ما نبتت دعوة «الحزب الوطني الحر» في مصر حتى أخذت كل دولة تفكِّر في كيفية استثمارها، وما وصلت تلك الحركة الوطنية إلى أوجها حتى قامت العراقيل في وجهها فأفسدوا أمرها، ولم يكُ القائمون بها على بينة من أمر الدول، فكانوا ينظمون سياستهم على «حالة منزلهم» لا على حالة العالم وسياسات الدول واتجاه تيارها؛ لأنهم حُرموا المرشدين والمخبرين ولم يُحرَموا المغررين. وكان الناهضون بالحركة والمؤسِّسون لها يعدُّون لها الدعاةَ والرسلَ إلى أن صاروا أسارى أولئك الرسل والدعاة حتى العامة فأفسدوا عليهم الأمر.

فألمانيا كانت تقترح على الدول منذ اشتدت الحالة أن يُوكَّل أمر إخماد الفتنة إلى تركيا؛ لأن بسمرك وضع نُصب عينيه اكتساب تركيا والسيطرة عليها، وتركيا في جانب دول أوروبا الوسطى بمثابة درع الأمان منذ أقدم الأيام، ولم يتغلَّب عليهم الفرنساويون إلا يوم كانت تركيا في جانب هؤلاء الفرنساويين، والتاريخ ووقائعه أصدق معلم لرجال السياسة. وقد اكتسب بسمرك تركيا بتضحية مصر للإنكليز، واكتسبت إنكلترا مصر بإغماض العين عن ألمانيا، وخسرت فرنسا مصر؛ لأنها كانت تخاف إطلاق يد ألمانيا فيها هي بعدما هدَّدتها في سنة ١٨٧٥، فلم تجرؤ على تفريق قوتها لمشاركة إنكلترا، وهي المشاركة التي ظلت إنكلترا أشهرًا تعمل للتفادي عنها، وهذا التفادي قد يُعَدُّ مثار الحروب الأخيرة؛ لأن فرنسا تعهَّدت لإنكلترا بعد طول المشادة والخصام في المسألة المصرية، حتى وصلوا إلى الإنذار النهائي يوم وصلت حملة مارشان إلى فاشودة، وأسرعت إنكلترا بإرسال حملة كتشنر فالتقت بذلك البطل الفرنساوي الذي أراد من وصوله إلى السودان فتح المسألة المصرية. تعهَّدت في سنة ١٩٠٤ بأن لا يُطالِبها بالجلاء عن مصر، فأطلقت إنكلترا يدها مقابل ذلك بالمغرب، وحالفتها بالميثاق الودي الذي ضيَّق على ألمانيا الخناق، فأرادت تفكيكه بالحرب التي انتهت بإعطاء كل دولة شطرًا في الشرق؛ فأُعطيَتْ إنكلترا العراقَ وفلسطين وتتمة الإمبراطورية البريطانية بأفريقيا، وأُعطيَتْ فرنسا سوريا القلعة على سواحل شرق البحر المتوسط، وأُعطيَتْ إيطاليا جزرَ الديدوكانيز كدرع لسواحلها، هذا فضلًا عن إعادة الموازنة في أوروبا. أما تركيا وأما أملاكها فكانت طعمة للأكل على كل حال، فلو لم يكن هؤلاء لَكان أولئك.

فالمسألة المصرية هي علة كل ما وقع بعد وقوعها سنة ١٨٨٢، هذا ما ينطق به التاريخ السياسي مدى نصف قرن مضى.

***

عرفنا كيف وقعت مذبحة الإسكندرية، وعرفنا كيف استعدَّ الإنجليز بتعزيز أسطولهم، وقد تقدَّمَ ضربَ الإسكندرية، وتقدَّم الحربَ والقتالَ بين الوطنيين المصريين والإنكليز؛ حادثان: الأول مؤتمر السفراء في الآستانة، وقد كان عنوان النجاح الذي قضى بالفشل، والثاني مقتل الأستاذ بلمر، وقد كان دليل نجاح الإنكليز.

عرفنا أن سياسة الخديوي توفيق وسياسة الحزب الوطني كانت بين هبوط وصعود متواليَيْن، فتارةً ترتفع سلطة الخديوي بتأييد القناصل، وطورًا تهبط بتمرُّد الوطنيين؛ لأنهم لم يلقوا أيَّ عقاب عن تمرُّدهم. ولما وصلت الدول إلى حوادث شهر مايو، وصار الأمر بيدِ جميع الدول بدلًا من إبقائه بيد الإنكليز وفرنسا منفردتين — وهكذا أراد غرنفل وبسمرك — وجَّهت فرنسا وإنكلترا في ٢٣ مايو مذكرةً إلى الدول قالت فيها: «إن قصدنا هو عودة السكينة إلى مصر وضمانة مستقبلها، فإذا بلغنا هذا القصد تركنا مصر وشأنها واستدعينا أسطولنا، فإذا حدث ما ليس في حسباننا ولم نتوصَّل إلى حلٍّ سلميٍّ، نتفاوض مع الدول ومع تركيا في الوسائل التي تظهر لنا أنها أفضل من سواها.»

وبعد ٢٣ مايو — أي بعد إرسال هذه المذكرة إلى الدول — تفاقمَتِ الحالةُ في مصر حتى خيف على حياة الخديوي، وحتى عرف هو ذاته أنه في موقف الخطر، فذهب إلى الإسكندرية ليكون تحت حماية الأسطول، فاقترح الموسيو فرسينه على اللورد غرنفل عقدَ مؤتمر من سفراء الدول ومن تركيا لاتخاذ الوسائل الفعلية حتى لا تُفاجَأ الدول من فعل الحوادث وأطوارها بما ليس في الحسبان، فوافَقَ اللورد غرنفل على ذلك واقترح أن يجتمع المؤتمر في الآستانة.

وفي ٢ يونيو أرسلَتِ الدولتان — فرنسا وإنكلترا — إلى الباب العالي وإلى الدول الأربع مذكرةً قالتَا فيها: «لم يبقَ من أملٍ بأن تُحلَّ المشاكل المصرية بفضل وجود أساطيلنا في الإسكندرية، وبوساطة قنصلَيْنا في القاهرة، وقد حلَّ الوقتُ الذي توقَّعنا حلوله في مذكرتنا بتاريخ ٢٣ مايو للتباحُث مع تركيا والدول في تقرير الوسائل التي تُتَّخَذ باتفاق الجميع لوضع حدٍّ للأزمة؛ وترى الدولتان أن أقرب الوسائل للنجاح عقد مؤتمر الآستانة من سفراء الدول ومن وزير خارجية تركيا.

ومهمة هذا المؤتمر تقرير الوسائل التي تُتَّخَذ لتسوية مشاكل مصر على القواعد التي وردت في تلغرافنا إلى الدول الأربع في ١٢ فبراير، وهي: (١) صيانة حقوق السلطان والخديوي وعهود الدول والاتفاقات المتفرعة عنها، سواء أكان مع إنكلترا وفرنسا وحدهما أم مع هاتين الدولتين منضمتين إلى الدول الأخرى. (٢) احترام الحريات المضمونة بالفرمانات. (٣) ترقية الأنظمة المصرية بتؤدة ورويَّة.

في ٢٣ يونيو اجتمَعَ المؤتمر، وكان سبب تأخيره تردُّد تركيا بإشارة بسمرك الذي كان همه بسط نفوذه في الآستانة، بإظهار غيرته عليها والدفاع عن سلطاتها وكرامتها، فأكَّدت الدول للباب العالي أن المؤتمر لا يتعرَّض لمسألة أخرى غير مسألة مصر، ولكن السلطان رفض الاشتراك بالمؤتمر مع الوعد بتنفيذ قراراته.

فاضطرت الدول إلى تجديد السعي لإقناع الباب العالي بالاشتراك، واتفقت على أن تكون قاعدة أعمال المؤتمر ما يلي: «إن الدول في تسوية المشاكل المصرية لا تطلب واحدة منها ربحًا في الأرض، ولا أي امتياز ولا ميزة تجارية لرعاياها لا تنالها رعايا الدول الأخرى.»

ولما انعقد المؤتمر تبايَنَتْ أفكار الدول؛ فروسيا كانت ترى إيكال الأمر إلى إنكلترا وفرنسا لتعملَا معًا باسم الدول، أما ألمانيا والنمسا وإيطاليا فكانت ترى استخدام الجنود التركية لإخماد الفتنة. وكان بسمرك لا يرى اشتراط أي شرط بحجة أن قوتَيْ فرنسا وإنكلترا البحريتين خير ضامن، فإذا وُضِعت الشروط لاحتلال التُّرك مسَّ ذلك كرامةَ السلطان، وقد كانت إنكلترا تقترح مثل ذلك لأنها كانت قد عوَّلت على احتلال مصر وضمنت سكوت بسمرك.

وأما حكومة مصر فإنها كانت شاردة في غلوائها لا تعرف من ذلك شيئًا، ويحرثها تردد فرنسا وإنكلترا وإحجامهما عن أي عمل بعد الإنذارات منذ شهر فبراير.

اجتمَعَ السفراء وأرسلوا إلى الباب العالي مذكرةً أعربوا فيها عن أسفهم؛ لأنهم لا يرون بينهم وزيرَ خارجية تركيا حتى يتمكَّنوا من أن يظلوا على صلةٍ وثيقة بالباب العالي.

وفي جلسة ٢٧ يونيو قرَّر المؤتمر «أن كلَّ دولة من الدول تتفادى إبَّان اجتماع المؤتمر عن كل عمل منفرد، إلا في حالة الضرورة القصوى لحماية حياة رعاياها.» وكانت الفقرة الأخيرة بناءً على طلب إنكلترا؛ لأنها كانت ترى وقوع الحوادث، بل كانت تريد التدخُّل.

وفي جلسات ٢٨–٣٠ تباحث المؤتمر باقتراح سفير إنكلترا «بأن يطلب من جلالة السلطان أن يرسل إلى مصر جيشًا يكون قادرًا على السيطرة على الحالة، وإخضاع العصبة العسكرية التي اختلست السلطة، وذلك على وجهٍ يبين منه الغرض من عمل هذا الجيش والمدى الذي يصل إليه.»

وكانت فرنسا تطلب تضييق مهمة الجيش، وألمانيا تطلب أن تكون بلا شرط وبلا حد. وفي ٦ يوليو اتفقوا على أن تُوجَّه إلى الباب العالي مذكرةٌ يقولون فيها «إنهم يرون سرعة التدخُّل بمصر لتسكين القلاقل وإعادة الثقة، فهم لا يلجئون إلى سيادة السلطان على تلك البلاد، ملتمسين منه إرسال جيش إلى مصر لإعادة النظام وتمزيق العصابة العسكرية التي اختلست السلطة، ووضع حدٍّ للفوضى التي تسود في تلك البلاد، وقد عادت بالخراب والدمار وسفك الدماء ومهاجرة الألوف من الأسر الإسلامية والأوروبية، وأضَرَّتْ بمرافق الوطنيين والأجانب (مشيرين إلى مذبحة الإسكندرية وما تلاها).» إلى قولهم: «والجيوش السلطانية تضمن بوجودها في مصر احترام حقوق السلطان وإعادة سلطة الخديوي، ويسهل بحسب القواعد التي توضع في المستقبل إصلاح تنظيم الجندية بمصر، دون أن يضر وجود الجنود التركية بتقدم الأنظمة الأوروبية أو بالنظام الإداري والمدني والقضائي الذي لا يناقض منطوق الفرمانات السلطانية.» ثم حددوا مدة مهمة الجيش التركي بثلاثة أشهر، إلا إذا طلب الخديوي إطالة المدة التي يُتفق عليها بين الباب العالي والدول، وتكون نفقات هذا الجيش على عاتق مصر.

«وهذه النفقات تعينها الدول بالاتفاق مع الباب العالي ومصر.»

هذه الشروط لم يسلِّم بها بسمرك والنمسا إلا بكل صعوبة؛ لأنهم كانوا يرون ترك الأمر بلا قيد ولا شرط.

وبينما كان المؤتمر يتباحث، خطر لإنكلترا أن تنفِّذ سياستها بوضع يدها على مصر، فاتخذت لذلك حجة تحصين المصريين قلاعَ الإسكندرية وطوابيها.

ففي ٤ يوليو أبلغَتْ إنكلترا الدول التعليماتِ التي أصدرتها إلى الأميرال سيمور بأن يحتلَّ الإسكندرية في حالة الاضطراب، وهذا ما نظرت إليه بالعبارة التي أدخلتها على قرار السفراء، ثم سألت فرنسا هل هي تريد الاشتراك معها؟ فردَّ المسيو فرسينه أنهم لا يشتركون، فإذا أطلق الأميرال سيمور مدافعه على الإسكندرية لا يكون أمام الأميرال كونار قائد الأسطول الفرنساوي إلا الانسحاب.

طلبت ذلك من فرنسا بعدما وثقت من ردِّها بالرفض؛ لأن فرسينه قد قال لسفير إنكلترا عندما حدثه بالعمل معهم: «إن هذا الاشتراك يعود علينا وعليكم بالمتاعب، فنحن لا نقبله.»

وفي ١٠ يوليو أبلغت إنكلترا الدولَ أن الأميرال سيمور وجَّه إنذارًا إلى الحكومة المصرية ينذرها فيه ببدء القتال في صباح الغد، وأن هذا الإنذار عُلِّل بعودة المصريين إلى تحصين القلاع.

وفي الساعة السابعة من صباح ١١ يوليو بدأت مراكبهم بإطلاق القنابل على الإسكندرية.

أما مسألة الأستاذ بلمر ورفيقَيْه الكبتن جيل والضابط البحري شارنتون، فإذا كانت دليلًا على شيء، فهي دليل قاطع على ما كان ينويه الإنكليز قبل عقد مؤتمر الآستانة. والذي يُؤخذ من تصريحات المستر كامبل باترمان في مجلس نوَّابهم أن الأستاذ بلمر المستشرق الذي يعرف العربية، توجَّهَ في النصف الثاني من شهر يونيو إلى صحراء سيناء ليغري البدو على أن يكونوا في جانب الإنكليز، ليأمن الجيش الإنكليزي من الاعتداء عليه من خلف، ومن قطع مواصلاته، وليبتاعوا منهم الجمال ويسخِّروا الرجال بالنقل، ولكن هؤلاء الثلاثة لم يرجعوا، وانتهت الحرب ولم يُعرَف شيء إلى أن كان ٢٦ أكتوبر ١٨٨٢، فورد خبر على محافظ السويس بأن الأستاذ بلمر ورفيقَيْه قُتِلوا، وأن بلمر ذهب إلى برية الشام ومنها أتى إلى صحراء سيناء ومعه أحد مشايخ العرب أبو صفيح، فهاجمهم العربان في وادي مدر وقتلوهم وعفَوْا عن أبي صفيح وابن أخيه، ولكن هذين أخذَا ثلاثة آلاف جنيه كانت مع بلمر ورفيقَيْه، وقد خبَّأَ أبو صفيح المالَ ودلَّ عليه.

قُبِض على كثيرٍ من العرب وحُكِم على ١١ منهم بالإعدام، وحُكِم على ١٢ بالليمان من سنة إلى ١٥ سنة، وحُكِم على علي أفندي حسين محافِظ قلعة النخل بالتجريد والطرد من العسكرية مع السجن سنة.

وقرَّرَ المجلس العسكري الذي أصدر هذه الأحكام بأن يُشنَق المحكوم عليهم بالشرقية، وبأن يُساق مشايخ العرب جميعًا ليشهدوا شنقهم، وفي ٢٣ فبراير ١٨٨٣ جُمِع في الزقازيق ١٣٠٠ شخص من العرب، فشهدوا شنق خمسة من المحكوم عليهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.