وحقوق مصر ما خطبُها وما خطبُنا! ألا نزال نذكرها أم أَسْدَلَ النسيان عليها ستارًا كثيفًا؟ أنقرب منها أم نبعد عنها؟ ما خطب الجلاء! أممكن هو أم غير ممكن؟ أقريب هو أم بعيد؟ وما خطب وادي النيل! أيتحد أم ينقسم؟ أيتصل أم ينفصل؟ وما خطب المعاهد! أتبقى كما هي أم يصيبها التعديل؟

كل هذه الأسئلة خليقة أن تُلقَى في كل يوم، بل أن تلقى في كل ساعة، خليقة أن تتصل بالقلوب حتى لا يشعر الناس إلا بها، وأن تتصل بالعقول حتى لا يفكر الناس إلا فيها، وأن تتصل بالضمائر حتى لا يحيا الناس إلا بها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ألا يلاحظ المصريون أن حكومتهم مشغولة عنها، مقصرة في ذاتها، وأنها توشك أن تشغَلهم هم أيضًا عنها، وأن تورِّطَهم فيما تورطت هي فيه من التقصير؟ أين نحن من المفاوضات، أو أين نحن من المحادثات؟! فقد قيل لنا في شهر سبتمبر الماضي إن الوقت كان أشد الأوقات مناسَبةً للأخذ في تلك المفاوضات، وقد مضى شهران أو أكثر من شهرين ولم نعلم أن أحدًا قد أَخَذَ في هذه المفاوضات، وإنما علِمنا أن حكومتنا لم تصنع شيئًا؛ لأن وزير الخارجية البريطانية أنبأ البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ منها شيئًا، ثم أنبأتنا خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات.

فماذا بلغت الحكومة من هذا التمهيد؟ أمهدت السبيل كلها فلم يبقَ إلا أن تُبدئ المفاوضات، أم مهدت بعضها وما زال جزء منها طويل أو قصير يحتاج إلى فضل من التمهيد؟ وما هذه السبيل التي يُراد تمهيدُها، وما هذه المصاعب التي يُراد تذليلها، ومن أين تأتي؟ أتأتي من ناحيتنا نحن أم تأتي من ناحية حلفائنا الإنجليز؟ فأما نحن فما أعلم أننا نقيم عقبات، أو نخلق مصاعبَ في سبيل المفاوضات؛ لأننا نريدها ونحرص عليها ونتعجلها كأشد ما يتعجل الناس شيئًا. وأما حلفاؤنا فما أدري لِمَ يقيمون العقبات وكيف يقيمونها، وكيف نرضى نحن منهم أن يقيموها؟ فقد عاد السفير البريطاني إلى مصر بعد أن أُلْقِيَتْ خُطبة العرش، فظن الناس أنهم سيعرفون من أمر المفاوضات شيئًا، ولكنهم لم يعرفوا من هذا الأمر قليلًا ولا كثيرًا، واليوم يعود السفير المصري من بريطانيا إلى مصر، ويظن الناس أنهم سيعلمون من أمر هذه المفاوضات شيئًا، ولكني أؤكد لهم أنهم لن يعلموا منه قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن حلفاءنا الإنجليز الذين يحبوننا أشد الحب قد أشفقوا علينا من خيبة الأمل، فأذاعت بياناتهم الرسمية في لندرة أن السفير إنما يزور مصر زيارة عادية يقتضيها منصبه، وأن محادثات رسمية في الحقوق المصرية لم تَجْرِ قط. وكذلك نستقبل السفير اليوم ونودعه بعد أيام دون أن نعرف من أمر هذه المفاوضات شيئًا؛ لأن هذه المفاوضات لم تبدأ بعدُ، ولأن الحكومة ما زالت على اتِّصال لتمهيد السبيل إليها، وأكبرُ الظَّنِّ أن السفير إنما أقبل لينبئ الحكومة من قرب بالعقبات التي تحتاج إلى تذليل، والمصاعب التي تحتاج إلى تمهيد.

وفي أثناء ذلك تَجرى المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا ليتحقق جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان. ومن المؤكد أن الجلاء عن سوريا ولبنان سيتم قبل الجلاء عن مصر، فليس في طريق هذا الجلاء عقبات شِداد تحتاج إلى تمهيد طويل؛ إذ ليس في سوريا ولبنان قناة السويس، وليس لسوريا ولبنان وادٍ كوادي النيل يريد هو أن يتصل، ويريد له غيره أن ينفصل. وليس في سوريا ولبنان حكومة تخفي على الشعب أمره، وتطوي عن الشعب سره، وتستأثر من دونه بالمخبآت. وليس في سوريا ولبنان حكومة تريد أن تبقى؛ لأن البقاء في نفسه خير. وليس في سوريا ولبنان وفد يحب أن يهدم؛ لأن هدمه هو غرض الأغراض وغاية الغايات، ولأن هدمه أهم وأخطر من تحقيق المطالب القومية وجلاء القوات الأجنبية، وتوحيد وادي النيل.

ليس في سوريا ولبنان شيء من هذا؛ ولذلك تجري أمور سوريا ولبنان رخاء في طريق سواء، فما هي إلا أن يتم الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين على تنظيم مصالحهم في الشرق الأدنى، حتى يُجلوا أولئك وهؤلاء عن هذين القُطرين العزيزين، وحتى تظفر هاتان الدولتان الشقيقتان بحقهما في الاستقلال الكامل الذي تتقطَّع قلوبنا شوقًا إليه منذ أعوام وأعوام. والذي يظهر أن قلوبنا ستتقطع شوقًا إليه أوقاتًا طويلة أخرى ما دامت حكومتنا على اتِّصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل، وما دام هذا التمهيد يمكن أن يقصر ويمكن أن يطول.

وأكبرُ الظن أن حكومتنا لا تكره أن يطول؛ لأن طوله يمدُّ لها أسباب البقاء، ويمكِّن لها من وسائل السلطان. وأي شيء أنفع لمصر وأجدى عليها من بقاء هذا العهد السعيد؟!

هل يعلم المصريون أن أمرهم أصبح أدنى إلى الهزل منه إلى الجِد، وأن حياتهم أصبحت أقرب إلى العبث منها إلى الحزم، وأنهم يستطيعون أن ينعموا بهذه الحياة الراضية مطمئنين بأن المسيطرين على أمورهم قد قبِلوا لهم هذا الوضع الغريب، وقالوا لهم منذ نهضوا بأعباء الحكم إن غايتهم إنما هي توفير الغذاء والكساء، وهم يَجِدُّون في توفير الغذاء والكساء ينجحون حينًا ويخفقون أحيانًا؟ وماذا يريد المصريون من حكومتهم أكثر من أن تبذل ما تستطيع لتوفر لهم الغذاء والكساء، إنها لم تأخذ على نفسها عهدًا يوم تولَّت الحكم بأنها ستسعى بهم إلى ابتغاء المكارم، وتحقيق المآثر، وارتفاع المنزلة بين الشعوب، وإنما قالت لهم إنها ستغذوهم وتكسوهم، وهي تبذل في ذلك ما تستطيع. وقديمًا قال الحطيئة لبعض خصومه:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ويريد سوء الحظ ألَّا يكون المصريون جميعًا طاعمين ولا كاسين، فمنهم الجائع الذي لا يجِد ما يقيم الأود، ومنهم العريان الذي لا يجِد ما يقي جسمه عاديات الحر والبرد، ولكن خلاصة المصريين طاعمة لا تعرف الجوع كاسية لا تعرف العُري. وإذا كانت الصفوة طاعمة كاسية راضية فلا على الكثرة أن تجوع، ولا على الكثرة أن تعرى، وما ينبغي للكثرة أن تغضب وقد رضي السادة واطمأنُّوا.

وكذلك تجري أمور المصريين: سادة يرضون فيستبقون الرضى، وينعمون فيستديمون النعيم، وكثرة تسخط فلا يحفل بسخطها أحد، وتشقى فلا يلتفت إلى شقائها أحد. وشعبٌ كان خليقًا أن يجدَّ في سبيل الاستقلال، فتصرف كثرته عن الاستقلال إلى رفع الشقاء واكتمال البقاء، وتصرف قلته عن الاستقلال إلى الاستزادة من السعادة واستدامة النعيم. وتنظر حكومته إلى أولئك وهؤلاء باسمة راضية؛ لأن اشتغال الكثرة بالتماس الرزق، واشتغال القلة بالاستزادة من الترف؛ كل ذلك يُمكِّنها من البقاء، ويمد لها أسباب السلطان.

وأغرب ما في الأمر أن الإنجليز يظنُّون بنا خيرًا مما نظن بأنفسنا، وينتظرون منا أكثر مما ننتظر من أنفسنا، فصحفهم تبدئ وتعيد فيما يمكن أن يكون لنا من أثر في استقرار الأمن الدولي في الشرق، وفيما يمكن أن يكون لرضانا أو سخطنا من أثر في تحقيق التوازن الدولي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي تأمين المواصلات العالمية. والصحف الإنجليزية مصيبة غير مخطئة، فنحن خليقون أن نؤثر في الصلة بين الشرق والغرب تأثيرًا خطيرًا بعيد المدى، ونحن قادرون على أن نفرض احترامنا على الغرب، ونكرهه على أن يحسب لنا الحساب كل الحساب. ولكن بشرط أن ننهض نحن بأمرنا كله، وألا تنهض به من بيننا قلة ضئيلة تُعنى بإخضاعنا لسلطانها أكثر مما تُعنى بالمفاوضة لتحقيق الجلاء وتوحيد وادي النيل.

أيهما أحق بعناية الحكومة القائمة: أن يبقى العهد ويهدم الوفد ويخضع الشعب، أم أن يُجلوا الإنجليز ويتَّحد وادي النيل؟ إن كنت في حاجة إلى الجواب عن هذا السؤال فانظر فيما عملت الحكومة الحاضرة، وفيما قالت، وفيما هي عاملة وقائلة منذ أن تولت الحكم إلى الآن، لم تعمل إلا أن حاربت الوفد، ولم تقُل إلا أن شتمت الوفد. فأما مطالبة الإنجليز بالجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل، وتعديل المعاهدة، فإن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات؟

والأمر لا يخلو من فكاهة مؤذية؛ فإن وزراءنا مصريون يجري في دمائهم حب مصر كما يجري في دمائهم حب أنفسهم، يجدون في قلوبهم شعورًا بالكرامة الوطنية كما يجدون في قلوبهم شعورًا بالغرور الإنساني، فهم يتمنَّوْن الاستقلال لأنهم مصريون، وهم يتمنون البقاء في الحكم لأنهم ناس من الناس. وهم يخضعون لهذا الصراع العنيف بين حبهم للوطن وحبهم لأنفسهم، وهم من أجل ذلك يُقدِمون حينًا ويُحجِمون أحيانًا، يُقَدِّمون رِجلًا ويؤخرون أخرى، يرفعون أبصارهم إلى السماء ثم يَرُدُّونها مسرعين إلى الأرض.

ألست تذكر أننا منذ أشهر لا نكاد نتَّفق أسبوعًا حتى نسمع أن هذا الوزير أو ذاك ساخط؛ لأنه يرى تقصير الحكومة في المطالبة بالاستقلال، وأنه قد همَّ أن يستقيل، ثم بدا له فأرجأ الاستقالة أو أنه قد استقال بالفعل، ثم بدا له فاسترد الاستقالة. وأن هذا الوزير وذاك يلتقيان ويفترقان ويُبرِمان وينقُضان، عين في الجنة وعين في النار. والجنة بالطبع هي البقاء في الحكم، والنار بالطبع هي التخلي عن الحكم، وأي العقلاء يُخَيَّرُ بين النعيم والجحيم ثم يُؤْثِرُ الجحيم على النعيم؟!

وكذلك يتردد وزراؤنا بين دُورِهِم ودواوينهم، يعزمون في الليل وينهزمون في النهار. كذلك يتردد السفير البريطاني بين القاهرة ولندرة، ويتردَّد السفير المصري بين لندرة والقاهرة. ويصبح الشعب المصري متشوِّقًا إلى الاستقلال متحرقًا إلى الكرامة، فلا يكاد يقرأ صحف الصباح حتى تهدأ اللوعة وتخمد نار الشوق. ثم يُمسي متلهفًا إلى الاستقلال متهالكًا على الحرية، فلا يكاد يقرأ صحف المساء حتى يسلو ويلهو ويغل بالعبث عن الحرية والاستقلال.

وكان يقال إن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها. وإني لأعلم أن لمصر حقوقًا توشك أن تضيع لأن الذين كُلِّفوا المطالبة بها يعنون بأنفسهم أكثر مما يعنون بهذه الحقوق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.