لا جديد تحت القمر …

ولا لوم على العامي الذي يحسب أن القمر الصناعي مشاركة لله في قدرته لأنه اختراع يحوم في السماء على ظنه، ولا اعتراض عنده على ألف اختراع أغرب منه لو أنها تمشي في الأرض ولا تعلو في الأفق الذي يسميه السماء!

هذا العامي لا لوم عليه ولا غرابة في خلطه بين المقررات العلمية والأعاجيب، إنما اللوم على أناس يكتبون باسم العلم، ويحاولون أن يزفُّوا هذا القمر الصناعي للناس في موكب المعجزات وخوارق الطبيعة، ويتحدَّثون عنه كأنه مفاجأة مذهلة في موعده وفي صناعته وفي سر نجاحه، قبل أن يتحقق لهم مصير هذا النجاح.

فالواقع أن هذا القمر الروسي قد تأخَّر عن موعده شهرين، وأن هذا التأخير قد أعلن قبل اليوم عند افتتاح المؤتمر الجغرافي العالمي في شهر يوليو السابق، فقال الأستاذ يفجيني فيدروف Yeugeny Fedorov: إن القمر المنتظر لا يرجى أن ينطلق في شهر أغسطس كما كان مقدورًا له، وإنه سيتأخر إلى موعد قريب، وكان معلومًا يومئذ من تصريحات مكتب المباحث البحرية في الولايات المتحدة أن قمرهم لن ينطلق قبل السنة المقبلة، وربما تأخر إلى ختام السنة على حسب الترتيب المرسوم.

كذلك لا يرجع التقديم والتأخير هنا إلى مسألة الوقود السائل الذي يستخدم بدلًا من الوقود الجاف، فإن استخدام الوقود الجاف في الصواريخ التي تطلق القمر أمر مفروغ منه منذ سنوات، وأمامي الآن وصف لموضع هذا الوقود منشور في العمود الثاني من صفحة ٥٧٠ من تقويم الدنيا، وهو تقويم صدر في ختام السنة الماضية، ومضى على ظهوره الآن أكثر من عشرة شهور.

ولا يستغرب أحد من العلماء أن توجد على الأرض أقمار صناعية، بل منهم — كما قلنا في الأخبار منذ سنتين — من يرجِّح أن الأقمار المعارضة — أي التي تطلع من الغرب إلى الشرق، وفي جو المريخ وجوِّ زحل — هي أقمار صناعية رفعها سكان الكواكب العليا منذ عهد بعيد لتنظيم حركة الثلوج القطبية أو حركة المدِّ والجزر حيث يوجد الماء على بعض التقديرات، وقد يراد بها موازنة الأقمار التي تجري مع الكوكبين في موضع الشروق والغروب.

والدهشة العلمية مستحبة في الجديد والقديم من الأمور، ولكنها الدهشة على بصيرة ومعرفة بريئة في التهويل والدعاية. وليس من أمانة العلم أن نخلط بين القدرة المالية والقدرة العلمية في تيسير هذه المخترعات، فليس في ميزانيات إنجلترا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا وممالك الشمال اعتمادات مالية لتجربة الأقمار الصناعية، ولا يقول أحد إن علماء هذه البلاد يجهلون من نظريات العلم ما يعرفه علماء الروس والأمريكيين. وسنرى غدًا كيف يتخذون القمر الروسي في أمريكا ذريعة لطلب المزيد من الاعتمادات المالية لمصالح الدفاع، فلا داعية للخلط بين القدرة على إنفاق المال والقدرة على إتقان المخترعات في شأن الأقمار أو غيرها من المصنوعات، ولولا أن هذه الأقمار الصناعية تتولاها الدول ولا تتولاها الشركات التي تعمل للتجارة والكسب لوجد القمر الصناعي وانطلق في الفضاء قبل سنوات.

قليلًا إذن من الدهشة العامية وكثيرًا من الدهشة العلمية التي تعرف العجب؛ لأنها تعرف الحقيقة لا لأنها تجهلها، فلا فرق في الدهشة العمياء بين من يحسب القمر الصناعي مشاركة لقدرة الله وبين من ينفخ له الأبواق ويدقُّ حوله الطبول في موكب الخوارق والمعجزات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.