ما هو الأدب العالمي؟

أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟

أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.

فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.

ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.

الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.

فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟

وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.

الأدب العربي القديم عالمي

فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.

هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.

وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.

وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.

فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.

وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.

وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.

لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.

وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.

أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.

وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.

وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.

تفوق اللغة العربية

أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.

فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.

ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.

والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.

وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.

أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.

وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.

ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.

الغرب مدين للثقافة العربية

ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.

كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.

مزاعم وأخطاء

بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.

يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.

واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.

والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.

والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.

الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.

والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.

وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.

أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …

أدبنا الحديث أدب عالمي

أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟

من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.

هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.

أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.

وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

يجب أن نكون عربًا

وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.

هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.

يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.

برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …

أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …

مقاومة الغرب لنا

إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.

وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.

وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.

يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.