يعرف كل متتبع لشئون السياسة أن بين الهند وباكستان نزاعًا على ولاية كشمير، وأن هذا النزاع عُرض على الأمم المتحدة، وأن مجلس الأمن قرر استفتاء أهل كشمير ليُبدوا رأيهم في تقرير مصيرهم، وأن هذا الاستفتاء لم يحدث بعدُ، وأن المسألة لا تزال لذلك معلقة في جدول أعمال مجلس الأمن حتى يحصل الاستفتاء، ويفصل المجلس وفاقًا لنتيجته.

ويعرف كل متتبع لشئون السياسة كذلك أن الساسة المسئولين يحتاطون أشد الاحتياط في تصريحاتهم إذا تعلق الأمر بمسألة ليست من شئون دولتهم، وأن السياسي الحق هو الذي يعرف أن يُمسك عن التصريحات التي تضر به أو لا تفيد، أو تنشئ موقفًا لا يعاون على حفظ السلام، كما أنهم يُدلون بالتصريحات إذا كان للإدلاء بها ما يقتضيه من مصلحة قومية أو عالمية، فإذا لم توجد هذه المصلحة ورأوا الإدلاء بتصريح جعلوه بعيدًا عن التحيُّز لدولة على حساب دولة أخرى.

والأمر كذلك في هذه التصريحات بنوعٍ أخص إذا كان الذين يُدلون بها من رؤساء الدول الذين تربط تصريحاتهم دولهم، فلا يكون لهم رئيس يمكن أن يعدِّل في تصريحاتهم، أو يفسرها تفسيرًا يُقوِّم ما قد يكون فيها من عوج، أو يزيل منها ما قد يفسد العلاقات بين دولة ودولة أخرى.

هذه كلها بديهيات لا تحتاج إلى شرح ولا يجهلها أحد؛ لذلك دُهش الناس — وحق لهم أن يُدهَشوا — حين أدلى المارشال بولجانين رئيس وزراء روسيا السوفييتية، والرفيق خروشتشيف سكرتير الحزب الشيوعي فيها بتصريح قالا فيه: إن كشمير جزء من الهند، وإن شعب كشمير قد أبدى رغبته في الانضمام إلى الهند. وهما قد أدليا بهذه التصريحات مع أن استفتاءً لم يحدث في كشمير تنفيذًا لقرار مجلس الأمن، ومع أن سبعًا وسبعين في المائة من سكان كشمير مسلمون، ولا يَتصور العقل أن يصوِّتوا للانضمام إلى دولة غير إسلامية على حساب دولة إسلامية، ومع أن ولايات الهند غير الإسلامية — والتي كان يرأسها حاكم مسلم — قد ضُمت إلى الهند؛ لأن أغلب سكانها يدينون بديانات الهند ولا يدينون بالإسلام. إنما كان أولى بالزعيمين الروسيين الكبيرين — وذلك هو الواقع — أن يحتاطا في تصريحهما، وأن لا يدفعهما الغضب لانضمام الباكستان لحلف بغداد للإدلاء بمثل هذا التصريح الذي تَنافى تنافيًا صريحًا مع وجود روسيا عضوًا دائمًا في مجلس الأمن له حق (الفيتو).

إننا — نحن المصريين — أصدقاء الهند، وأصدقاء الباكستان. وقد نختلف رأيًا مع أي الدولتين في اتجاهاتها السياسية في مسألة من المسائل، لكن الاختلاف في الرأي لا يُخرجنا عن الموقف الذي توجب الحكمةُ السياسيةُ اتباعَه، ولا يدفعنا للتصريح بما تقضي هذه الحكمةُ الإمساكَ عن التصريح به، بل يكون موقفنا أن نرجوَ زوال كل خلاف بين الدولتين، وأن تُحل المسائل المعلقة بينهما حلًّا وُديًّا يكفل بقاء علاقاتهما الحسنة، ويكفل بذلك بقاء السلام صفوًا لا تشوبه شائبة، أما أن نتخذ من خلافنا في الرأي مع دولة من الدول وسيلة لزيادة التوتر بين الدولتين زيادة في إشعال نار الحرب الباردة، فذلك ما نُنزِّه عنه ساسة روسيا الذين عُرفوا بالحنكة والحكمة، والذين سعوا إلى السلام حين انعقد مؤتمر الرؤساء الأربعة في جنيف، ويرجو العالم أن يستأنفوا هذا السعيَ في المستقبل بدل أن ينقلبوا عليه.

لا ينكر أحد أن الهند أحسنت استقبال الزعيمين الروسيين وأقامت لهما من الأعياد والمظاهرات ما كان بالغ الأثر في نفسيهما. والهند تُشكر على ذلك ما دام قصدها منه تنفيذ سياسة رئيس وزرائها البانديت نهرو في مقاومة سياسة الحرب وتوطيد أركان السلام في العالم. لكن هذا الإكرام يجب أن لا يدفع الزعيمين إلى الإدلاء بالتصريح الذي أدليا به، والذي لا يتفق وسياسة المحافظة على السلام العالمي، بل لا يتفق ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة؛ فالميثاق يقضي بحل المشاكل الدولية بالوساطة الوُدِّية — إذا كان ذلك مستطاعًا — قبل حلها بقرارات مجلس الأمن، ولو أن روسيا استطاعت أن تقوم بهذه الوساطة بين الهند والباكستان في مشكلة كشمير حتى ما في هذا الوقت الحاضر لاستحقت شكر العالم على مجهودها في سبيل السلام. أما أن تنحاز إلى دولة على حساب دولة أخرى وبينهما نزاع يعلم الجميع عنفه وشدته، فذلك أمر يعكر صفو السلام ولا يُدني العالم منه.

وها هي ذي الباكستان تقول اليوم إن تصريح الزعيمين الروسيين يمنع روسيا من أن تكون طرفًا في مجلس الأمن حين نظر قضية كشمير. ولموقفها هذا قوته القانونية لا ريب، فالقاضي الذي يُبدي رأيه في قضية منظورة أمامه يجب عليه أن يرد نفسه عن نظر هذه الدعوى من غير حاجة إلى أن ينتظر أن يرده خصم من الخصوم فيها؛ فإذا ردت روسيا نفسها، أو طلبت الباكستان ردها عن الاشتراك في الحكم في مجلس الأمن، فهل يؤدي ذلك إلى تيسير مهمة المجلس. هلَّا يرى الزعيمان الروسيان اللذان أدليا بهذا التصريح أنهما قد عقَّدا مهمة المجلس من غير مقتضٍ يدفعهما إلى هذا التعقيد.

إنني أتمنى — وأنا مصري يشعر في أعماق نفسه بالصداقة الخالصة لدولتَي شبه القارة الآسيوية — أن تتمكن الدولتان من حل هذا النزاع على نحوٍ يوطد علاقة الوُدِّ بينهما، ويُيسِّر تسوية جميع المسائل التي يمكن أن تكون محل خلاف بينهما — وإن هان هذا الخلاف — وأحسب محبي السلام جميعًا يشعرون بمثل ما أشعر به. وقد بذل رؤساء الهند والباكستان خلال العام الماضي والعام الذي سبقه جهودًا مشكورة لبلوغ هذه التسوية، واجتمع رئيسا وزراء الدولتين غير مرة لهذا الغرض. فهل من الحكمة السياسية تعكير الجو الذي يساعد على اجتماعهما من بعد، أم تقتضي هذه الحكمة أن يعمل الساسة في دول الأرض جميعًا — وفي الدول الكبرى بنوعٍ خاص — على تصفية هذا الجو وتمهيد الطريق للوصول إلى حل عادل يكفل السلام في شبه القارة، ويكفل السلام في العالم؟

وكم أود لو استطاع ساسة الدول الكبرى أن يتغلبوا على الموقف الذي نشأ عن هذا التصريح، ليقربوا العالم خطوة جديدة نحو السلام، بدل أن تظل مثل هذه التصريحات تزيد التوتر الدولي، وتبعث إلى النفوس في مشارق الأرض ومغاربها المخاوف، لا على مصير كشمير، بل على مصير العالم كله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.