مقدمة

لقد شهدت مصر منذ فجر الحضارة من مواكب الملوك ما لم تشهد بلاد سواها؛ وذلك لمكانتها بين الأقطار وعراقة تاريخها وجلال ذكرها وجمال واديها ونهرها، ولم يبلغ ذروة المجد ملك أو عاهل لم يرد مصر زائرًا أو خاطبًا صداقتها متوددًا إليها وباسطًا لها يد الإخلاص.

ومن كبار ملوك المسلمين أقبل عليها العباس ضيفًا كريمًا والدولة العباسية إذ ذاك في عنفوان شبابها، وفي القرن الماضي أقبل عليها السلطان عبد العزيز خليفة آل عثمان في عهد إسماعيل العظيم ومصر في عنفوان قوتها وسمت عظمتها الحديثة، وهي إذ ذاك إمبراطورية شرقية عربية.

ولكن لم يسبق لمصر أن رحبت بملك انشرح له صدرها وتفتح لمقدمه قلبها وتدفقت من جوانبها ينابيع المحبة والوفاء لمقدمه بمثل ما تستقبل به في هذه الآونة مقدم الملك الجليل وبطل العروبة وباعث مجدها عبد العزيز آل سعود ملك نجد والحجاز، ومحرر جزيرة العرب وصاحب نهضتها.

وقد تمايزت مصر منذ عرفت العروبة والعرب والإسلام بصبغتها العربية وحماستها القومية وثقافتها الإسلامية وحرصها على الحضارة الشرقية، وذلك الحرص وتلك الغيرة بقيا من أخص صفات الاجتماعية المصرية والشخصية المصرية، فكان لهما أكبر الأثر في صيانة لغة القرآن الكريم والمحافظة على مجد العروبة منذ صدر الإسلام حتى هذه الأيام، فكان طبيعيًّا أن يحبها عبد العزيز ويعجب بها وأن تحبه وتعجب به، ولا سيما بعد أن تبادل الملكان العظيمان ما تبادلا من صداقة حميمة ومودة عميقة وإخلاص ووفاء، ولا فضل فيها لأحد غير سبحانه وتعالى.

البشرى بالنهضة

نشأ عبد العزيز آل سعود وترعرع وصلب عوده في أول القرن الرابع عشر الهجري وأواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وكانت رسالته في الحياة على ظاهر الأمور بمقتضى أحوال أسرته وقومه ووطنه أن يستعيد مجد وطنه نجد، وأن يسترد عاصمة آبائه الرياض، وقد وفى هذه الغاية وزاد عليها، وبسط نفوذه على الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها شمالًا وشرقًا وجنوبًا وغربًا، لا فاتحًا ولا غازيًا ولا فارضًا قوته على ملوك العرب وأمرائهم، ولكن حليفًا أليفًا وجارًا كريمًا شريفًا وصديقًا وفيًّا ذائدًا عن الحياض، مدافعًا عن الحقوق، متمسكًا بالكرامة العربية، داعيًا إلى الوحدة والإخاء والحرية، فأثبت بتاريخ حياته المديدة — إن شاء الله — أن قيمة الحياة لا تُقاس بأغراضها القريبة، وإنما تقاس بمقاصدها البعيدة التي قد تكون سرًّا مضمرًا في فؤاد الدهر، أو سطرًا ناصعًا في لوح القدر.

فقد بزغ كوكب عبد العزيز ثم علا ولمع في العصر الذي ذهب فيه سلطان العرب وكُسِرَت شوكتهم وتقصَّفت قناتهم وحَكَمَتْهُمْ أجيال مختلفة، وكانت نشأة عبد العزيز مع القرن الرابع عشر الهجري، والقرن الرابع عشر في كل الحضارات القديمة والحديثة قرن البعث والإحياء والنهضة، فانظر إلى هذا القانون التاريخي الثابت الذي يبدو لمن يقنع بظاهر الأمر أنه محض مصادفة، ولكنَّ في الحقيقة قاعدةً قعَّدها الله وقانونًا قنَّنه وسُنَّةً سنَّها ولم تجد لسنة الله تبديلًا، فتجدد شباب العروبة ونفضت عن كاهلها غبار الماضي وتيقظت من رقدة طويلة، كالنسر ينهض من غفوته ليحلِّق بجناحيه في عنان السماء.

زيارته لمصر

فليس عجبًا إذن أن تكون لزيارة الملك الجليل ذلك الشأن العظيم في مصر، بل وفي المشرقين، بل وفي العالم كله، فإنه من بعض حقوقه أن تهزنا رحلته إلينا وإقباله علينا هزة الفرح والاستبشار والتفاؤل بالخير؛ لأنه أول ملك من ملوك الإسلام والعالم يقصد إلى مصر في ضيافة ودية وقد امتلأ قلبه الكبير بالحب والإخاء والإخلاص لجلالة الفاروق وللأمة المصرية على بكرة أبيها، وهو يزورنا مكرمًا ردًّا لزيارة مليكنا المحبوب تلك الزيارة الأولى في ظلال رضوى، وقد توثقت أثناءها روابط الود والوفاء، واستحكمت أواصر الصداقة والإخاء بين عاهلين كانا وما زالا معقد آمال العرب والشرق الأوسط، وبفضل ألفتهما وألفة شعبيهما نبت زرع الوحدة العربية وأخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع.

ويزيد هذه الزيارة الكريمة قدرًا مجيئُها في أحوال دولية على جانب عظيم من الخطورة، ولكنها في مناسبة مواتية لتوثيق وحدة الأمة العربية بجميع شعوبها.

وها هو قلب مصر يخفق بحبه، وعين مصر ترنو إليه وتتبعه بنظرة الشوق والتقدير، وعنق مصر يشرئبُّ ويتطاول، وصوت مصر يرتفع بالدعاء والتهليل والتكبير، ويد مصر مبسوطة بالترحيب والتحية لشخصه الكريم وذاته العزيزة المحبوبة.

ولسنا نبالغ إن قلنا إن الملك عبد العزيز قد أحس بفيض الحب والولاء حتى أثناء زيارته الخاطفة في العام الماضي، وكانت ضرورات الحرب تقتضي التكتم والتستر والعجلة، فما بالنا وقد أصبح الملك العظيم في مصر ملء الأعين والأسماع والأفئدة، يرانا ونراه عيانًا بغير حجاب ولا خفاء، ونستمع إلى صوته ويستمع إلى هتافنا ودعواتنا الحارة للمليكين ولذلك الشرق العربي الذي صهرته الأحداث بعد أن أحاطت به محنة الحرب والسياسة من كل جانب، وأصبح في أشد الحاجة للتعاون والتعاضد والتساند في عالم مضطرب لا ينفع فيه التمسك بالوعود والعهود إن لم تكن بجانبه قوة تدعمه وبأس يشد أزره ويؤيده.

الملك والوحدة العربية

لقد أثبت الملك السعودي أنه من أكثر الملوك اعتصامًا بالعقل والرَّوِية، وقد يرى في الآفاق البعيدة بما جمعه الله له من مواهب ما لا يرى غيره، ولذا رأيناه يتغلب على العقبات الكَأْدَاء في سبيل الوحدة العربية، وله في خدمتها الهمة القعساء واليد البيضاء، فكانت العقبات باعثة له على مضاعفة جهوده وزيادة الهمة في السعي، ووسيلته في ذلك دوام التآخي وتوثيقه، وهو يعلم أن مئات الملايين يتطلعون إلى تحقيق أمنيته وأمانيهم في عودة الأمم العربية إلى سالف عزها وسابق مجدها بالحرية الصحيحة والاستقلال السياسي والاقتصادي، ويتطلع عاملًا ساهرًا دائبًا إلى بزوغ ذلك العصر السعيد، تلوح ملامحه وتدنو مطالعه كنور الشمس قبيل ظهورها تتزايد أشعتها إلى أن يتكامل إشراقها وترتفع إلى سمتها فتغمر العالم بالضياء والدفء والحرارة.

والملك الجليل خبير بالتاريخ القديم والحديث وهو جد عالم بأن أمم الغرب كانت في عهد الطفولة، وكان العرب في طور الرشد الاجتماعي والسياسي، فكانت العروبة للأمم بمثابة الأساتذة المرشدين، وعن العرب في الأندلس وجنوب فرنسا وإيطاليا وألمانيا وفي الشرق، أخذت أوروبا مفاخرها، وقد آن الأوان للأمم العربية أن تنهض لتستعيد تلك المفاخر، وما يكون ذلك إلا بالتعاون دون التهاون، وبالمساواة في السلم والحرب.

كانت البلاد العربية فيما غبر من الزمان أممًا متفرقة وشعوبًا متباعدة، وأتى عليها حين من الدهر كانت متخاذلة، وكانت تلك الأعراض داعية إلى قنوط الدعاة إلى الوحدة، فأراد الله أن يتم الاتصال والتماسك بين أعضاء الجسم الواحد، فدبَّت الحياة في العالم العربي ولم تَحُلِ الأبعاد دون نهضته وانتعاشه بعد أن توافرت عوامل البعث وهيأ الله الزعماء لقيادته إلى غايته المقصودة وضالته المنشودة.

ومن مؤيدات اليقظة العربية بعد وحدة المقاصد والأهداف وحدةُ الثقافة، وهي المجلى الأولى للحياة، وبها تتوحد المقاييس وتزول الفوارق، ومنها الإيمان الكوني وهو الاستمساك بنواميس الخليقة وسُنَّة الله في الأمم وبسيادة العقل على المادة؛ لأن هذا الإيمان هو سر حياة الأمم، فإذا آمنت به كان ضمان بقائها وثرائها ونمائها وهنائها.

أعمال الملك في الحجاز

ومن محاسن الملك العادل أنه حقق آية الله في تأمين البيت الحرام، وبذل النفس والنفيس في نشر العدل والرحمة بين أمة الحجاز الكريمة الأعراق، وأجرى الله الحق على يديه، وأفاض الإحسان من ينابيع بنانه، ومفخرته العظمى في أرض القرآن الكريم إعلاء كلمة الله وسنة رسوله وإسداء الجميل إلى كل من سكن البلاد أو جاءها حاجًّا أو معتمرًا أو زائرًا متبركًا؛ فاجتمعت الكلمة على محبته، وتفانى الشعب في تحقيق أغراضه، فكل من في تلك الأرض المقدسة العزيزة على نفوس الملايين من المسلمين آمنٌ مطمئنٌ على حياته وعرضه وماله وكرامته بفضل الشريعة السمحاء أولًا، ثم بفضل الملك الذي لا تغمض له عين حتى يرجع كل حق إلى نصابه.

وقد أثبت الملك بعدله ورحمته وعقله وإيمانه ونور بصيرته أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان وكل مكان، وأن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وهو يتبع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مَنْ وصفه القرآن العظيم بقوله الكريم: ()، وهذا دستور عبد العزيز مستمد من كلمة الله سبحانه وتعالى في صفة نبيه، فهو قد أعلم الخاصة والعامة رأيه في استصلاحهم ورد مظالمهم وتفقُّد أحوالهم وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم، فإن شغب شاغب أو نعر ناعر فلا يسطو عليه سطوة الجبار التي تجعله نكالًا وموعظة، وإنما يأخذه باللين والهوادة والموعظة الحسنة حتى يصل به إلى الهداية والطاعة، وقد شهد كل من زار أرض الحجاز المباركة، ثغورها ومدنها، أن الملك يسهر فعلًا لا قولًا على أمن الأمة وراحتها، ويأمر وزراءه وعماله بالجد والتيقظ وتقديم الحزم في كل الأمور ليلهم ونهارهم، ويختار لمناصب الدولة من يثق بطاعته وتضحيته وهيبته عند الأمة، سواء أكان قريبًا أم غريبًا، وسواء أكان في ماضيه عدوًّا أم حبيبًا؛ لأن كل مقصده خير الأمة العربية التي ألقت مقاليدها إليه، فكانت أمانة الله في عنقه وهي قبلة أنظار العالم من أقاصي الصين في المشرق إلى أقاصي مراكش في المغرب، وأن حق الله على من يستودعه مثل تلك الأمانة من أئمة المسلمين وملوكهم، الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالعدل والرحمة في رعيتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم.

وقد اتجه — أطال الله عمره — إلى إنهاض الحجاز، فدوَّن الدواوين وافتتح المدارس والملاجئ، وبعث بعوث الشبان في طلب العلم وجلب الخبراء في الزراعة والصناعة لاستصلاح الأراضي والمساقي وتأسيس المعامل والمصانع ليستغني أهل الحجاز بعلمهم وإنتاجهم بعد زرعهم وضرعهم دون أن يجعلوا موارد الحج وحدها مصدرًا لأرزاقهم، أما التجارة فلا حاجة بهم إلى تعلمها؛ فهم بفطرتهم ومرانتهم من أمهر تجار العالم إن لم يكونوا أحذقهم وألبقهم قاطبةً.

وقد بذل الملك أقصى الجهد وأنفق من حر ماله على تعبيد الطرق، وجر المياه النقية، وإضاءة المدن بالكهرباء، وتأسيس المستشفيات والمصحات ودور العلاج، وتشجيع الأطباء والممرضين والصيدلانية على الإقامة في الحجاز حتى تصح الأجسام بالدواء كما صحَّت العقول بالتعليم والقلوب بالإيمان، وقد شهدنا كل ما نكتبه عن كثب، ولمسنا ولابسنا ما أثلج صدورنا، فنحن نتكلم عن معرفة واختبار.

وجلالة الملك عبد العزيز لا ينعم بالألقاب، ولا يفضِّل رجلًا على رجل إلا بالتقوى والعلم والخلق الفاضل.

وقد كافأه الله على إخلاصه وخيره ورحمته وعدله؛ فشرح صدره، ورفع ذكره، وأعلى شأنه، ووطَّد مُلكه، وثبَّت عرشه، ونشر في الشرق والغرب فضله، وأنعم عليه بينابيع الزيت الفوارة ومناجم الذهب الزاخرة، فلم يستأثر بشيء من تلك النعم التي ساقها الله إليه، بل أشرك العباد من أهل البلاد، وجعل لهم حقوقًا في كنوز أوطانهم التي جعله الله عليها خازنًا أمينًا ينفق معظمها في الإصلاح والإحسان وتهذيب الرعية ورفع مستواها والأخذ بأسباب التحضر.

والله نسأل للفاروق وعبد العزيز أن يوفقهما لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيما ولَّاهما الله من عباده برحمته ومنته.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.