الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.

سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.

كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!

تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.

أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.

بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.

ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.

على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.

حرية المرأة

ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:

الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.

هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.

هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.

لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.

ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟

فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: ()، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!

ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.

لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!

أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.

عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:

خدعوها بقولهم حسناء

والغواني يضرهن الثناء

عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!

وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!

من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.

ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:

لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.

هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.