نشر أرفيند سوبرامنيام تدوينةً لطيفةً تعرض مزيدًا من الأدلة حول ظاهرة التصنيع السابقة لأوانها التي تحدَّثتُ عنها ووثَّقتُها من قبل. يستخدم أرفيند بيانات الصناعة بدلًا من بيانات التصنيع في حد ذاتها، وهو الأمر الذي أفضِّله. لكن النتيجة واحدة، وهي أن العلاقة العكسية — التي تأخذ شكل حرف U — بين مستويات الدخل والتصنيع أخذت في الهبوط في العقود الأخيرة، كما اتجهت أيضًا نحو اليسار، بحيث أصبحت الدول تفرط في التصنيع في ظل مستويات دخل أقل. وعلاوة على ذلك، فإنه حتى أعلى المستويات تقل عما سبق.

أطرح في هذه التدوينة تفسيرًا بسيطًا لهذه الظاهرة، يتعلق بدمج السوق العالمية. عندما أصبحت الدول الفقيرة جزءًا من السوق العالمية، أصبح مستوى التصنيع لديها محكومًا في الأساس بأنماط الاستهلاك لدى الدول الغنية. وبما أن الاستهلاك في الدول الغنية قد تحوَّل بالفعل إلى قطاع الخدمات، فإن ذلك يحد من حجم التصنيع لدى الدول الفقيرة. بعبارة أخرى، ما إن خضعت الدول النامية للعولمة، حتى أصبحت ذروة مستويات التصنيع لديها مدفوعة في أغلب الأحيان بأنماط الطلب في الدول الغنية بدلًا من أنماط الطلب لديها.

فيما يلي نقترح تمرينًا بسيطًا وسهلًا لفهم الظاهرة: قسِّم العالم إلى دولتين؛ إحداهما فقيرة والأخرى غنية. فلنفترض أن مستوى دخل الفرد الواحد في الدولة الغنية أعلى ١٠ مرات من مثيله في الدولة الفقيرة، ثم لنفترض أن المستهلكين في الدول الفقيرة ينفقون ٢٠٪ من دخلهم على البضائع المُصنَّعة، بينما النسبة المقابلة في الدولة الغنية تصل إلى ١٠٪. ومن ثم فإن تحول الطلب بعيدًا عن المواد المصنعة في الدول الغنية قد قطع بالفعل شوطًا كبيرًا إلى حدٍّ ما. تلك الأرقام هي نموذج تقريبي للواقع.

في حالة الاكتفاء الذاتي، يجب على الدولة الفقيرة إنتاج جميع المواد المصنعة التي يريدها المستهلكون المحليون؛ مما يعني أن الإنتاج الصناعي يصل إلى ٢٠٪ من دخل الدولة الفقيرة.

لكن لنتأمل ما سيحدث عندما تتحد تلك الدولة الفقيرة مع الدولة الغنية، ويتمخض الحدث عن سوق واحدة للمواد المصنعة. ولنفترض أن عدد سكان الدولة الفقيرة يصل إلى ٧٠٪ من تعداد السكان في العالم. ولكي نستبعد اختلالات الميزان التجاري؛ فلنفترض أن كل دولة تساهم بحصة من الطلب العالمي على المواد المصنعة بمعدل يكافئ حصتها من الدخل العالمي. وهكذا سيتضح أن ذلك سيتطلب انخفاض حصة الدولة الفقيرة من الإنتاج الصناعي إلى ١١٫٩٪، وهي نسبة أقل بمراحل عن العشرين في المائة التي تستطيع الاحتفاظ بها في حالة الاكتفاء الذاتي.

في وُسْعِ الدولة الغنية الاحتفاظ بمستوًى مماثل من الصناعة (١١٫٩٪)، يزيد إلى حدٍّ ما عن نسبة العشرة في المائة الخاصة بها؛ لأن الدولة الغنية تستحوذ على معظم السوق، ويتمتع مستهلكوها بتأثير أكبر على أنماط الطلب (رغم أن عددهم أقل).

إذن، أحد آثار العولمة المباشرة هو حتمية تقارب مستويات التصنيع في الدول الغنية والفقيرة، بغض النظر عن مستويات الدخل لدى كلٍّ منهما. وعلاوة على ذلك، يمكن أخذ العديد من العوامل الإضافية التكميلية — مثل تكاليف التجارة — في الحسبان، لكن المنطق الرئيسي هنا مهم ومؤثر. لست متأكدًا مما إذا كان هذا المنطق يحظى بتقدير كامل إلى الآن، وهو له الكثير من الانعكاسات على النمو السياسي والاقتصادي في الدول الفقيرة.

وسوف أتناول المزيد حول هذا الموضوع لاحقًا.

Globalization and Premature Deindustrialization by Dani Rodrik. Dani Rodrik's Weblog. April 22, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.