قال برونو لاتور في محاضرة له في كوبنهاجن في شهر فبراير: «لم يكن الشعور بالعجز ولا الحماس غير المحدود وعدم الاكتراث بالنتائج ليسمح للبشر بالحياة طوال هذه الفترة على سطح الأرض. وإنما يبدو أن النفعية الخالصة والثقة المحدودة في مهارة الإنسان والاحترام العقلاني لقوى الطبيعة والحرص الشديد لدى البشر على حماية أنفسهم من تقلب العيش كانت الفضائل التي مكَّنتهم من التعامل مع الطبيعة الأولى. فالحرص والحذر يعكسان فهمًا دنيويًّا بكل ما تعنيه الكلمة لمخاطر هذا العالم الأرضي وإمكاناته.»

لوحة «القديس أغسطينوس في مكتبه» بريشة ساندرو بوتيتشيلي.
لوحة «القديس أغسطينوس في مكتبه» بريشة ساندرو بوتيتشيلي.

يقول لاتور: إننا نعيش في عالمين؛ الأول: هو عالم الطبيعة الأولى وهو العالم «الأرضي» الدنيوي، والثاني: هو عالم الطبيعة الثانية وهو العالم «الأخروي» الغيبي. وتعكس الطبيعة الثانية تطلعنا إلى عالم «أكثر رسوخًا وأقل تزعزعًا وأقل قابلية للفناء» من العالم الأرضي. في معظم فترات التاريخ ظهرت الطبيعة الثانية في الأساطير والدين، لكنها تظهر حاليًّا — على حد قول لاتور — في «قوانين» علم الاقتصاد:

لطالما كان العالم الغيبي الذي يفوق إدراكنا أكثر استقرارًا من العالم الدنيوي العاجز. إلا أن الجديد في الأمر أن هذا العالم الغيبي ليس عالم خلاص ولا أبدية، لكنه عالم قضايا اقتصادية […] فعالم الاقتصاد، بعيدًا عن كونه يمثل مادية واقعية ثابتة، وهي اشتهاءٌ قوي للسلع الدنيوية والحقائق الراسخة، أصبح حاليًّا عالمًا نهائيًّا ومطلقًا.

إن التعامل مع النظام الاقتصادي على نحو تجريدي بعيدًا عما يطرأ عليه من أمور غير متوقعة واستثماره على نحو جامد «يولِّد شعورًا بالعجز لدى معظم الناس الذين لا يستفيدون من ثروته، ويولِّد لدى القليلين الذين يستفيدون منه قدرًا هائلًا من الحماس بالإضافة إلى تعطيل الحواس وتجميدها.» فأنت إما أن تصير مؤمنًا بالقضاء والقدر أو متعجرفًا.

استرعى انتباهي أن ما يقوله لاتور عن مفهومنا الحالي لعلم الاقتصاد يتوافق تمامًا مع مفهومنا الحالي للتكنولوجيا. تأمل الفقرة التالية من خطابه، التي أحلَلْتُ في ثلاثة مواضع منها كلمة «تكنولوجيا» محل كلمة «رأسمالية»:

لقد بدأنا ندرك كم من الصعب تحليل الآثار الشعورية المتناقضة التي تترتب على الانجذاب إلى مفهوم التكنولوجيا؛ فهو يولِّد حماسًا استثنائيًّا لاغتنام الفرص غير المحدودة، وشعورًا محبطًا بالعجز التام لدى المستسلمين لأحكامها، وغيابًا تامًّا لتثبيط العزم والهمم فيما يتعلق بالعواقب طويلة الأمد لتأثيرها لدى المستفيدين منها، وتأثيرًا عكسيًّا من الاستعلاء والعجرفة لدى مَن فشلوا في محاربة تقدمها، وانبهارًا بقوانينها الصارمة لدى مَن يدَّعون دراسة تطورها، لدرجة أنها تبدو كما لو كانت أكثر سلاسة من الطبيعة نفسها، وعدم اكتراث كامل بسبل إعمار البيئة المتأصِّلة فيها، والتباسًا تامًّا بشأن مَن ينبغي أن يُعامَل على أنه غريب تمامًا ومن ينبغي أن يُعامَل على أنه جارٌ مقرَّب. والأهم من هذا كله أنها تشير إلى اتجاه نحو التحديث يسحب الشرعية ممن يتخلَّفون عن الرَّكْب تمامًا مثل كثير من الفاشلين. في الواقع، بما أنه يُعتقد حاليًّا أن التكنولوجيا لا أعداء لها، فقد أصبحت مرادفًا لرغبة عارمة لا سبيل إلى تهدئتها في التحديث. ومن منطلق هذه الآثار الشعورية المتداخلة، لا أملك إلا الإحساس بشعور متزايد بالعجز؛ فمجرد استحضار التكنولوجيا يجعلني عاجزًا عن الكلام.

«لا فائدة من المقاومة»: تعبر هذه العبارة إما عن النصر أو الروح الانهزامية، بناءً على المتحدث.

اكتشف لاتور، أثناء تأمله في شعورنا المتغير بشأن علم الاقتصاد، مفارقة كبيرة في «تحول الأشياء المؤقتة والأشياء الأبدية». وتصبح هذه المفارقة أقوى عندما نفكر في التحول المماثل الذي حدث في نظرتنا للتكنولوجيا. ينبع تألُّق التكنولوجيا من الإمكانات التي تفتحها أمام الناس في عالم الطبيعة الأولى المادي. ويتوقف هذا التألق على الطبيعة غير المتوقعة للتكنولوجيا، حيث تخضع ليس فقط للظروف ولكن أيضًا لرغبات الإنسان وتخطيطه. وعندما يُنظر إلى التقدم التكنولوجي على أنه قوة فائقة لا تلين، قوة تفوق منهج البشر، فإنه يبدأ في حجب الفرص على الأقل بنفس معدل إتاحته لها؛ فيبدأ في تطويقنا.

«النفعية الخالصة والثقة المحدودة في مهارة الإنسان والاحترام العقلاني لقوى الطبيعة والحرص الشديد لدى البشر على حماية أنفسهم من تقلب العيش»، ألا يمكن أن تفيدنا هذه الفضائل الدنيوية بالقدر نفسه عند التعامل مع التكنولوجيا؟

Technology below and Beyond by Nicholas Carr. Rough Type. April 15, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.