون اللغة أداة مرنة، أو كائنًا حيًّا لا نعشًا لألفاظ ميتة يتعب الناس حملها، وحقها الدس في التراب — هو تحديث الناس بما يظن المرء أنه أبعث على الإعجاب به، وأدعى إلى حسن الرأي فيه، أو التمدح بالباطل، أو بأكثر مما عنده؛ فهو ضرب من الكذب، يقوم — في الأكثر — على المبالغة أو التوسع في القول بغير ضابط، أو الإسراف في التخيُّل. …

  • الطين الضعيف
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٨ مارس ١٩٣٧

    سألني صديق عن شيء لماذا أفعله أو أتركه — فقد نسيت — فكان ممَّا أذكر أني قلت له: إني أعيش الآن كما أحب لا كما يجب؛ فقد جاوزت الأربعين، والذي بقي لي من العمر ستفسده الشيخوخة المتهدمة لا محالة، حين ترتفع بي السن فلا يبقى لي حينئذٍ من لذة الحياة إلا الوجود بمجرده لو أن هذا يفيد متعة، فمن حقي في هذه الفترة — التي أرجو أن تطول قبل أن يدركني الذوي والذبول — أن أعتصر من الحياة كل ما يدخل في الطوق اعتصاره من المُتَعِ واللذاذات؛ فأنا أقرأ ما أشتهي، وأذهب إلى حيث أريد، وأجالس من آنَس به، ولا أبالي مَن غضب ممن رضي، فما في الحياة فسحة لمبالاة ذلك، وأطلق نفسي على السجية كلما وسعني ذلك، وليس للناس عليَّ أكثر من أن أؤدِّي واجباتي فيما عدا هذا. …

  • العيد في مصر
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ١٧ يناير ١٩٣٤

    العيد للصغار دون الكبار؛ أعني أن فرحته للحدث لا الذي علَت به السن، فما له في عقل العاقل أي معنى، وهو إذا حسن جدًّا وطاب الوقت فيه وصلح الحال، لا يعد أكثر من فرصة تتاح للراحة من عناء العمل وجهد السعي والمغامرة، ولست أدري كيف يغتبط الحي بتصرُّم الأيام، وكل يوم يمضي عليه يهدُّ منه ويدنيه من ساحل الحياة أو من منحدرها — إذا شئت — والأيام تبنينا لتعود فتهدمنا، حتى ليخيل إلى المرء أحيانًا أن بها مثل عبث الأطفال، أو طفرة الفجار من ذوي السلطان، وما أكثر ما أقول لنفسي إننا لسنا في هذه إلا كخراف العيد التي نربيها ونسمنها ونملؤها لحمًا وشحمًا لنكرَّ عليها بالسكين في البكرة المطولة من صباح العيد، وكذلك تفعل الأيام بنا، وقل إنها تسمننا والأغلب أنها تُعجفنا، ولكنها على الحالين تملؤنا تجارب ومعارف، ثم تطوي الكتاب طيًّا يمحو كل ما خط فيه من الفوائد، فلو أن ما أفدنا يبقى بعد أن نذهب، ولا يلف عليه الكفن الذي يلف علينا … ولكنه يلحق بنا! …

  • الطول والقصر
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٩ نوفمبر ١٩٣٥

    الراكب خير من الراجل — أعني أنه أعلى — والاستعلاء يُشعر المرء أنه أقوى وأقدر، ويُدخل في وسعه أن يصوب عينه إلى ما هو تحته، والفرق ذراع — أو ما هو دون الذراع — ولكنه على ضآلته تمييز كافٍ، يصبح به واحد «فوق» وواحد «تحت»؛ فهذا مرفوع وذاك مخفوض، والذي هو أعلى يَشْرُفُ على الذي هو أدنى، ويراه تحته، والخفيض يرفع عينه إلى الرفيع ويحس بشيء من قلة الاتزان وهو يفعل ذلك. …

  • الطفل وحقيقة الإنسان
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ١٧ أبريل ١٩٣٩

    زارتني — ذات يوم — سيدة ومعها طفلة تناهز الرابعة، فسقيتُ السيدة القهوة المُرَّة التي تحبها، وحِرت في الطفلة: ماذا أسقيها أو أطعمها، أو بماذا ألاعبها، وليس في مكتبي ما يصلح لها؟ ثم خطر لي أن أبعث بالخادم ليشتري لها «شكولاتة». فقالت السيدة: «إنك تدللها وتفسدها. …

  • الطربوش لا يصلح إلا للزينة!
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة العزيمة · ٥ سبتمبر ١٩٤٠

    لا أدري من الذي رزأنا بالطربوش وجعله لباسًا قوميًّا، ولكن الذي أدريه أنه لباس يوناني انتقل إليها — كما انتقل إلى الأتراك — في العهد التركي، وأعني به الفترة الطويلة التي كانت مصر في خلالها داخلة في ملك بني عباس، ولا نزال نرى اليونانيين يتخذون هذا الطربوش في بعض احتفالاتهم القومية التي يحرصون فيها على الزي القومي القديم. …

  • الشهرة والجماهير
    إبراهيم عبد القادر المازني · مجلة الرسالة · ٢٧ فبراير ١٩٣٩

    في سنة ١٩٠٩ كنت ألازم من الأدباء صديقتا المرحوم الأستاذ محمد السباعي صاحب كتابي «الصور» و«السمر» ومترجم قصة «المدينتين» لديكنز و«الأبطال» لكارليل و«التربية» لسبنسر وعشرات من الكتب الأخرى، وما أظن بأبناء هذا الجيل إلا أنهم يجهلونه ولا يعرفونه، ولا يخطر لهم أنه عاش على ظهر هذه الأرض، وكان له فضل على الأدب الحديث، وأحسب أنه سيكون عليَّ أن أعرفهم وأذكرهم به إنصافًا له وقضاءً لحقه عليَّ فإن له دَينًا في عنقي. …

  • الشباب الثاني
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٤ نوفمبر ١٩٣٨

    يقول مثلنا العامي إن لكل شيخ طريقة، ولست بشيخ لا في السن ولا في الشكل، وإن كانت تردني رسائل كثيرة يخاطبني فيها كاتبوها بالشيخ. وما أكثر من يتوهمونني رجلًا طويلًا عريضًا ضخمًا ثم يرونني لسوء الحظ فيذكرون تمثُّلي بقول ابن الرومي: وإن كان أضخم ما في الدنيا لا يثقل أرضًا ولا يسد الفضاء، ولكني أحسب الشاعر أراد أنه لا وزن له ولا حجم، وليست لي طريقة أعرفها في الكتابة وإنما أقول ما يحضرني وأتناول الكلام من حيث يسلس، هكذا كنت في صدر أيامي، وكذلك أراني بعد أن استدبرت من الشباب ما كنت أستقبل والشاعر يقول: «إن الشباب مطية الجهل»، وهو لا يعني الجهل بالجغرافيا والتاريخ والرياضة وما إلى ذلك، وإنما يعني الجهل بالحياة. …

  • السفور وتربية البنت
    إبراهيم عبد القادر المازني · جريدة البلاغ · ٢٦ نوفمبر ١٩٣٦

    نشرت لي «مجلة الرسالة» الغراء صورة وصفية لفتاة في ريعان الشباب لا تبرح بيتها، ولا تغادر شُرْفَتَها، ولا تخالط غير أهلها، فيدفعها الملل إلى ضروب العبث البريء، وقد تضمَّنت الصورة كلامًا عن السفور، وأن الفتاة المصرية عرفته وألِفته، ولكنها لم تعرف الحياة الاجتماعية، فهي تخرج مكشوفة الوجه، والذراعين أحيانًا، والصدر إلى النهدين كذلك، وتكلم سائق الترام وموظف المتجر، ولكن الحياة الاجتماعية التي يمهد لها السفور، لا تزال شيئًا منكرًا لأن بيوتنا خليط من أجيال غير متجانسة، وقد راض أهل الجيل السابق أنفسهم على السفور، ونزلوا على حكم الزمن فيه، غير أنهم لم يستطيعوا — ولهم العذر — أن يحملوا أنفسهم على تقبُّل النتائج الطبيعية لذلك. …