كان رسولًا فأوشك أن يكون عذولًا، ونخاله — كما قال أبو الطيب — عذولًا ما من صداقته بد، لأن اجتنابه خليق أن يصبح اجتنابًا للمحبوب.

ذلك هو قطار الإسكندرية، وهو في الواقع أكثر من قطار، بل أكثر من قطارين، وإذا قصرنا الأمر على القطر التي تزود بجهاز التكييف! تكييف الهواء، عذول ويا له من عذول.

كان المسافر إلى الإسكندرية يتنسم الهواء بعد مفارقه دمنهور بقليل، ويبشر نفسه باقتراب الديار.

وفي محطة «سيدي جابر» يسرع إلى الرصيف وهو يصيح في سره، أو يصيح لمن حوله: ها هو نسيم البحر!

ها قد وصلنا!

فإذا اصطحب العذول اليوم فهو من محطة القاهرة في جوٍّ كجو الدنمرك على مسافة النظر من بحار القطب وثلوجه، ويصل إلى رصيف سيدي جابر وهو يتأفف ويتململ لأنه سينتقل في ثوان معدودات من أوائل الشتاء إلى أواخر الربيع، ويجاهد ما يجاهد أن يصيح لنفسه أو لمن حوله: ها قد وصلنا … فلا يستطيع!

وبوده أن يقول للقطار — لو يستطيع أيضًا — سر على بركة الله إلى غير انتهاء.

عذول ويا له من عذول، ولكنه قد يحتمل بعض الاحتمال، ولا احتمال لفراقه كل الفراق!

ولا أظن أن الشكوى من هذا العذول شائعة من ركاب القطار، فإنني لا أعرف غير الآحاد القليلين ممن يشكون تكييف الهواء كما أشكوه، أو ممن يخشون الفارق المحسوس بين التكييف والتبريد كما أخشاه، لأن الأكثرين من طلاب التبريد باسم التكييف يضايقهم الحر أشد من مضايقة الزكام، ولعلهم يحتملون الزكام بعد مفارقة القطار ولا يُحمِّلون القطار وزره، أو يندمون على التعرض له مختارين!

ولقد كان لي شريك واحد في شكوى «التكييف» بقاعة مجلس الشيوخ، وكان الداخل إلى القاعة ينتقل في وثبة واحدة من جو القارة الإفريقية إلى جو القارة الأوروبية في أقصى الشمال، ولربما انتقل من القاهرة إلى كوبنهاجن — متدرجًا بالطائرة السريعة — في بضعة أيام، ولا يسلم مع هذا من مفاجأة الانتقال.

كان شريكي الوحيد في الشكوى من هذه النقلة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد … وكنت أسمعه يقول لمهندس التكييف: وهل نحن سمك يا خلق الله!

ولكن «كثرة الأصوات هنا» تقضي قضاءها بغير اقتراع، لأن الكثرة من الشيوخ كانوا يتقبلون الانتماء إلى عالم الماء، ولا ينسون أنه من الماء يخلق جميع الأحياء.

وليست لنا اليوم حيلة في أمر هذا العذول المحبوب! … قطار إسكندرية.

كل ما هنالك أن نرتضي التكييف بدلًا من التبريد، فلا نحس أننا نفارق المصيف إذا وصلنا إلى أرض المصيف، ولا نزال نتدرج بدرجات «ميزان الحرارة» في داخل القطار من جوٍّ كجو القاهرة إلى أن نبلغ الإسكندرية في جو كجوها، أو دونه بقليل.

وعندئذ نفارق القطار ونحن نستطيع أن نصيح لأنفسنا، أو نصيح لمن حولنا: الحمد لله! ها قد وصلنا إلى المصيف.

***

كان «كوكو» خير صاحب لي في رحلتي الصيفية، بالثغر الإسكندري هذا العام.

ولعلك تسأل: من كوكو هذا؟

فاسأل ما بدا لك في هذه الأيام، واسأل سؤالك هذا في أرجاء القارة الأوروبية كما تسأله في أحياء القاهرة والإسكندرية، لأنك تسأله وأنت في أمان من تهمة الجهل بأسماء الأعلام من الأقطاب أو الأبطال!

أما قبل عشرين سنة فكن على ثقة من ابتسامة الإشفاق على فم كل طفل في عواصم القارة الأوروبية إذا سألته: ومن يكون كوكو هذا؟

فإن «كوكو» هذا قد كان ملك «السيرك» في أرجاء تلك القارة من موسكو إلى برلين إلى باريس إلى لندن، إلى أطراف القرى في أكثر تلك الأقطار …

وقد يعلم بعض أصدقائنا القراء أني أخص الرحلة الصيفية في كل سنة بسيرة فنان أو فنانة من مشاهير الفن العالميين، وأن المصادفة هي التي تختار لي السيرة التي أصاحبها في تلك السنة، لأنني أجدها في أول جولة من جولات الاستطلاع بين مكتبات الثغر أو مكتبات القاهرة قبل وداعها.

وهكذا اتفقت لي مصاحبة الراقصة النابغة «إيزادورادنكان» … كما اتفقت لي مصاحبة شارلي شابلن ومارلين مونرو ونكولاي بولياكوف البهلون …

***

وليس اختياري لتراجم الفنانين في المصيف عن استخفاف بشأن هؤلاء الزملاء في صناعة الفن والأدب، ولكنني أعتقد أن ترجمة الفنان أصلح القراءات للتعريف بطبيعة النفس الإنسانية، سواء عرفناه هو أو عرفنا الناس من خلال عمله، وليس له عمل غير الإعراب عن نفوس الناس، وليس للتراجم كلها من عمل ولا غاية غير هذا الإعراب، وبعد هذا أختار تراجم الفنانين لمطالعات المصيف، لأنه أوان التسرية عن النفس، وكل ما في حياة الفن أو حياة الفنان تسرية للنفوس.

وزميلنا في هذه السنة «كوكو» إن له قدرة على استخدام صفحة الكتاب لا تقل عن قدرته على استخدام ساحة السيرك والمسرح، فلا أغالي إذا قلت إن طبيعة الإنسان لم تتمثل في ترجمة عظيم ولا صغير خيرًا مما تمثلت في ترجمة هذا البهلوان؟

ولا نهاية لصفحات العواطف التي تعرضها أمامنا ترجمة «كوكو» أو ترجمة نكولاي بولياكوف: فكل ما يعني الإنسان من عواطف الأبوة والأمومة.

أو عواطف البنوة والزوجية، أو عواطف الحب والكراهية، والرغبة والأمل والقنوط، في حالات الفقر والغنى وحالات الحَجْر والحرية، وحالات الزهو والاستكانة، وكل ما يلابس هذه الحالات من سن الخامسة حتى سن الخمسين، فهو هنالك في صفحات هذه الترجمة التي لا تزيد على مائتين وخمسين صفحة من القطع الصغير.

ومن البديهي أن النقائض في حياة البهلوان كانت هي أول ما يسترعي النظر من نقائض الدنيا كما عرضها صاحبنا، وهو غير قليل.

فما نحسب قارئًا يلم بهذه الصفحات، ثم لا يستوقفه هذا السؤال قبل كل سؤال!

كيف يا ترى يتفق في كيان المخلوق الواحد كل هذا الإفلات من ضوابط المعيشة وكل هذه القدرة على ضبط حركات الجسم على قيد الأنملة بل على قيد الشعرة، في ألعاب تودي بالحياة عند أيسر اختلال؟

وكيف يعيش هذا الرجل على هواه في الحركة من بيت إلى بيت ومن معيشة إلى معيشة، ومن بلد إلى بلد، ومن سيرك إلى سيرك، فلا يحكم نفسه ولا يحكمه أحد، حيثما خطر له أن يرحل بغير سبب، ويقيم بغير سبب، ويتصل بغير سبب هنا وينقطع بغير سبب هناك؟

كيف يملكه هواه الشارد هكذا بغير ضابط ولا مانع وهو يملك كل نقلة من نقلات أصابعه على الحبال والأسلاك وحوافي الكراسي وأسنان الدبابيس، فلا يأتي بحركة من هذه الحركات بغير تقدير بالغ وحذر دقيق؟!

أخال أن المشكلة في هذا التناقض تنحل كلها أمامنا حين نرجع بالفوضى في جانب والنظام في جانب آخر إلى مصدرين مختلفين من ذلك الكيان الإنساني العجيب!

تنحل كلها — أو أكثرها — إذا فرقنا بين عمل الإرادة وعمل الغريزة في حركات البهلوان.

فهو مستسلم لرغباته تغلبه دوافع الإرادة التي لا يقوى على ضبطها في أطوار المعيشة.

وهو إذا ألقى اعتماده كله على كوامن الغريزة الحيوانية فيه صنعت له الغريزة ما تصنعه من عجائب الحركة في طبائع الحيوان …

ولهذا تتعلم الفيلة وسباع البحر والنمور والخيل ضروبًا من حركات التوازن وضبط الأعضاء، لا ملهم لها فيها غير كوامن الغريزة التي تعلمتها، ثم نسيتها بعد استقرارها في أعصابها وأدمغتها وعضلاتها ملايين السنين!

وقد وقعت لي ترجمة البهلوان العالمي بعد سهرة ممتعة مع التليفزيون (المرناء) شهدت فيها معرضًا وافيًا من معارض البراعة في الألعاب الرياضية والحركات البهلوانية التي يحق لنا أن نسميها بالمخاطرات ولا يجوز أن يقلل من خطرها عندنا أنها منتظمة مدروسة وأنها تكررت ولا تزال تتكرر حتى تفارقها فكرة الخطر في نفوس النظارة الذين لا يشاهدونها للمرة الأولى.

ولا أحسب أن الحركات التي وصفها كوكو في ترجمته تفوق تلك الحركات التي أداها لاعبونا في تلك السهرة … إلا بعض حركات نادرة تأتي فيها البراعة من قدرة الفنان على التصرف في خطته المرسومة المتكررة، ويدل على هذه البراعة مبلغ ما فيها من التفاهم المفاجئ بين اللاعبين، مع أنهم لم يتوقعوها ولم يستعدوا بالمرانة الطويلة على التوفيق بين حركاتهم في كل منها.

إحدى هذه الحركات يشترك فيها نحو عشرين لاعبًا يؤدون أعمالهم فوق منصة عالية منصوبة على خشبة يحملها سلك دقيق معلق في الهواء.

وتنكسر الخشبة خطأ لأنها كانت غير الخشبة المعدة لهذه اللعبة، ولكن الكارثة المحتومة لم تقع لساعتها كما توقع جميع العارفين باللعبة، لأن اللاعبين تداهموا في أقل من لمحة عين إلى التصرف اللازم للهبوط بالجميع إلى الأرض سالمين، وموضع الدهشة في هذه الأعجوبة أن بنتًا صغيرة من اللاعبين أغمى عليها فتكفل الممسكون بها من كلتا يديها بتدبير حركاتها إلى أن أفاقت من غشيتها بعد قليل، وتمت اللعبة في مثل موعدها وكثير من المشاهدين يحسبون أنها كانت مقصودة بما فيها من الخطأ وهو كسر الخشبة وإغماء البنت الصغيرة.

ومن تصرفات «كوكو» نفسه أعجوبة أخرى كهذه الأعجوبة ولكن بغير أخطارها.

أصيب بعطل في رجليه وخطر له أن اعتزال العمل قضاء محتوم عليه قبل شفاء رجليه، ولكنه لم يلبث أن اخترع لأداء حركاته التي اختص بها مع مساعديه وهو جالس على الكرسي الذي كان يحمل عليه بعض مساعديه وهو سليم!

ومن طرائف مخترعاته — السهلة — في المستشفى أنه اشتاق إلى التدخين وهو ممنوع في حجرة المرضى، ورأى مريضًا آخر يدخن على بعد خطوات منه فسأله نفسًا من السيجارة التي لا تزال في يده …

قال زميله: وكيف يا سيد كوكو بالنفس وأنت لا تقوى على المشي وأنا لا أقوى على قذف السيجارة إليك؟

وفي لحظة خاطفة كان البهلوان المصاب بقدميه «قائمًا» على يديه … وأخذ ما شاء من أنفاس السيجارة الوحيدة وهو ينفخ بها إلى الأرض، بدلًا من الهواء.

ومثل هذا التصرف في البهلوانية لا يعسر على أبطالنا ولا ريب، ولكن البراعة التي تنقذ اللاعب من الخطر في حالتي الصواب والخطأ على هذه سواء، هي موضع العثرة كما يقال في هذا المقام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.